من «عقلاء المجانين» لابن حبيب النيسابوري (ت ٤٠٦هـ)
سهل بن أبي مالك الخزاعي
قال عبد الله بن ادريس مررت بابن أبي مالك فقال اسكت وغضب. وانقلبت عيناه فإن أعمالك كلها حادات. قال فوالله لقد داخلني من الفرق منه أمر عظيم. فلما كان يوم الجمعة حملت معي ثلاثة دراهم فأمرت انساناً يطلبه فوجدته. فدفعت له الدراهم فتبسم يحسبني إني أُكلمه فوقفت حيث أراد ثم أقبل علي فقال لي قل. قلت يا ابن أبي مالك ما تقول في النبيذ؟ قال حلال. قلت تشربه؟ قال إن شربته فقد شربه، وكيع وهو قدوة. قلت تقتدي بوكيع في تحليله ولا تقتدي في تحريمه. وأنا أسن منه. فقال إن قول وكيع مع اتفاق أهلب البلد. معه أحب إلي من مقالتك مع اختلاف أهل البلد عليك. وقلت له ما تقول في الغناء؟ قال قد غنى البراء بن مالك وعبد الرحمن بن رواحة. وسمع الغناء ابن عمر. وكان عبد الله بن جعفر من التابعين. وأمسك فقلت له سميت جماعة من الصحابة وأمسكت عن عبد الله بن جعفر. فقال لأنك سألتني عن الغناء ولم تسألني عن ضرب العيدان. قال بكار بن علي كان سهل بن أبي مالك الخزاعي المجنون عالماً بالشعر. قال رجل من أصحابنا ما أجود الشعر؟ فقال ما لا يحجبه عن القلب حاجب. مثل قول جميل:
ألا أيها النوّام ويحكم هبواأسائلكم هل يقتل الرجل الحب
قال عبد الله بن ادريس خرجت من عند عيسى بن موسى فانا عند طاق
المخامل. إذا أنا بابن مالك المجذوب جالس قد نكس رأسه كالمغشى عليه فوقفت على رأسه فقلت يا ابن أبي مالك! فانتبه فزعاً. فقال ما تشاء؟ قلت أي شيء أعجب معنى؟ قال لو قلت من أي النساء لقلت بيضاء شقراء مجدولة شهلاء. ولو قلت أي الرجال أعجب إليك؟ لقلت أصحهم جواباً وأحسنهم مسألة. فغير مسألتي إياه. ومدح إجابته إياي. قال فلما وليت سمعته يقول انظروا إلى ابن ادريس.
أبا خالد لا زلت سبّاح غمرةصغيراً فلما شبت خيمت بالشاطي
كسنور عبد الله بيع بدرهمصغيراً فلما شبّ بيع بقيراط!
قال فقبعت رأسي ودخلت في أضعاف الناس. ولم أعد بعدها إلى مسألته. قال ابن ادريس مررت ذات يوم جمعة بابن أبي مالك فقلت له متى تقوم الساعة؟ قال: ما المسؤول فيها باعلم من السائل. غير إن من مات فقد قامت قيامته. والموت أول عدل الآخرة. فقلت له المصلوب يعذب؟ قال إن كان مستحقاً فروحه يعذب. وما أدري لعل البدن في عذاب من عذاب الله. لا تدركه عقولنا. ولا أبصارنا. فإن الله سبحانه لطفاً لا يدرك. وكان جالساً في موضع رماد ومعه قطعة جص يخط بها فيستبين بياض الجص في سواد الرماد. فقلت له يا ابن أبي مالك! ايش تصنع؟ قال ما كان يصنع صاحبنا. قلت ومن صاحبكم؟ قال مجنون بني عامر. قلت وما كان يصنع؟ قال أسمعه يقول:
ومالي بها من حيلة غير اننيبلقط الحصى والخط في الدار مولع
قلت ما سمعته فضحك وقال أما سمعت قول الله سبحانه؟ " ألم تر إلى ربك كيف مدَّ الظل " فهل رأيته؟ هذا يا ابن ادريس كلام العرب. قال ومر بي وأنا في المسجد فصحت به ليعطف فقال:
أقبل عليّ ان أنت بين يديفأنت بين يدي رب العالمين
قال ابن أويس فأفزعني والله.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٠٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع