تجاوز إلى المحتوى

من «الأزمنة والأمكنة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

فصل [في أن العرب أحفظ الأمم لما أدّت إليه تجاربهم من أحوال الزّمان وتعاقب الشهور والأيام واختلاف الفصول والأعوام]

اعلم أنّ العرب أحفظ الأمم لما أدّت إليه تجاربهم من أحوال الزّمان- وتعاقب الشهور والأيام- واختلاف الفصول والأعوام- بما يتجدّد فيها من الأحداث- ويتغيّر من تدبير المعاش- فهم على اختلاف ديارهم- وتباين أوطانهم وتفاوت هممهم- يراعون من هبوب الرّياح- وطلوع الكواكب- وتبدّل الأوقات- ما لا يراعيه غيرهم من سكان المدر- والوبر- وقطان البدو- والحضر- وليس ذلك مستحدثا فيهم. وإنما هو عادة منهم يتوارثونه الخلف عن السّلف- والغابر عن الماضي- ومقياسهم طول الدّربة- ودوام التفقّد- فلهم اعتبار في كلّ ما يتجدّد في الجو من طلوع كوكب أو أفوله- وهبوب بارح- أو سكون يؤدّيهم إلى ما يبنون عليه أمرهم في مقامهم وظعنهم ومزالفهم، ومحاضرهم ويعتمدونه في مكاسبهم- ومعايشهم- ومناتجهم- وملاقحهم- وسائر متصرفاتهم- من غزو- واستباحة- وانتجاع وملازمة- استغنوا به عن نظر أصحاب الحساب.

وتوغلّهم من لطائف البحث والاستقصاء، فهم أتباع ما اعتادوا من البرق إذا لمع، والغيث إذا أصاب ووقع، والحر إذا أقبل وأدبر، والبرد إذا خفّ واشتدّ، لا يغفلون ولا يضيعون، فسبحان من جعل لكلّ أمة خصائص صاروا لها بمنجاة من الشرّ، وعوائد أصبحوا فيها على شفا الخير، وقد سجع حكماؤهم أسجاعا أبانوا بها فوائد يحبهم، أنا ذاكر ما يحضرني مفسرا.

قال أبو حنيفة: وجدتهم بدءوا بالثّريا وإن كان الشّرطان قبلها في نسق المنازل، ولم أجد العلّة في ذلك إلّا تعطل الأنواء وانصرام الرّطب، وهجوم الحر وقوة البوارح، فجعلوا الشّغل بما هم فيه، وطلوع الثّريا هو أمارة قوة الحر عند الجميع لا اختلاف فيه، فقال

فقيههم: إذا طلع النّجم- ويراد به الثّريا تقي اللّحم- وخيف السّقم- وجرى السّراب على الأكم. وقيل أيضا: إذا طلع النّجم جعلت الهواجر تحتد، والعانات تكتدم، وقيل: طلع النّجم غديه، وابتغى الرّاعي شكيه، وحكى الكلابي طلع النّجم غديا وابتغى الرّاعي شقيا، يجوز أن يكون شقوى لغة في شكوى، ويكون الشكوى بمعنى الشكوة، وقيل أيضا: طلع النّجم عشاء، وابتغى الرّاعي كساء، وقيل أيضا: إذا الثّريا طلعت عشاء قبع الرّاعي الغنم كساء.

وحكى أبو زياد: إذا أمسى النّجم يقبل فشهر فتى وشهر جمل. وقيل أيضا: إذا أمسى النّجم يدبر- فشهر نتاج وشهر مطر، وإذا أمسى الثّريا قم رأس. فليلة فتى وليلة فاس- ومما يحفظ من كلام لقمان بن عاد: إذا أمست الثّريا قم رأس ففي الدّثار فاحنس، وعظاماها فاحدس وأنهس بليل وأنهس، وإن سئلت فاعبس ومما سير فيها قوله:

إذا ما قارن القمر الثّريابخامسة فقد ذهب الشّتاء

وحكى النّضر في صدر هذا الباب: أضاءت ذكاء- وانتشر الدّعاء- وإذا طلعت العقرب، وهي أول بروج الشّتاء- جمس المذنب ومات الجندب وفرفر الأشيب.

إذا طلع الدّبران توقّدت الحزان، وهي ظواهر صلبة من الأرض ليست بجبال، ويبست الغدران واستعرت النّيران، واستنعرت الذيان- ورمت بأنفسها حيث شاءت الصّبيان.

وإذا طلعت الهقعة تقوّض النّاس للقلعة ورجعوا إلى النّجعة وأورست الفقعة وأرذقنها المنعة.

وإذا طلعت الجوزاء توقّدت المغراء وأوفى على عوده الحرباء، وكنست الظّباء، وعرقت العلباء وطاب الخباء. ويروى انتصب العود في الحرباء، وإنّما ذكرت الجوزاء مع الهقعة لأنّها رأسها.

وإذا طلعت الذّراع حسرت الشّمس القناع، وأشعلت في الأفق الشّعاع، وترقرق السّراب بكلّ قاع.

وإذا طلعت الشّعرى نشف الثّرى، وأجن الصّرى، وجعل صاحب النخل يرى. وقال بعضهم: إنما ذكر الشّعرى مع الذّراع لأنّها أحد كوكبيها وقيل:

إذا طلعت الشّعرى سقرا، ولم تر مطرا، فلا تغدونّ إمرة ولا أمرا. وأرسل العراضات ببغيتك في الأرض معمرا.

وإذا طلعت النّثرة قنأت البسرة، وجنى النخل بكرة، وأدّت المواشي حجره ولم تترك في ذات درّ قطرة.

وإذا طلعت الصّرفة بكرت الخرفة وكثرت الطّرفة، وهانت للضيف الكلفة.

وإذا طلعت الجبهة تحانت الولهة، وتنازت السّفهة، وقلّت في الأرض الرّفهة، وقيل أيضا:

وإذا طلعت الجبهة تزيّنت النّخلةوإذا طلعت النّثرة تشفّحت البسرة

وإذا طلعت العذرة فعكة بكرة على أهل البصرة، وليست بعمان بسرة، ولا لأكاريها بذرة، وإنما ذكرت العذرة هاهنا لأنّها تطلع مع الطّرف أو قريبا منه.

وإذا طلعت الصّرفة احتال كلّ ذي حرفة وجفر كلّ ذي نطفة، وامتيز عن المياه زلفة.

وإذا طلع سهيل خيف السّيل، وبرد اللّيل، وامتنع القيل، ولام الحوار الويل، (القيل) يريد القائلة يقال: قال يقيل قيلا وقايلة ومقيلا وقيلولة. (وقيل أيضا): إذا طلع سهيل طاب الثّرى وحار اللّيل، وكان للفصيل الويل، ووضع كيل، ورفع كيل. قال بعضهم: ذكر سهيل لأنّ طلوعه مع طلوع الجهة قال: وأهل البادية يعظّمون الفصال عند طلوع سهيل، وقيل: إذا طلعت الصّرفة احتال كلّ ذي حرفة، وقيل: احتال كلّ ذي جرفة، وجفر كلّ ذي نطفة، وامتزّ عن المياه زلفة.

وإذا طلع العوّاء ضربت الخباء وطاب الهواء وكره العراء وشنن السّقاء.

وإذا طلع السّماك ذهب الحرّ والعكاك، واستفاهت الأحناك، وقلّ على الماء العراك.

وإذا طلع الغفر اقشعرّ السّفر، وتزيّل النّضر وحس في العين الجمر.

وإذا طلع الزّبانى أحدثت لكلّ ذي عيال شبانا، ولكلّ ماشية هوانا وقالوا: كان وكانا.

وبردت الثنايا فاجمع لأهلك ولا تتوانى.

وإذا طلع الإكليل، حاجت الفحول، وشمّرت الدّيول تخوّفت السّول.

وإذا طلع القلب، جاء الشّتاء كالكلب، وصار أهل البوادي في كرب ولم تمكن الفحل إلّا ذات ثرب.

وإذا طلعت الشّولة أعجلت البولة، واشتدّت على العيال العولة، وقيل: شقوة وزولة.

وإذا طلع الهراران هزلت السّمان واشتدّ الزّمان ووحوح الولدان. و (الهراران): قلب العقرب والنّسر الواقع وهما يطلعان معا.

وإذا طلعت النّعايم توسّقت البهائم، وقيل أيضا: إذا طلع النّعام، كثر الغمام وذلك ليل التّمام، وقيل أيضا: إذا طلعت النّعايم ابيضّت البهائم من الصّقيع الدّايم، وأيقظ البرد

كلّ نايم. وروي خلص البرد إلى كلّ نايم، وتلاقت الرّعاء بالنّمايم.

وإذا طلعت البلدة حممت الجعدة وأكلت القشدة وزعلت كل ثلدة وقيل للبرد اهده، والقشدة والقلدة والخلاصة: ما يسلأ به السّمن.

وإذا طلع سعد الذّابح حمى أهله النّاتج، ونفع أهله الرّائح، وتصبح السّارح وظهر في الحي الأنافح.

وإذا طلع سعد بلع اقتحم الرّبع ولحق الهبع وصيد المرع وصار في الأرض بقع أو لمع وقيل تشكّى كلّ ربع.

وإذا طلع سعد السّعود: مضر العود، ولانت الجلود، وكره النّاس في الشّمس القعود.

وإذا طلع سعد الأخبية: ذهبت الأسقية، ونزلت الأحوية، وتحاورت الآنية، وقيل إذا طلع السّعد كثر الثعد.

وإذا طلع الدّلو ينيت الجزو، وانسلّ العفو، وطلب اللهو الحلو، وقيل أيضا: إذا طلع الدّلو فهو الرّبيع والبدو. والقيظ بعد الشّتو وكان فيه كل نوء أي مطر.

وإذا طلعت السّمكة: أمكنت الحركة وتعلّقت الحسكة ونصبت الشّبكة وطاب الزّمان للنّسكة.

وإذا طلع الشّرطان استوى الزّمان وحضرت الأعطان وتوافت الأسنان وتهادت الجيران وبات الفقير بكلّ مكان، وألقيت الأوتاد في الأبطان وقيل أيضا: إذا طلع الشّرطان ألقت الإبل أوبارها في الأعطان.

وإذا طلع البطين اقتضى الدّين وامتيز بالعين واقتفى العطار والقين. ومن هذا قول الشاعر شعرا:

فإن كنت قينا فاعترف بنسيهوإن كنت عطّارا فأنت المخيّب
أفينا تسوم السّاهرية بعدمابدا لك من شهر المليساء كوكب

المليساء: تصغير الملساء، والسّاهرية: جنس من الطّيب، والاقتفاء: الكرامة وقيل أيضا: إذا طلع البطين تزينت الأرض بكل زين. وقيل: إذا طلعت الهنعة تحمل النّاس للقلعة.

وإذا طلع الذّراع: هرأت السّناسن والكراع، وهرأت: نضجت من قولهم: لحم مهراء. والسّناسن فقار الظّهر والواحد سنسن.

وإذا طلعت النّثرة التقط البلح بكره، وإذا طلع الطّرف شقح الطّرف.

وإذا طلعت الجبهة تزيّنت البنهه، وهو ضرب من النّخل.

وإذا طلعت الخرأتان: طابت أم الجرذان لضرب من التّمر.

وحكى ابن الأعرابي: إذا طلع سهيل أخذ أحدهم بإذن الفصيل، ثم استقبل به مطلع سهيل، يريه إيّاه ثم يحلف أنّه لا يرضع بعد يومه ذلك قطرة ويفصله من أمّه.

وقيل: إذا طلع سعد الذّابح- انحجرت الضّوابح- ولم تهرّ النّوابح- من الشّتاء البارح.

وقيل: طلع الحوت- وخرج النّاس من البيوت- وقيل: طلعت الأشراط، ونقصت الأنباط.

تفسير ما فيه إشكال من ألفاظ هذه الأسجاع: الاحتدام: الذّكاء ويقال: احتدم الرجل: إذا تلظّى غضبا. والحطم: الكسر. والشّكوة: السّقاء الصغير من مسك السّخلة قبل أن يقرم. وقرمه: أكله الشجر، والقبل: أصله النّشر من الأرض يستقبلك.

وقال أبو زياد: إذا أمسى النّجم مقابلك من المطلع على قدر رمح أو رمحين قال:

والدّبران تراه قد انصبّ عن وسط السّماء حين تبدو النّجوم قم الرأس، بأن تكبد السماء حتى إن سقط لسقط على رأس القائم، وقوله: (عظاماها) يريد عظمي إبله وغنمه والمراد به الجنس.

والحدس: الصرع يقال: حدس بناقته فوجأها في سبلتها: إذا أناخها فوجأها في نحرها.

وحكي عن بعضهم حدس لهم بمطفئة الرّضف، إذا ذبح لهم شاة يطفئ الرّضف من سمنها. والرّصف: الحجارة المحماة. واستفار: الذّبان شدّة أذاها ومعرتها. والإيراس:

الاصفرار. وأردفتها: جاءت بعدها يقال ردفته وأردفته وإذا جعلته خلفك فليس إلّا أردفته.

وقال يزيد بن القحيف الكلابي: يقول الرجل للرجل يلقاه: هل لك علم برفقة بني فلان؟ فيقول: نعم ها هي ذه مردفتنا أي وراءنا.

ويقول: حسرت الشّمس القناع، وهو مثل، والمعنى أنها لم تدع غاية في الذكو.

ويقال للشّمس إذا اشتدّ حرّها ولم يحل من دون شعاعها شيء: انصلعت ويوم أصلع:

أي حام وأنشد:

يا قردة خشيت على أظفارهاحرّ الظهيرة تحت يوم أصلع

والخرفة: ما لقط من الرّطب وخرفت فلانا وأخرف لنا أي اجتنى.

وتشقيح البسرة أن تحمر: يقال شقح بسر وأشقح إذا تلوّن بحمرة.

قال الأصمعيّ: الأمر والقميد الصّغير من أولاد الضّأن، قال أبو عمر وهو السّائمة كلّها. والعراضات: الإبل العراض واحدتها عراضة، لأنّ آثار أخفافها في الأرض عراض.

والولهة: جمع والهة وهي ما بقي في المداوس من التّبن بعد تنقيته من الحب. ومن أمثالهم: هو أغنى عن ذلك من التّفه عن الرّفه. والتّفه عناق الأرض وهو لا يقتات التّبن لأنّه سبع. وأم جرذان: نخلة بالحجاز يتأخّر إدراكها.

قال الأصمعي: هو المشان بالعراق، والجفور: الانتهاء من الضّراب والامتياز التنحي. واستفاهة الاحناك: شهوة الطعام، يقال: رجل فيه للجيد الأكل، واللّكاك: التّدافع والتّزاحم، والنّضر: الخضر من كل نابتة، والوحوحة: حكاية صوت الولدان من البرد، والزّولة: المنكرة. وقوله قرب الأشيب أوقر الأشيب يعني الثّلج والجليد، وابيضاض البهائم من السّقيط الواقع على ظهورها. قال شعرا:

وأصبح مبيضّ الصّقيع كأنّهعلى سروات النّيب قطن مندف

والتّوسف: التّقشر. قال:

وأوقدت الشّعرى مع اللّيل نارهاوأمست محولا جلدها يتوسّف
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وجاء قريع الشول قبل إفالها»

وتحميم الجعدة: أن تراها قد همّت باطلاع كما تحمّم وجه الغلام إذا همّ بالبقول.

وقوله: كل تلدة فهو من التّلاد والزّعل والنّشاط، و (البلدة): من التّلبيد، و (اقتحام الرّباع) إسراعه في عدو لأنّه قوي، و (المرعة) طائر سمين طويل العنق يملأ كفيّ الإنسان، وأكثر ما يرى في الخضرة والعشب. وأنشد:

له مرغ يخرجن من تحت ودقةمع الماء جون ريشها يتصبّب

ويقال: هو أحرص شيء على الطّيران في المطر، وهي خضراء، أشربت صفرة، و (الثّعد): العشب و (الغض): الرّطب. ومن الأسجاع: كلأ ثعد ماد يشبع منه الناب، وهي تعدو، و (الماد): النّاعم و (الحواء) قطعة من بيوت الأعراب. و (الحسكة): ثمرة السّعدان وهي بقلة تتسطع على الأرض إذا نبتت، و (الأنباط): المياه المظهرة نحو الآبار.

و (القني): ما أنبطته فهو نبط وفي المثل: لتجدنّ نبطه قريبا، و (الجزء) الاجتزاء بالرّطب عن الماء، وإنما قيل: (هيب): لأنّه يخاف انقطاعه و (العفو) ولد الحمار، يقال: نسل وأنسل بمعنى إذا ألقى وبره.

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثّاني والأربعون فيما روي من أسجاع العرب عند تجدّد الأنواء- والفصول- وتفسيرها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.