من «مطمح الأنفس ومسرح التأنس» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)
الوزير الكاتب أبو حَفص أحمد بن بُرْد
هذه ثِنيَة غُذِيَت بالأدب، ورَبتْ في أسمى الرُّتَب، ما منهم إلاّ شاعرٌ كاتب ولازم لباب السُّلطان راتب، لم يزل في الدول العامريّة بسبقٍ يُذكر وحق لا يُنكر، وأبو حَفص هذا بديع الإحسان، بليغُ القلم واللّسان، مليحُ الكتابةِ فصيحُ الخطابة، وله رسالة السيف والقلم وهو أوّل من قال بالفرق بينهما، وشعره مثقف المباني، مُرهف كالحُسام اليماني، وقد لأثبتُّ منه ما يُلهيكَ سَماعا، ويُريكَ الإحسان لِمَاعا، فمن ذلك قوله يَصِفُ البَهَار:
تأمّل فَقَدْ شقَّ البَهَارُ كَمائِماًوأبرز عَن نُوَّاره الخَضل النَّدِي
مداهِنَ تِبر في أنامِلِ فِضَّةٍعلى أذرُعٍ مخروطةٍ مِن زَبرجَدِ
وله يصف معشوقاً، أهيف القدّ ممشوقاً، أبدى صفحة ورد، وبدا في ثوب لازَورَد:
لمّا بدا في لازورديّ الحرير وقد بَهَر
كبّرتُ من فَرط الجَمالِل وقلتُ: ما هذا بَشَرْ
فأجابني لا تنكرنْثوبَ السماء على القمرْ
وله أيضاً عفا الله عنه:
قلبي وقلبك لا محالة واحِدُشَهِدَتْ بذلك بَيننَا الألحَاظُ
فتعال فَلنَغِظِ الحسودَ بوصلناإن الحسودَ بمثل ذاك يُغَاظ
وله أيضاً إلى من ودّعه، وأودع فؤاده من الهوى ما أودعه:
يا من حُرِمْتُ لَذّاذتي بمسيرهِهذي النَّوَى قد صعَّرتْ لي خدَّها
زَوِّدْ جُفُوني من جمالِكَ نظرةًواللهُ يَعلَمُ إن رأيتُكَ بَعدَها
النص من طبعة دار عمار ومؤسسة الرسالة (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع