من «عقلاء المجانين» لابن حبيب النيسابوري (ت ٤٠٦هـ)
حيان بن خيثم المجنون
قال عطاء السلمي: مررت ببعض أصدقائي ظاهر البلد فناداني وسألني ان أبر قسمة وناولني سكراً وسمناً ونشاءً وقال اصلحه لي. فأمرت من أصلحه. ثم أخذته تحت كسائي أمر به إليه، إذا أنا بحيان بن خيثم المجنون فقال ما معك؟ فقلت شيء اصلحته لبعض رفقائي. فقال اكشف عنه فكشفت فقال ارفعه فان نفوسنا نفرت من أن تأكله. قلت فما تريد؟ قال فالوذج العارفين قلت وما هو؟ قال خذ قند الصفا. وسمن البها. وزعفران الرضا. وماء المراقبة. وانصب طنجير القلق. وأوقد تحتها حطب الحرق. واعقده باصطام الحياء. ونار الشوق. حتى يزيد زبد الصبر. وترغو رغوة التوكل. ثم ابسط على صحاف الأنس. ثم كله. قلت فإذا أكلته. قال تضج أوجاع القلوب إلى مداويها. وتشكو ألم الضمير إلى مبليها. وتبكي العيون عن محبة مبكيها شوقاً إلى تأنسه محبتها. ثم أنشد فقال:
فهام بحب الله في القفر سابحاًوحطت على سوق القدوم رواحله
نهاه النهى فارتاح للخوف باطنهوخاف وعيذ الله فالحق شاغله
فلما جرى في القلب ماء يقينهفأنبت زرعاً لم تجف سنابله
طوى دهره بالصوم حتى كأنماعليه يمينٌ إنه لا يزايله
فعاد بحزن قد جري في ضميرهتنوح به أعضاؤه ومفاصله
يسرّ الفتى ما كان قدّم من تقىإذا عرف الداء الذي هو قاتله
قال عطاء: ومررت به يوماً وهو في المقبرة واقف على قبر يخاطبه، فقلت من تخاطب؟ قال: صاحب هذا القبر فإنه كان صديقي ورفيقي، قلت: وما قلت؟ قال أقول.
يا صاحب القبر يا من كان يأنس بيوكان يكثر في الدنيا موآتاتي
قلت وما جاوبك؟ قال قال:
شغلت عنك بشيءٍ لست واصفهمن الغموم ولوعاتٍ وبرحات
قال عطاء: مر بي يوماً في أزقة البصرة فقلت له كيف أصبحت؟ قال
أصبحت لا أعرف ما صباحيمن الهموم لا ولا رواحي
أفرط في جرمي وفي اجتراحيفصرت كالبازي بلا حناح
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٠٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع