من «عقلاء المجانين» لابن حبيب النيسابوري (ت ٤٠٦هـ)
جعيفران
قال محمد بن جعفر الدينوري لقيت جعيفران الموسوس وقد جاء إلى علي ابن إسماعيل الهاشمي المقلب بالظاهرية وكانت له هيئة فوقف بين يديه فقال أعطني درهماً فرماه الغلمان ونحوه. فقال:
قد زعم الناس ولم يكذبواإنك من غير بني هاشم
فقال علي بن إسماعيل فضحني والله وهم بقتله. ثم قال يا جعيفران! ما تريد؟ قال درهماً صحيحاً، ورغيفاً حواري، وفالوذجاً، فجيء بها وقعد وأكله أجمع، وأخذ الدرهم وقال:
فكذب الله أحاديهميا هاشمي الأصل من آدم
قال عبد الله بن عثمان أبطأ عند جعيفران يوماً. ثم عاد إلينا وهو عريان يشتد والصبيان يرمونه بالحجارة فسلم علي وقال يا عبد الله:
رأيت الناس يدعونيمجنوناً على حال
ولو كنت كقارونوفرعون باقبال
وماذا عليّ حقولكن هيبة المال
قلت أيحضرك شيء على غير هذه القافية في هذا المعنى حتى نعلم أنك شاعر فقال:
رأيت الناس يدعونيبمجنون على عمد
وما بي اليوم من حسنولا لبس ولا عقد
ولو كنت كقارونووالي رحبة الجند
رأوني راجح العقلجميلاً حسن القد
وما ذاك على حقٍولكن هيبة النقد
فقلت أعندك مزيد على هذا؟ فإن جئت بالثالثة اقررت لك بأنك شاعر. فأطرق ثم قال قم بنا إلى المنزل فقمنا معه فقال:
رأيت الناس يرمونيبوسواس لأيامي
وما كنت أخا موققديماً قبل تهيامي
ولكني أرى ذاكلإدقاعي وإعدامي
ولو كنت أخا ملكٍوإسراج وإلجام
إذا أكرمني الناسولم أُرم بالمام
وكانوا كل أوقاتيباهون باكرامي
قال فأدخلته منزلي وغذيته وقعدت أنا وقوم من أصحابنا ثم عاتبناه على ما صنع بنفسه ووبخناه بأنواع اللوم فأنشأ يقول:
رأيت الناس أحياناًليروموني بوسواس
ومن يضبط يا هذامقال الناس في الناس
فدع ما قاله الناسوعجّل صفوة الكاس
فإن الناس يفرونبأمثالي وأجناسي
ولو كنت أخا ملكٍأتوني بين جلاسي
يقومون ويفدونعلى الرجلين والراس!
ثم قال يا فتى هذه أربعة وقام قومه فقال لي أحد أصحابي لو جئنا بقينة قلت ومن يجيء بقينة بين يدي مجنون دعونا اليوم نلهو فقد حل علينا فقال:
وندامي أكلونيإن تغيبت قليلا
زعموا إني مجنونأرى العري جميلاً
كيف لا أرعى وما لبصر في الناس مثيلاً
باسطاً للجود كفاًقائلاً خيراً فعولاً
انثي أهوى كرامالناس لا أهوى البخيلا
إن أكن سؤتكم اليومفخلوا لي سبيلا
وابتغوا غيري نديماًلكم مني بديلاً
وأتموا يومكم ح - ياكم الله طويلاً قال فندمنا على ما كان منا فقلنا له معك نلذ ونفرح فأتيناه بثوب فطرحناه عليه وأتيناه بقينة فأنشدت له:
لا تزوّج فتهلكاحذرك اليوم حذركا
إن للعرس مرجعاًعينها يورث البكا
لا يغرنك سقف بيتت وفرش ومتكا
عن قليل يشكي اليك فترثي لمن بكا
قال محمد بن مهدي الكاتب أتى جعيفران إلى بعض الولاة وهو يأكل فدعي إلى طعامه فأكل معه فلما كان من الغد حجب فقعد على الباب ثم كتب إليه شعراً:
عليك إذن فانا قد تغذينالسنا نعود فقد كنا تسقينا
بأكله سلفت أنقت حرارتهاماذا بقلبك قد صمنا وصلينا
قال أبو العباس الأسدي لقيت جعيفران فقلت له أتجيز لي هذا البيت الشعر؟ قال نعم بدرهم صحيح. قلت له نعم. قال هات فأعطيته وأنشدته.
وما الحب إلا لوعة قدمت بهاعيون المها باللحظ بين الجوانح
فتفكر ثم قال:
ونار الهوى تطفي عن القلب فعلهاكفعل الذي جادت به كف قادع
وأنشد أيضاً:
يا واعد الوعد ليس ينجزهأُفٍ لمن لا يتم كا وعدا
أُفٍ لمن لا يزال صاحبهفي تعب من عذابه أبدا
أكلّ طول الزمان أنت إذاجئتك في حاجة تقول غدا
لا جعل الله إليك ولاعندك ما عشت حاجة أبدا
وله أيضاً:
لا تيأس إن كنت ذا فاقةتتعب في نزر من الرزق
بين الفتى في شر أحوالهصاحب خلقان على الطرق
صار أميراً إن ذا عبرةوقدرة الله في الخلق
وذكر ابن أبي خالد قال كان بعض أصحابنا لقي جعيفران فقال له مصراع بيت إن أتممته فلك درهم قال هات قال ألا عجزت عن الصبر العقول فقال بالبداهة! لان سبيله مر ثقيل هات الدرهم.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٠٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع