تجاوز إلى المحتوى

من «الأزمنة والأمكنة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

فصل [في بيان معنى الفلك]

الفلك أصله الدّوران والفلك السّفينة يذكّر ويؤنّث قال تعالى: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا

ثم قال تعالى: فَاسْلُكْ فِيها

فأنّث. وقال في موضع آخر: فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ

فذكّر،

والفلك جماعة السّفن، وقد فلكت الجارية إذا تفلّكت ثدياها وذلك عند استدارة أصلها قبل النّهود. قال: لم يعد ثدياها أنّ تفلّكا. ويقال: فلكت الجدي، وهو قضيب يدار على لسانه لئلّا يرضع، والفلكة أكمة من حجر مستديرة كأنّها فلكة مغزل، والجميع الفلك والفلكات.

قال الخليل: وهو على تقدير النّبكة في الحلقة إلّا أنّ النبكة في ذلك أشدّ تحديدا من رأس الفلكة، وقال النّحويون: الفلك اسم للسّفينة ويجمع على أفلاك، وعلى فلك فيصير الفلك اسما للجميع، وذلك لأنّ فعلا وفعلا يكثر اعتوارهما الشّيء الواحد نحو: العجم والعجم والعرب والعرب، فمن قال: جمل وأجمال، قال فلك وأفلاك. ومن قال في مثل: خشب وخشب قال: في فلك إذا جمع فلك. وقال الكميت:

والدّهر ذو فلك والنّاس دوّار

قال أبو حنيفة: وليس قول من قال هو القطب بشيء لأنّ القطب لا يزول من قطب الرّحى والفلك دوّار يدور بدورة كل ما فيه فدور الكواكب كلّها حول القطبين وهما نقطتان من الفلك متقابلان أحدهما في الشّمال والآخر في الجنوب، وليس يظهر القطب الجنوبي في شيء، من جزيرة العرب، وقال أبو عمرو الشيباني: هو القطب والقطب بالكسر والضّم وللسّماء آفاق وللأرض آفاق.

فأمّا آفاق السّما فما انتهى إليه البصر منها مع وجه الأرض من جميع نواحيها وهو الحدّ بين ما بطن من الفلك وبين ما ظهر قال الرّاجز: قبل دنوّ الأفق من جوزائه. يريد قبل طلوع الجوزاء لأنّ الطلوع والغروب هما على الأفق قال:

فهو على الأفق كعين الأحولصفواء قد كادت ولمّا تفعل

شبّهها بعين الأحول في أحد الشّقين، والصّفواء المائلة للمغيب وقال آخر:

حتّى إذا المنظر الغربيّ حار دمامن حمرة الشّمس لمّا اغتاله الأفق

واغتياله إيّاها تغيّبه لها:

وأمّا آفاق الأرض: فأطرافها من حيث أحاطت بك. قال الرّاجز:

يكفيك من بعض ازديار الآفاقسمراء ممّا درس ابن محراق

يعني بالسّمراء الحنطة، ودرس وداس بمعنى ويقال للرّجل إذا كان من أفق من الآفاق أفقى وأفقي، وكذلك السّماء وسطها آفاق عينها فإنّ الفرّاء قال: تقول العرب: مطرنا بالعين، ومن العين: إذا كان السّحاب ينشأ من ناحية القبلة.

قال ابن كناسة: عين السّماء ما بين الدّبور والجنوب عن يمينك إذا استقبلت القبلة قليلا، قال أبو نصر: العين من عن قبلة العراق وهذه الأقاويل قريب بعضها من بعض، وفي تثبيت عين السّماء قول العجّاج:

سار سرى من قبل العين فجرعبط السّحاب والرابيع الكبر
للشاعر العجاج، من قصيدة «قد جبر الدين الإله فجبر»

وقال أيضا: فثارت العين بماء بجس. وقال أبو عبيدة في العين مثل ذلك، وقال الأصمعيّ: العين المطر يقيم خمسا أو ستا لا يقلع، قال: ويقال: أصابتنا عس غزيرة واحتجّ بقول المتلمسّ:

فاجتاب أرطات فلاذ بدفئهاوالعين بالجون المثالي ترجس

ويؤكّد قول الأصمعي:

وأنا حيّ يحب عين مطيرةعظام البيوت ينزلون الرّوابيا

وقول ذي الرّمة:

وأردفت الذّراع أرى بعينسجوم الماء ينسجل انسجالا

وقوله أيضا:

سقى دارها مستمطر ذو غفارةأجشّ تحرّى منشأ العين رائح
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أمن دمنة جرت بها ذيلها الصبا»

يريد أنّ هذا السّحاب تحرّى أن يكون منشؤه من حيث نشأ للعين غير أنّه ثبت أنّ هناك منشأ هو أحمد المناشئ وبيّنه الكميت بقوله:

راحت له بين صيفي وأوليةمن الرّبيع سحاب المغرب الهضب

وإذا كان السّحاب مغربيا فمنشؤه من حيث وصف وليس يمتنع أن يقال: عين وإن كان الأصل في العين عين السّماء، كما يقال للمطر: سماء ألا ترى أنّهم يقولون: أصابتنا سماء غزيرة، وكلا المذهبين صحيح.

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الحادي والعشرون في أسماء السّماء والكواكب، والفلك، والبروج

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.