من «عقلاء المجانين» لابن حبيب النيسابوري (ت ٤٠٦هـ)
شيخ مجنون
قال سوار بن عبد الله القاضي: دخلت بعض حمامات البصرة، فقلت لصاحب الحمام فيه أحد؟ قال لا، إلا شيخ موسوس. فدخلت فإذا شيخ فقلت يا شيخ! ما حرفتك! قال أنا أبيع الكعاب والدوامات من الصبيان فقلت في نفسي مع من وقعت. فقال لي الشيخ فما حرفتك؟ قلت لا أُخبرك قال والله ما أنصفتني سألتني عن حرفتي فأخبرتك، وسألتك عن حرفتك فلم تخبرني. فقلت أنا أنظر فيما بين الناس، وأمنع الظالم من المظلوم. قال الشيخ: ويقبلون منك، قلت من لم يقبل حبسته وأدبته، قال ومنك ذلك قلت نعم إن معي أعواناً من السلطان. قال الشيخ: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به. قال سوار فتصاغرت إلي نفسي.
مجنون
قال محمد بن يعقوب الأزدي عن أبيه دخلت دير هرقل فوجدت فيه مجنوناً مكبلاً، فكلمته فوجدته أديباً. فقلت ما الذي غيرك إلى ما أرى؟ فقال:
نظرت إليها فاستحلت بنظرةدمي ودمي غالٍ فارخصه الحب
وغاليت في حبي لها ورأت دميرخيصاً فمن هذين داخلها العجب
قال بعضهم لقيت بعض المجانين، فقلت له يوم غيم قال:
أرى اليوم يوماً قد تكاثف غيمهوأقتامه فاليوم لا شكّ ماطر
وقد حجبت فيه السحائب شمسهكما حجبت ورد الخدود المحاجر
مجنون
قال الجاحظ: رأيت مجنوناً بالكوفة فقال لي من أنت؟ قلت عمرو بن بحر الجاحظ. قال يزعم أهل البصرة أنك أعلمهم. قلت إن ذلك لقال. قال من أشعر الناس؟ قلت امرئ القيس. قال حيث يقول ماذا؟ قلت:
كأن قلوب الطير رطباً ويابساًلدى وكرها العناب والخشف البالي
قال فأنا أشعر منه، قلت حيث تقول ماذا؟ قال حيث أقول:
كأن وراء الستر فوق فراشهاقناديل زيت من ورام قرام
فأينا أشعر؟ قلت أنت. قال فأيهما أقوى الماء؟ قلت الريح. قال لم تصب. قلت وكيف؟ قال يقع الثوب في الماء فيبتل في طرفة عين، ويبسط في الريح فلا يجف إلا بعد ساعات، أصبت أم أخطأت؟ فقلت أصبت.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٠٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع