من «مطمح الأنفس ومسرح التأنس» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)
الوزير أبو عامر محمد بن عبد الله بن محمد بن مسلمة
بيت شرف باذخ، ومفخر على ذوائب الجوزاء شامخ، وزروا للخلفاء، وانتجعتهم الأدباء، واتبعتهم العظماء، وانتسبت لهم النعماء وتنفّست عن نور بهجتهم الظلماء
وأبو عامر هذا هو جوهرهم المنتخل، وجوادهم الذي لا يَبخلَ، زعيمُهم المعظَّم، وسِلكُ مَفخَرِهم المنظَّم، وكان فتى المدام، ومستفتى النِّدَام، وأكثر من النعت للرّاح والوصف، وآثر الأفراح والقصف وأرى قَينات السُّرور مجلَّوة، وآيات الحُسن متلوّة، وله كتاب سمّاه بحديقة الارتياح، في وصف حقيقة الراح واختصّ بالمعتضد اختصاصاً جرّعه رَدَاه، وصَرَعه في مَدَاه، فقد كان في المُعتَضِد من عدم تحفّظه بالأرواح وتهاونه باللّوام في ذلك واللّوّاح، فاطمأنّ إليه أبو عامر واغترّ، وأنِسَ إلى ما بَسَم من مؤانسته وافترَّ، حتى أمكنته في اغتياله فًرصة، ولم يعلق فيها حصّة، ولم يطلق عليه إلا أنه زلّت به قدمه فسقط في البحيرة وانكفا، ولم يُعلَم به إلاّ بعدما طفا، فأُخرِجَ وقد قضى، وأُدرِجَ منه
في الكفن حُسام المَجد مُنتضَى، فمن محاسنه قوله يصف السَّوسَن، وهو مِمَا أبدعَ فيه وأحسن:
وسَوسَن راق مرآه ومخبَرُهُوجلّ في أعين النَّظَّار منظره
كأنَّه أكؤسُ البَلُّورِ قد صُنِعَتْمُسَندَسَاتٍ تعالى الله مُظهِرُهُ
وبَينَها أَلسُنٌ قَد طُوِّقَتْ ذَهَباًمن بَينها قائمٌ بالملكِ يُؤثِرُهُ
وله أيضاً:
حَجَّ الحجيجُ مِنَىً فَفَازوا بالمُنَىوتفرَّقَتْ عن خَيفِه الأشهَادُ
ولنَا بِوَجهكَ حجَّةٌ مَبرُورَةٌفي كلِّ يَومٍ تُقتَضَي وتعاد
واجتمع بجنّة بخارج إشبيلية مع إخوان له عِليَة، فبينا هم يديرون الرّاح، ويشربون من كأسها الأفراح، والجوُّ صاح، إذا بالأُفقِ قد غَيَّم، وأرسل الدِّيَم، بعدما كسا الجوَّ بِمطَارِفِ اللاّذ، وأشعر الغُصًونَ زهر قُبَاذ، والشَّمسُ مُنتقِبَة بالسَّحاب، والرَّعد يبكيها
بزَمزَمةٍ كالانتحاب، فقال:
يوم كأنّه سَحَابَهلبست عماماتِ الصوامتْ
حَجَبَتْ به شمس الضُّحىبمثالِ أجنِحَةِ الفواختْ
والغيثُ يبكي فَقدَهَاوالبرقُ يَضحَكُ ضَحْك شَامِتْ
والرعد يَخطُبُ مُفصِحَاًوالجوّ كالمحزون سَاكِتْ
وخرج إلى تلك الخميلة والربيع قد نشر رِدَاه، ونثر على معاطف الغصون نَدَاه، فأقام بها وقال:
وخَمِيلَةٍ رَقَم الزّمانُ أدِيمَهابمُفَضَّضِ ومقسَّمٍ ومشوبِ
رشفت قبيل الصُّبْح ريق غمامةٍرَشفَ المُحِبِّ مراشِفَ المَحبُوبِ
وطردتُ في أكْنافها ملكَ الصِّباوقعدتُ واستوزرتُ كلّ أديبِ
وأدرتُ فيها اللَّهوَ حقَّ مُدَارِهِمع كلّ وضّاح الجبينِ مَهُوبِ
النص من طبعة دار عمار ومؤسسة الرسالة (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع