تجاوز إلى المحتوى

من «التطفيل وحكايات الطفيليين» للخطيب البغدادي (ت ٤٦٣هـ)

قَالَ أَبُو الْحَسَن بنان: وإذا قمت من المائدة وقد تعذيت فأقعد فِي وسط الدار يضربك

الهواء, وادع بالشراب, فَإِن أتوك بنبيذ فَهُوَ أحب إلي رطلًا أَوْ رطلين, ولا تصب فِيهِ ماء, وإن أتوك بفقاع فلا تكثر منه فَإِن كثرته تغثي, وإن حلفوا عليك فأدخلوك الْبَيْت فلا تقعد فِي الصدر؛ فَإِن القعود فِي الصدر قعود مغن أَوْ مخرف, إِن أردت أَن تقضي حاجة أَوْ تبول يصعب عليك القيام, وتستحي مِمَّن فِي المجلس من قيامك وقعودك, قاقعد بجنب الباب؛ وإن كَانَ فِي الْبَيْت فاكهة كثيرة, فاجذب منها إليك ولا تأمن أَن تذهب وتبقى أَنْتَ بلا شَيْء. ولا تكن أَنْتَ الساقي, وكن ذنبًا ولا تكن رأسًا. وإن كَانَ فِي المجلس مغنية وغلام حسن الوجه, فاتق اللَّه فِي نفسك ولا تولع بواحد منهم والزم العافية, وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى فِي كتابه: (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا). وإذا دار النبيذ فِي الأقداح, فأنظر خير نبيذ يَكُون فِي مجلسك, فخذ قنينة وقدحًا وأشرب وحدك, وإذا رأيتهم يخلطون فِي

حَدِيثهم, وإذا كَانَ فِي المجلس خمر, فاتق اللَّه ولا تشرب منه, ولا تقعد فِي مكان يكون فِي مكان يَكُون فِيهِ؛ وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلِ بْنِ الْمُغِيرَةِ, وَعَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ الرَّازِيُّ؛ كُلُّهُمْ يرويه عَنْ مُعَاوِيَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فاجلدوه, وإن عاد فاقتلوه" (راجع مسند أحمد) رقم:), يا أَخِي! وإياك إياك أَن تسكر, وأن يرى الْقَوْم منك زلة أَوْ كلمة غلط, فيحتكم بِهَا عليك؛ ولعلك مستور فِي جيرانك, فتخرج وَقَدِ انهتك سترك عندهم؛ ولعلك إمام أَوْ مؤذن, فَهُوَ الفضيحة الَّتِي لا تجبرها أبدًا. وعليك بخبر حسن, أَوْ حَدِيث حسن, فإنهم كلهم يميلون إليك وتصير سيدهم. وإن خلطت وولعت ومزحت, فإنما هُوَ صفع كُلهُ وعداوة بَيْنَ جيرانك لا تجبرها أبدًا. وإياك يا أَخِي أن تسكر, فَإِن خشيت من نفسك السكر فقم وأنت صحيح وعقلك معك, ولا تأمن الحدثان, سلمنا اللَّه وإياك يا أَخِي من آفات الدنيا والآخرة. فاقبل وصيتي فإنك ترشد إِن شاء اللَّه.

قَالَ: وكنى بنان آلة الطعام, فَقَالَ: الجفنة: أم كثير, الخوان: أَبُو جامع, الطست والإبريق: بشر وبشير, الطيفورية: أم روح, الغضارة: أم الفرح, منديل الغمر: أَبُو اليسير.

وكنى بنان الخبز الحواري: أَبُو نعيم, والخشكار: أَبُو جَابِر, والسميذ: أَبُو السرور, ويقال: أَبُو الْمَلِك, اللحم: أَبُو عَاصِم, البقل: أَبُو جميل, الخل: أَبُو ثقيف, الحمل: أَبُو حميد, الجدي: أَبُو حبيب, الدجاجة: أم الخير, البطة: أم عَمْرو, الرأس: أَبُو الرجاء, الكارع: أبو الغشا, الجبن: راشد الخانق, الزيتون: خنافس الخوان, الصحناء: أم البلايا, الماحمص: أَبُو حفيص, الماباقلى: أَبُو رياح, الفالوذج: أَبُو العلا, الخبيص: أَبُو رزين, اللوزينج: قبور الأطفال, القطائف: قبور الشهداء, العصيدة: أم سهل, الماء: أَبُو الغيث, النديم: أَبُو الكمال, المجلس: أَبُو محمود, المنارة والسراج: أَبُو صياح, الخلال: كتاب العزل, الأشنان: أَبُو اليأس.

أبنأنا الرافقي, أَخْبَرَنَا ابْن السري, أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن الْحَسَن, قَالَ: أتى بَعْض الشعراء بنانًا عِنْدَ موته فقال:

يا أيها الميت الذميم لدى الأقارب والأباعد
من للهرايس إذ فقدت وللثرائد والعصائد
وحضور أيام الولائم والقعود عَلَى الموائد
والأكل مَا قدرت عليهـ يداك من حار وبارد
قَدْ كنت تلتقم الرؤوس إِذَا خلوت وَفِي الشواهد
وتعيث في مال الصديق كوارث فِي مال والد
أظننت أنك سوف تخلد وابن آدم غَيْر خَالِد

أنشدني رئيس الرؤساء جمال الورى شرف الوزراء أَبُو القاسم عَلِي بْن الْحَسَن بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عُمَر لأبي عَبْد اللَّهِ البناني يرثي بَعْض الطفيليين:

أبكي لفقدك عِنْدَ كُل غداءولطيب أكلك عِنْدَ كُل عشاء
يا شيخ أهل الأكل غَيْر مدافعلو كنت تسمع أَوْ تجيب ندائي
لو تستطيع لَك الموائد فديةلفدت؛ وكيف ولات حِينَ فداء
من للجواذب والرقاق ومن لأقراص السميذ ومن لخبز الماء
وبوارد برد الغليل يحسنهاكالروض أضحكه بكاء سماء
محمرة بالخل فِي جنباتهامخضرة بالبقل والقثاء
أبكيك للحمل السمين وتارةأبكي عليك لدخلة ألياء
وكذاك للجدي الرضيع مبزرًاوصفاير يتبعن جنب شواء
أبكيك للمبسوطة الصفراءتأتي أمام هريسة بيضاء
لهفي عليك إذا العزوف تتابعتلهفا يديم تنفس الصعداء
عمت مصيبتك البسيطة والورىطرًا عموم حنادس الظلماء
من للثريد إِذَا ارتوى من دهنهفِي الصحن ري سحابة وطفاء
وتكللت جنباته بمجزعذَات السديف بِهِ عَلَى الأرجاء
أمن يفسر كُل مشكل أكلةأعيت عَلَى الندماء والأكلاء
قرحت عيون النرجسية بعدهشوقًا إِلَى الكشكية الخضراء
وتبارتا أسفا عليك ولوعةوكذاك شرط تفرق القرناء
زلت بمصرعك الولائم واغتدى التطفيل رهن كآبة وبكاء
أبقيت فِي قلب القطائف حسرةلا يستقل بِهَا صباح مساء
هيهات أن تنسى اهتشاشك نحوهابطويل باعك واليد الرعشاء
ولرب يَوْم أيوم أفنيت فِيعلم الطعام وليلة ليلاء
لطعم الخوان وَقَدْ نعيت تحرقًاواستعبر الطنجير للحلواء
وتجرع الجواذب ثكلك وانثنىيثني بفضلك عَن أَبِي الصهباء
أما وَقَدْ غالتك غائلة الردىفليأمن الحيوان سفك دماء
يا قانص الفروج من سفودهقنصتك كف آذنت بفناء
عفت المطابخ والقدور وأعفيتفِيهَا طهاتك بَعْد طول عناء
وتركت أنضاء المغارف ظلعًاحسرى من الأنفال والإعياء
لا غرو إِن كشف المروس رأسهحزنًا عليك وشق كُل رداء
قَدْ كنت تصفيه المودة والهوىوتخصه بمودة دولاء
إِن كَانَ ضعضعك الزَّمَان فطالماأودى بكل مصمم أباء
لا تبعدان وَقَدْ بعدت وكل ذيقرب رهين تباعد وتنائي
وسقى ثراك مجلجل واهي العرىيحمي عليه يدهن كُل سلاء
وازداد قبرك جونة مشحونةتسعى إليك بِهَا يد الوصفاء
ومؤانساك أوزة وأرزةصينت عن الأدناس والأقذاء
فلقد تركت العرس بعدك مأتماوأقمت سوق الحزن والبرحاء
واها فَإِن مصابنا بك كاف مفتاح الهموم وغاية الضراء
خذها إليك مسيحة سيارةتنبيك عَن عهد وحسن وفاء

النص من طبعة دار ابن حزم (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التطفيل وحكايات الطفيليين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.