من «الأزمنة والأمكنة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
فصل [في بيان معنى السماء]
قال قطرب: السّماء مؤنثة وتصغيره سميّة. وزعم يونس أنّ سماء البيت يذكّر ويؤنّث، وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: السّماء سقف البيت يذكر وينشد لذي الرّمة:
وبيت بمهواة خرقت سماءهإلى كوكب يروي له الماء شاربه
فإن قيل: لم ألحق بمصغّره الهاء وهو على أربعة أحرف، فقيل: سميّة ومن شرط ما كان على أربعة أحرف من المؤنّث أن لا يلحق بمصغّره الهاء قلت: كان مصغّره يجتمع في آخره ياءات استثقل وخفّف بما حذف منه فعاد يصغّر من حيث اللّفظ به تصغير الثّلاثي.
وقال بعضهم: يجوز أن يكون الواحد سماءة وهي السّماءة أعلى كل شيء، وقال رجل من بني سعد:
زهر تتابع في السّماء كأنّماجلد السّماء لؤلؤ منثور
وعلى هذا يذكّر ويؤنّث لأنّ ما ليس بينه وبين واحده إلّا طرح الهاء كالنّخل والنّخلة يذكّر ويؤنّث. قال تعالى: السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ
فذكر، ويقال في جمعه: اسمية وهذا إنما يجيء على جمعه مذكّرا لأنّ أفعله من جمع المذكّر كالغطاء والأغطية والرداء والأردية، والمؤنّث يكون على أفعل مثل ذراع وأذرع. قال العجّاج: بلغه الرّياح والسّمى، وهذا جاء التأنيث كعناق، وعنوق. قال سماء وسمي ليس كعناق وعنوق، لأنّ عناقا مؤنّث، وسمي الذي هو المطر مذكّر على أنّ المطر سمّي سماء لنزوله من السّماء، فأما قوله لنهدر كان من أعقاب السمي فإنما خففه وإن كان فعولا للقافية مثل من سر ضرّ، وقوله:
كأنّما قد رفعت سماؤهافصار لون تربها هواؤها
معنى رفعت سماؤها: لم يصبها مطر، ومثل لون تربها قول الآخر: كأنّ لون أرضه سماءه، أي لون سمائه للقتام الذي يغشى الجو، قالوا: هذا بطن السّماء، وهذا ظهر السّماء لظهرها الذي تراه. قال تعالى: رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ
وقالوا: الظّهر الوجه، وكذلك ظهر النّجوم والسّماء، وقال تعالى: بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ
البطائن: هاهنا الظّواهر، وجاء على هذا الضدّ فهو كقولهم: أمر جلل للشديد والهيّن. وقال جندل الطهّوي: يا ربّ رب النّاس في سمائه، فقصرها وأدخل الهاء.
وقال أبو حنيفة: يقال سماء البيت، وسماوته وأنشد لامرىء القيس:
ففئنا إلى بيت بعلياء مردحسماوته من الحمى معصب
وقال أبو حنيفة: يجمع السّماوة سماوات، وسماوي: قال: وروي بيت ذي الرّمة مسموعا من العرب:
وأفصم سيّار مع الحيّ لم يدعيروع حافات السّماء له صدرا
يعني بالأفصم الحلال الذي تحل به الأعراب مواضع الفتوق في آنيتهم، وجعله أفصم لانكسار فمه من طول اعتماله، ثم يجعل الواو في سماء همزة لمّا وقعت بعد ألف زائدة فقيل سماء، فأما قول أمية: سماء الإله فوق سبع سمائنا فإنه أتى بثلاثة أوجه من الضرورة.
منها أنّ سماء ونحوها يجمع على سمايا كما يجمع مطية على مطايا، فحمله على الصّحيح لا على المعتل، وجمعه على سماي كما يقال: سحابة وسحائب.
والثّاني: أنه حرك التاء في حال الخبر وكان يجب أن يقول: سبع سماء كما يقال جرار.
والثّالث: أنه جمع سماءة على سماي، وكان يجب أن يقول: سماءة، وسماء كما يقال: سمامة وسمام قوله:
فصبحت جابيته صهارجاكأنّه جلد السّماء خارجا
فإنه أراد بجلد السّماء الخضرة التي تظهر، فشبّه صفاء الماء بصفائه فهو مثل قوله:
رزقا جمامة والتقدير: كأنّ لون مائه لون جلد السّماء.
ومن أسماء سماء الدّنيا برقع بكسر القاف، وقد جاء في شعر أميّة:
وكأنّ برقع والملائك حولهاسدر تواكله القوائم أجرد
ومن أسمائها: الجرباء، والخلقاء وكأنّها سمّيت خلقاء لملاستها كالخلقاء من الحجارة قال:
وخوت جربة السّماء فمالشرب أرويه بمري الجنوب
وخوت: أخلقت، وقال الهذلي:
أرته من الجرباء في كلّ منظرطبابا فمثواه النّهار المراكد
ويقال في الجربة ما زرع من الأرض، وكأنّها إنما سميت جرباء لما فيها من آثار المجرة كأنّها الجرب.
ومن أسمائها: الكحل والمشهور في الكحل أنّها السّنة المجدبة. قال:
قوم إذا صرّحت كحل بيوتهمعزّ الذّليل ومأوى كلّ قرضوب
وقال يونس: يشهد للكحل أنها السّنة قوله:
بات عرار يكحل فيما بينناوالحقّ يعرفه ذووا الألباب
وهذا مثل وقيل: أصله أنّ عرار يراد به ما يعرّ من الشّر، وكحل: سنة شديدة، والمعنى استوينا فيما أصاب به بعضنا بعضا من الشّدة والمكروه، ويقال: اركب عرعرك أي صعب أمرك.
وحكي عن الأعراب أنّ عرارا وكحلا بقرتان كانتا في مرج، فقتلت كحل عرارا فجاء صاحبها فقتل كحلا ووقع الشّر بين صاحبيهما وناديا إلى القتال، فقال النّاس: بات عرار بكحل فما القتال؟ أي في كلّ واحد ما يبوء بدم الآخر.
وعنان السّماء: نواحيها والواحد عنو. وقال الدّريدي: لا أعرف أعنانا، وعنان السّماء ما عنّ لك أي عرض، ويقال: بلغ فلان عنان السّماء للعالي المحل، ومنه قولهم: جمعتهم في عنن أي في سنن. وقول الشّماخ بعدما جرت في عنان الشّعريين الأماعز، هو معانتها لهما يصف شدّة الحر. وأما قول الآخر: عنان الشّمال لا يكونن أضرعا، فالمراد معانة الشّوم وهو التّعرض.
ومن أسماء السّماء: (الرقيع) يقال: ما تحت الرقيع أرقع من فلان وهو علم كزيد وعمرو. وذكر بعضهم أنه إنمّا سمّي السّماء الرّقيع لأنها الشيء الذي رقعت به الأرض: أي جعلت مشتملة على الأرض. وجاء في الحديث: «من فوق سبعة أرقعة».
قال: وسمّيت خلقاء: لأنها ملساء. فإن قيل: كيف تكون جرباء وتكون ملساء. قيل:
إنما سمّيت بالصّفات على حسب أحوالها، فإذا اشتبكت نجومها فهي الجرباء، وإذا غابت النّجوم فهي الملساء، وهذا كما سمّي البحر المهرقان فعللان من المهرق، وهو فارسية مهره، وإنما أريد به ملاسته واستواؤه إذا انقطع عنه الموج على أنّ قولهم الخلقاء لا ينافي الجرباء إن كان المراد بالجرباء: النّجوم التي فيها.
وذكر بعضهم أنّ قولهم للبحر: مهرقان وهو من هرقت الماء وزنته مفعلان كأنّه يهرق الماء إلى السّاحل ثم يعود. والصّحيح ما قدّمته وأنشدت لابن مقبل:
يمشي به شول الظّباء كأنّهاجني مهرقان سال باللّيل ساحله
ويريد بجني مهرقان الودع، وشبّه الظّباء به.
والمجرّة قيل: هي باب السّماء وافتخر أعرابيان فقال أحدهما: بيتي بين المجرّة والمعرّة وقيل: المعرّة وما وراء المجرّة من ناحية القطب الشّمالي سمّيت معرّة لكثرة النّجوم فيه، وأصل المعرّة موضع العر، وهذا كما يسمّون السّماء الجرباء.
ويقال: أتيتك حين ازمهرّت الكواكب في السّماء أي أضاءت.
ويقال: أجهر لك الفجر إذا استبان ووضح.
وحكى الخليل الصّاقورة: وقال: هو اسم السّماء الثّانية في شعر أمية بن أبي الصّلت:
وبنى الإله عليهم صاقورةصماء ثالثة تماع وتجمد
وذكر الحافورة في شعر أمية وقيل هو اسم السّماء الرّابعة وقد ذكره الخارزنجي أيضا.
وذكر الدّريدي أنّ البرجس والبرجيس نجم من نجوم السّماء قال هو بهرام: والجبار:
اسم للجوزاء والشّعرى العبور تلو الجوزاء ويسمّى: كلب الجبار أيضا وفي المثل: أتلي من الشّعرى (ومن أسماء السّماء اللّاهة) وسمّيت اللّاهة تعظيما لها، وهو مشتق من لفظ الإله لأنّه المعبود المعظّم.
ويقال: شنع النّجم إذا ارتفع وهو من تشنّعت الفرس إذا ركبته وتشنّعت الغارة إذا تثبتها.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع