من «قطب السرور في أوصاف الأنبذة والخمور» للرقيق القيرواني (ت نحو ٤٢٥هـ)
ذكر ما جاء في طيِّ بساط النبيذ
أول من قال ذلك المأمون. قال: النبيذ بساط فإذا رُفع طُوي بما كان عليه. أخذه بعض الشعراء فقال:
إذا رفع النبيذ فليس حزماًإعادة ما يكون على النبيذِ
إعادة ما يكون من السكارىينغِّصُ لذَّة العيش اللذيذِ
وكان المأمون قد نقل معلمه أبا محمد اليزيدي إلى حضور مجلس الأُنس والمنادمة فقال المأمون، في بعض حديثه، سداد من عَوَز، فقال له اليزيدي، أخطأت، إنما ياقل: هاهنا سِدادٌ من عوز، ومنه قول العرجي:
أضاعوني وأيَّ فتىً أضاعواليومِ كريهةٍ وسدادِ ثغرِ
فقال له: مقبولٌ منك يا أبا محمد، فلما انصرف وصحا من سكره كتب إليه معتذراً:
أنا المذنب الخطَّاءُ والعفو زاسعولو لم يكن ذنب لما عُرف العفوُ
سكرتُ فأبدت منِّي [الكأسُ] بعض ماكرِهتَ، وما إن يستوي السكرُ والصحوُ
ولا سيما إذ كنتُ عند خليفةٍوفي مجلسٍ ما إن يجوز به اللغوُ
فإن تعفُ عنِّي ألفِ خطوي واسعاًوإلا يكن عفوٌ، فقد قَصُرَ الخطوُ
فوقع عليه: يا أبا محمد، النبيذ بساط يطوى بما كان عليه، ولا يُنشر، ويُنسى ما كان منه ولا يذكر، فأخذ هذا القول الناشئ فقال:
إنما مجلس الندامى بساطٌللأحاديث بينهم بسطوهُ
فإذا ما انقضى الشراب وقاموالانصرافٍ من فوقهِ رفعوهُ
وشرب مع يحيى بن جعفر بعضُ ندمائه فلما سَكِر كلَّمه كلاماً جفا عليه، فلما صحا ندم، وكتب إليه:
سيدي أنت إن تعاظم ذنبيفاعف عنِّي فأنت للعفو أهلُ
لا تؤاخذ بما جنته يدُ السُّكرِ فتى ما له على الصحوِ عقلُ
فوقع إليه: عذرك مبسوطٌ، واللوم عنك محطوط، وحقُّ ما جرى على النبيذ أن يغفر ويُستر وينسى فلا يذكر.
وكان الحسين بن الضحاك الخليع ينادم المعتصم، فغضب عليه في شيءٍ جرى على النبيذ أحجبه أياماً فكتب إليه:
غضب الإمام أشد من أدبهْوبه استجرتُ وعذتُ من غضبه
لا والذي لم يُبق لي سبباًأرجو النجاة به سوى سببه
ما لي شفيع غير رحمته ولكلِّ من أشفى على عطبه فلما قرئت عليه، التفت إلى الواثق فقال: إن هذا الكلام ليعطف الكرام، لقد زال ما بنفسي عليه، ورضي عنه وأمر بإحضاره.
وكان ابن جوار، كاتب العباس بن أحمد بن طولون، ينادم أبا حفصٍ الشطرنجي، فنقل ما يجري في مجلسه إلى العباس، فكتب إليه أبو حفص: إنما مجلس النبيذ مجلس أنسٍ ومسرح لبانة وذائدُهم ومرتع لهوٍ ومعهد سرورٍ وموطن لذَّة، فإذا انقضى طُويَ ما كان فيه ولم يذكر ما دعت إليه دواعيه، ثم قال:
ولقد قلت للأخلاءِ يوماًقول ساعٍ بالنصح لو قبِلوه
إنما مجلس النبيذ بساطٌللمودَّات بينهم وضعوه
فإذا ما انتهوا إلى ما أرادوامن نعيمٍ ولذةٍ رفعوه
وشرب كوران المغني عند الشريف الموسوي فافتقد رداءه فلما أصبح قال: سُرِقَ ردائي، فقال له الشريف: يا سبحان الله، ما مَعَنا من يُتَّهَم، أو ما علمت أن النبيذ بساط يطوى بما عليه، فقال كوران: انشروا بساطكم حتى أجد ردائي، ثم اطووه إلى يوم القيامة.
وشرب الرشيد يوماً وإبراهيم الموصلي يغنه: إلى أن أخذ الشراب من إبراهيم فكلَّم الرشيد كلاماً أغضبه ثم استيقظ إبراهيم لذلك فغناه:
ما لعبدٍ أذلهُ مولاهما له شافعٌ إليه سواه
يشتكي ما به إليه وخشاه ويرجوه مثل ما يخشاه
فقال له: لِيَفْرُخْ رَوْعُك، يا إبراهيم فإنا لا نؤاخذ بما يجري على النبيذ من الزَّللْ واستعادَه فيه مراراً، وأمر له عند انصرافه بصلةٍ سنيَّة.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع