تجاوز إلى المحتوى

من «مطمح الأنفس ومسرح التأنس» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)

الوزير أبو القاسم محمد بن عبّاد

هذه بقية منتماها في لَخم، ومرتماها إلى مَفخَرٍ ضَخم،

وجدّهم المُنذر بن ماء السّماء، ومطلعهم من جوّ تلك السماء، وبنو عبّاد ملوك أنِسَ بهم الدهر، وتنفّس منهم عن أعبَق الزّهر، وعمروا ربع المُلك، وأمروا بالحياة والهلك ومعتَضِدُهم أحد من أقام وأقعَد، وتبوأ كاهل الإرهاب واقتَعد. وافترش من عِرِّيسته وافترس من مكائد فريسته، وزاحم بِعَود. وهزّ كُلَّ طَود، وأخمل كلَّ ذي زيٍّ وشارة وختل بوحي وإشارة، ومعتمدهم كان أجود الأملاك، وأحد نيّرات تلك الأفلاك، وهو القائل، وقد شغل عن منادمة خواصّ دولته بمنادمة العقائل:

لقَد حَنَنتُ إلى ما اعتدت من كَرَمٍحنين أرْض إلى مُستَأجر المطرِ
فهاتِها خِلَعا أُرضي السّماحَ بهامحفوفةً في أكُفّ الشَّرب بالبِدَرِ
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «الجود أحلى على قلبي من الظفر»

وهو القائل وقد حنّ في طريقه، إلى فريقه:

أدارَ النّوى كَمْ طالَ فيكِ تَلذُّذيوكم عُقتِني عن دارِ أهيفَ أغيدِ
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «أَدارَ النَوى كَم طالَ فيك تَلَدُّدي»
حلفتُ به لو قد تعرّض دونَهكماةُ الأعادي في النَسيج المسرّدِ
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «أدار النوى كم دار فيك تلددي»
لجرّدتُ للضّرب المهنّد فانقضىمرادي، وعز ما مثل حدّ المهنّدِ
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «أدار النوى كم دار فيك تلددي»

والقاضي أبو القاسم هذا جدُّهم، وبه سَفر مَجدُهم، وهو الذي اقتنص لهم الملك النافر، واختصّهم منه بالحظّ الوافر فإنه أخذ الرياسة من أيدي جبابر، وأضحى من ظلالها أعيان أكابر، عندما أناخت بها أطماعهم، وأصاخت إليها أسماعهم، وامتدّت إليها من مستحقيها (اليَدُ)، وأتلعوا أجياداً زانها الجيد، وفَغَر عليها فمه حتى هجا بيت العِبِدَّى، وتصدّى إليها من تحضّر وتبدى فاقتعد سنامِهَا وغارِبَها، وأبعد عنها عجمها وأعارِبَها، وفاز من المُلك بأوفر حِصَّة، وعُدَّت سمته به صفةً مختصة، فلم يمحُ رسمَ القضاء، ولم يتَسم بسمة الملك مع ذلك النفوذ والمضاء، وما زال يحمي حوزته، ويجلو غُرَّته، حتى حوته الرّجام وخلت منه تِلك الآجام، وانتقل المُلك إلى ابنه المعتضد،

وحلّ منه في روض نُمِّق له ونُضِّد، ولم يعمّر فيه ولم يدم ولاه، وتسمى بالمعتضد بالله، وارتمى إلى أبعد غايات الجود بما أناله وأولاه، لولا بطش في اقتضاء النفوس كدّر ذلك المَنهل، وعكّر أثناء ذلك صفو العلِّ والنّهل، وما زال للأرواح قابضاً وللوثوب عليها رابضاً، يخطف أعداءه اختطاف الطائر من الوَكر، وينتصف منهم بالدهاء والمَكر، إلى أن أفضى المُلك إلى ابنه المعتمد، فاكتحل منه طرفه الرَّمد، وأحمد مجده وتقلّد منه أيَّ بأس ونجده، وندى به لحق مناه، وأقام في الملك ثلاثاً وعشرين سنة، لم تعدم منه فيها حسنة، ولا سيرة مستحسنة، إلى أن غُلِبَ على سلطانه وذُهِبَ به من أوطانه، فنُقِل إلى حيثُ اعتقل، فأقام كذلك إلى أن مات، ووارته بريّة أغمات، وكان للقاضي جدّه أدب غضّ، ومذهب مبيضّ، ونظم يرتجله كل حين، ويبعثه أعطر من الرّياحين، فمن

ذلك قوله يصف النَّيلُوفر:

يا ناظرين لذا النَّيلُوفر البَهِجوطيب مخبره في الفوحِ والأرَج
كأنَّهُ جَامُ دُرٍّ في تألُّقِهِقد أحكموا وَسطَه فصَّاً من السَّبج

النص من طبعة دار عمار ومؤسسة الرسالة (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الأول الوزراء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.