تجاوز إلى المحتوى

من «قطب السرور في أوصاف الأنبذة والخمور» للرقيق القيرواني (ت نحو ٤٢٥هـ)

باب الإكثار والإقلال من الشرب

الناس في هذا الباب مختلفون، وعلى قدر طبائِعهم متباينون، لأن التركيب والمزاج والقوة والضعف أمرٌ لا يتساوون فيه، فليس من العدل بين المتنادمين أن يُكلفَ القويُّ على الشرب من ضَعُفَ عنه أن يشرب كشربه بل يشرب كل امرئٍ بقدر طاقته، واحتمال مزاجه.

قال: ومما يغلط فيه أكثر المتنادمين وجمهور المتعاقرين، افتتاح الشرب بالقدح الصغير، والترقي منه إلى الكبير، وهم [أجدر] بالابتداء بالكبير، في حال جُمامِهم، وحاجتهم إلى هضم طعامهم، وإحماء مجلسهم، حتى إذا ترنحوا وانتشوا كانوا بالنزول إلى الصغير أولى، وبالأبقاء على عقولهم أحرى. وربما لم يكن غناؤهم ممتعاً فيُعفى تعجيلهم الطرب على تقصيره، ويغطي ارتياحهم على معايبه. ولو صادفهم على غير تلك الحال للحقهم الفتور وقل نشاطهم للكبير. فأما الإكثار والإقلال فليس النديم فيهما مختاراً.

وقال أبو نواس: الكرم ثلاثة عناقيد، عنقود التذاذ وعنقود سكرٍ وعنقود عربدة.

قال كشاجم: قلت لبعض النبيذيين، هذا أميركم وكبيركم أبو نواس يقول:

سألت أخي أبا عيسىوجبريل له عقلُ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «سألت أخي أبا عيسى»
فقلت: الراح تعجبنيفقال: كثيرها قتلُ
فقلت له: فبيِّن ليفقال: وقوله فَصْلُ

وجدت طبائع الإنسان أربعة هي الأصل

فأربعة لأربعةٍلكل طبيعةٍ رطلُ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «سألت أخي أبا عيسى»

يعني جبريل بن بختيشوع، فاقتدِ به في هذا القول، فقال: إنه لم يعترف لنا أن هذا رأيه، وإنَّما حكى عن الطبيب، أنه أشار عليه، وسكوته عن الجواب يدل على أنه لم يرض الابتداء، فأما الرئيس ذو الملك والأمر النافذ فلو كان السكر حلالاً لا اختلاف فيه لكان عليه حراماً لا اختلاف فيه لأن بادرته إلى نفسه وغيره لا تستقال، وأمره لا يراجع ولأنه يَقهر ولا يُقهر، فتقع منه الجناية العظيمة التي تُلحقه الندامة وتلبسه العار والمسبة. الصولي قال: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: كنا عند الحسن بن وهب وبنانٌ تغنِّيه، فابتدأ الحسن يسكر من أول شربه، فقلنا له ذلك، فجذب الدواة وكتب:

من كان لا يزعمني عاشقاًأحضرتهأوضَحَ برهان
للشاعر الحسن بن وهب، اقرأ القصيدة
إني على رَطلينِ أُسقاهُماأروح في أثواب سكران
للشاعر الحسن بن وهب، اقرأ القصيدة
وكنت لا أسكر من سبعةٍيتبعها رطل ورطلان
فصار لي من، سكرات الهوىوالراح؛ سكران عجيبان

قال الأعشى:

ولقد شربت ثمانياً وثمانياًوثمان عشرة واثنتين وأربعا

وقال الفرزدق:

أسقني خمساً وخمساًوثلاثاً واثنتينِ

من عقارٍ كدم الجَوْفِ بحرّ الكلبتين

واسقِ هذين ثلاثين يروحا فرِحين

وقالت الأطباء على الجملة، لا خير في الإكثار من النبيذ لأن الإكثار منه مضرَّة، وكما أن الإقلال منه منفعة وكل ما كان بقدر الحاجة إليه فهو محمود.

وقال اليزيدي:

ألا قل لإخوان المدام تسمعوافإن كلامَ النُّصح يوعى ويُسمعُ
ثلاثة أرطالٍ لدى اللُّب مقْنعٌوفي أربعٍ أُنسٌ له وتمتعُ

وقال أبو تمام:

شربُ المدام على الطعام ثلاثةفيها الشفاءُ وصحة الأبدانِ
تمري الطعام وتبتلى بمسرةٍوتزيل كلَّ الهم والأحزانِ
واحذر هُديت كثيره فكثيرُهُسَرْجٌ عليك لموكب الشيطان

وقالت الفلاسفة: من أحب ألا يسكر سريعاً فلا ينبغي أن يمتلئ من الطعام جداً ولا يأكل الحلاوة، بل يأكل من ثريدة دسمة ومن اللحم أكلاً معتدلاً، ومما يُعين على الشراب والاستكثار منه أكلُ الكرنبية والقُنّبيطيَّة والعدسية ويتنقل بحماض الأُترج والأشياء المملوحة، ومما يعجل صحو السكران أن يسقى خلاًّ بماءٍ بارد ويجرَّع من لبن رائب شديد الحموضة ويصبُّ على رأسه خل خمر ودهن ورد وشم الكافور والصندل وماء الورد ويضع أطرافه في ماء حار وإن كانت في معدته بقية شراب فليتقيأ ويطعم لُقماً من ماء الحصرم والعدس والكرنب، وقال بعض الكتاب:

غادِنا بالمُدام غُرَّة يوم السبت إني أُحب فيه المُداما

وأدِرها عليَّ في الأحد المقبل إني نذرت ذاك اغتناما

وأطعني في السكر يومَ الثُّلاثاواعصِ فيه امرءاً على السُّكر لاما

واقطع الأربعاءِ تنفي [بها] النَّحسَ [لئلا] يكون يومُك عاما

والخميس الخميسُ أنيسٌفابتسم بالمدام فيه ابتساما

وأصبحني من المُدامة في الجمعة تجمع بها سروراً تماما

إنما القادر العظيم تعالىجدَّه يغفر الذنوب العظاما

وقد تقدمن أبو نواس في ذكر هذه الأيام ومواصلتها تقدماً لا يسبق فيه وقد مضت قصيدته الدالية في هذا.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «قطب السرور في أوصاف الأنبذة والخمور»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.