من «مطمح الأنفس ومسرح التأنس» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)
الوزير الكاتب أبو المُغِيرَة عبد الوهاب بن حَزْم
وبنو حَزم فِتيةُ عِلمٍ وأدَب، وثنّية مجدٍ وحَسب، وأبو المغيرة هذا في الكتابة أوحَد، لا يُنعتُ ولا يحدّ، وهو فارس المِضمار، حامي ذلك الذِّمار، وبطلُ الرّعِيل، وأسد ذلك الغِيل، نَسق المُعجِزات، وسبقَ في المُعضِلات الموجزات، إذا كتب وشَّى المهارق ودّبج، وركب من بحر البلاغة الثَّبج، وكان هو وأبو عامر بن شهيد، خليليْ صَفاء، وحَليفي وَفاء، لا ينفصلان في رَواحٍ ولا مَقِيل، ولا يفترقان كمالكٍ وعَقيل، فكانا بقُرطُبة رافعيْ ألوَية الصَّبوَةِ، وعامريْ أندية السَّلوة، إلى أن اتُّخِذَ أبو عامرٍ في حُبالة الرَّدى وعَلِق، وغدا رَهنُه فيها قد غَلِق، فانفرد أبو المغيرة بذلك المَيدان، واستردَّ من سَبقِهِ ما فاته منذ زمان، فلم تذكر له مع أبي عامر حسنة، ولا سَرت له فِقرَة وإن كانت مُستحسَنة، لتعذُّر ذلك وامتناعه، بشفوف أبي عامر
وامتداد باعه، وأما شعر أبي المغيرة فمرتبط بنثره، ومُختلِط زهره بدُرِّه، وقد أثبتّ له منها فُنُونا تُجَنُّ بها الأفهام جُنُونا، فمن ذلك قوله:
ظَعَنتْ وفي أحداجها من شَكلِهاعين فضحن بحُسنهنَّ العِينَا
ما أنصّفَتْ في جَنبِ تُوضِح إذ قَرَتْضَيفَ الوِدَادِ بَلابِلاً وشُجُونَا
أضحَى الغَرَامُ رَبْع فُؤادِهِإذ لَم يَجِد بالرّقمّتين قَطِينَا
وله أيضاً:
لمَّا رَأيتُ الهِلالَ مُنطَوياًفي غُرَّةِ الفَجر قَارَن الزُّهْرة
شَبَّهيُهُ والعِيان يَشهَدُ ليبصَولَجانٍ انثَنَى لضَربِ كُرَة
النص من طبعة دار عمار ومؤسسة الرسالة (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع