من «عقلاء المجانين» لابن حبيب النيسابوري (ت ٤٠٦هـ)
شاب مجنون (٤)
قال عبد الله بن عبد العزيز السامري: مررت بدير هرقل أنا وصديق لي. فقال لي: أُدخل بنا لنرى من ملح المجانين، فقلت ذلك إليك. فدخلنا وإذا بشاب مليح الوجه، حسن الزي، قد أرجل شعره، وكحل عينيه، طراوة يعلوه حلاوة، مشدود إلى سلسلة بجانب حائط. فلما بصر بنا قال: مرحباً بالوفد قرب الله ما نأى منكما، بأبي أنتما. قلنا: وأنت فأمتع الله الخاصة والعامة بقربك وآنس جماعة ذوي المروءة بشخصك، وجعلنا وسائر من يحبك فداءك. فقال: أحسن الله عن جميل القول جزاءكما، وتولى عني مكافأتمكا. قلنا: فما تصنع في هذا المكان الذي أنت لغيره أهل؟ فقال:
الله يعلم انني كمدلا أستطيع أبث ما أجد
نفسان لي نفس تضمنهابلد وأُخرى حازها بلد
أما المقيمة ليس بنفعهاصبر وليس يقرها جلد
وأظن غائبتي كشاهدتيوكأنها تجد الذي أجد
ثم التفت إلينا فقال: هل أحسنت؟ قلنا له نعم ما قصرت وولينا. فقال بأبي أنتما ما أسرع ذهابكما بالله اعيراني افهامكما واذهانكما قلنا هات فقال:
لما أناخوا قبيل الصبح عيرهمورحلوها فسارت بالهوى الإبل
وقلبت من خلال السجف ناظرهاترنوا إلي ودمع العين منهمل
وودّعت ببنان عقده غمناديت لا حملت رجلاك يا جمل
ويلي من البين ماذا حل بي وبهايا نازح الدار خلّ البين وارتحلوا
يا راحل العيس عرّج كي اودعهميا راحل العيس في ترحالك الأجل
إني على العهد لم انقض مودتهميا ليت شعري بطول العهد ما فعلوا
فقلنا مجوناً منا ولم نعلم بحقيقة ما وصف ماتوا. قال أقسمت عليكم ماتوا؟ ثم قال إني والله ميت في أثرهم. ثم جذب نفسه في السلسلة جذبة دلع منها لسانه، وبرزت عيناه، وانبعثت شفتاه بالدماء، فتلبط ساعة، ثم مات. فلا ننسى ندامتنا على ما صنعنا به.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٠٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع