من «مطمح الأنفس ومسرح التأنس» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)
الحاجب جعفر بن عُثمان المُصحَفيّ
تجرَّد للعليا، وتمرَّد في طلب الدُّنيا، حتى بلغ المُنى، وتسوَّغ
ذلك الجنى، فسما دون سابقه، وارتقى إلى رُتبة لم تكن لبنيتِه بمطابقة فالتاح في أفياء الخلافة، وارتاح إليها بعطفه كنشوان السُّلافة، واستوزره المُستنصر، وعنه كان يسمع وبه يُبصر، فأدرك بذلك ما أدرك، ونصب لأمانيه الحبائل والشَّرك، واقتنى وادّخر، وأزرى بِمن سِواه وسَخِر، واستعطفه المنصور بن أبي عامر، ونجمه
غائر لم يَلح، وسِرُّه مكتوم لم يَبُح، فما عطف، ولا جنى من روضةِ دُنياه ولا قطف، فأقام في تدبير الأندلس ما أقام، والأندلس متغيرة والأذهان في تكيّف سعده متحيّرة، فناهيك من ذكرٍ خلّد، ومن فَخر تقلّد، ومن صعب راض وجَناح فتنة هاض، ولم يزل بنجَاد تلك الخلافة مُعتقَلا، وفي مطالعها مُنتقلا، إلى أن تُوفّي الحكم، فانُتقِض عِقدُه المُحكم، وانبرت إليه النوائب، وتسدّدت إليه من الخطوب سهام صوائب، واتصل إلى المنصور ذلك الأمر، واختص به كما مال بالوليد بن يزيد أخوه الغمر، وأناف في تلك الخلافة كما شبّ قبل اليوم عن طوقه عمرو، وانتدب
للمُصحَفي بصدر قد كان أوغره، وساءه وصغّره، فاقتص من تلك الإساءة وأغصّ حلقه بأي مَساءة، فأخمله ونكبه، وأرجله عمّا كان الدهر أركبه، وألهب جوارحه حَزَنا ونهب له مُدَّخراً ومُختزنا، ودمّر عليه ما كان حاط، وأحاط به من مكروهه ما أحاط، وغير سنين في مهوى تلك النكبة، وجَوى تلك الكُربة، ينقله المنصور معه في غزواته، ويعتقله بين ضيق المُطبق ولهواته، إلى أن تكوّرت
شمسُه، وفاضت بين أثناء المِحن نفسُه، ومن بديع ما حُفِظ له في نكبته، قوله
يستريح من كُربَته:
صَبَرتُ على الأيّامِ لمّا تولّتِوألزمتُ نفسي صبرها فاستمرّتِ
فَوَا عجَباً للِقَلبِ كيفَ اعترافهوللنّفسِ بعد العزّ كيف استذلّتِ
وما النّفس إلاّ حيثُ يَجعَلُها الفَتَىفإنْ طَمِعَت تَاقَتْ وإلاّ تسلّتِ
وكَانتْ على الأيّامِ نفسي عزيزةًفلمّا رأت صَبْري على الذُّلِّ ذَلَّتِ
فَقُلتُ لها: يا نفسُ موتي كريمةًفقد كانت الدُّنيا لنا ثُمَّ ولَّتِ
وكان له أدب بارع، وخاطر إلى نظم القريض مسارع، فمن محاسن إنشاده، التي بعثها إيناس دهره بإسعاده، قوله:
لعَينيكِ في قلبي عليّ عيونُوبين ضلوعي للشُّجونِ فنونُ
لَئِن كان جِسمي مُخلّقاً في يد الهوىفَحُبَّك عندي في الفًؤَادِ مَصونُ
وله وقد أصبح عاكفاً على حُميَّاه، هاتفاً بإجابة دُنياه، مُرتشِفاً ثَغر الأُنس متنسِّماً ريّاه، والمُلكُ يغازله بطَرفٍ كحيل، والسَّعد
قد عقد عليه منه إكليل، يصِفُ لون مُدَامِه، وما تعرف له منها دون نِدَامه:
صفراءُ تَطرُقُ في الزّجاج فإن سَرَتْفي الجِسم دَبَّتْ مِثل صلٍّ لادغِ
خَفِيتْ على شُرَّابِها فكأنَّمايجدون رِيَّا مِن إناءٍ فارغِ
ومن شعره في السفرجل الذي قاله فيه مشبّهاً، وغدا به لنائم البديع منبهاً قوله يصف سفرجلة، ويقال: إنه ارتجله:
ومُصفَرَّةٍ تَختَالُ في ثَوبِ نَرجسِوتَعبَقُ عن مِسك ذكيِّ التَّنفُّسِ
لها ريحُ مَحبوبٍ وقَسوةُ قَلبِهِولَونُ محبٍّ حُلَّةَ السُّقمِ مُكتسي
فصُفرّتُها من صُفرتي مستعارةٌوأنفَاسُها في الطّيبِ أنفاسُ مُؤنسي
وكان لها ثوبٌ من الزُّغب أغبرُعلى جِسم مصفرٍّ من التّبرِ أملّسِ
فلمّا استتمَّت في القَضيبِ شبَابهاوحاكَت لها الأوراقُ أثوابَ سُندُسِ
مَدَدتُ يدي باللّطف أبغي اجتناءهالأجعلها رَيحانتي وَسطَ مَجلسي
فَبزَّت يدي غَصباً ثَوبَ جِسمِهَاوأعريتُها باللّطفِ مِن كُلِّ مَلبَسِ
ولمّا تعرَّتْ في يدي من بُرُودِهاولم تبقَ إلاّ في غلالةِ نرجسِ
ذكرتُ بها من لا أبوحُ بذِكرِهِفأذْبَلها في الطفِّ حرُّ التَّنفُّسِ
وله وقد أعاده المنصور إلى المُطبَق، والشّجون تُسرعُ إليه وتسبق، معزّياً لنفسِهِ، مجتزياً بإسعاد أمسهِ:
أُجَازي الزّمانَ على حالهمجازاةَ نفسي لأنفَاسها
إذا نَفَسٌ صاعِدٌ شفّهاتوارت به دونَ جُلاَّسِها
وإنْ عكفت نَكبَةٌ للزّمانعطفتُ بنفسي على رأسها
وممّا حفظ له في استعاطفه، واستنزاله للمنصور واستلطافه قوله:
عفا الله عنك إلا رَحمَةتجود بعَفوكَ إنْ أبْعَدا
لِئن جلّ ذنب ولَمْ اعتَمِدهُفأنت أجلُّ وأعلَى يَدا
ألمْ ترَ عَبداً عدا طَورهُومولىً عفا ورشيداً هدى
ومفسد أمر تلافَيتَهُفعادَ فأصلحَ ما أفسدا
أقِلني أقالك مَنْ لم يزلْيَقيك ويصرف عنك الرّدى
قال محمد بن إسماعيل كاتب المنصور: سرت بأمره لتسليم جسد جعفر إلى أهله وولده، والحضور على إنزاله في ملحده، فنظرته ولا أثر فيه، وليس عليه شيء يواريه، غير كساءٍ خَلق لبعض البوّابين، فدعا له محمد بن مسلمة بغاسل، فغسله - والله - على فردة باب اقتُطع من جانب الدار، وأنا أعتبر من تصرّف الأقدار، وخرجنا بنعشه إلى قبره، وما معنا سوى إمام مسجده المستدعى للصلاة عليه، وما تجاسر أحد منا للنظر إليه، وإن لي في شأنه لخبرا ما سَمع بمثله طالبُ وعظ، ولا
وقع في سمع ولا تُصُوِّر في لَحظ، وقفت له في طريقه من قصره، أيام نهيه وأمره، أروم أن أناوله قصة، كانت به مختصة، فوالله ما تمكّنتُ من الدنو منه بحيلة لكثافة موكبه، وكثرة من حَفَّ به، وأخذ الناس السِّكك عليه وأفواه الطرق داعين، وجارين بين يديه وساعين، حتى ناولتُ قِصَّتي بعض كُتَّابه الذين نصبهم جناحي موكبه لأخذ القِصص، فانصرفت وفي نفسي ما فيها من الشَّرق بحاله والغَصَص، فلم تطل المُدَّة حتى غضِبَ عليه المنصور واعتقله، ونقله معه في الغزوات وحَمَله، واتفق
أن نزلت بجِلِّيقيَّة إلى جانب خبائه في ليلة نهى المنصور فيها عن وقود النيران، ليُخفي على العدو وأثره ولا ينكشف إليه خبره، فرأيت والله، عثمان تبنه يسفّه دقيقاً قد خلطه بماء يقيم به أوَدهُ، ويمسك بسببه رمقه، بضعف حال، وعدم زاد، وهو يقول:
تأمَلتُ صَرفَ الحادثات فلم أزلْأراها توفّي عند موعدها الحُرّا
فلله أيام مضت بسبيلهافإنّي لا أنسى لها أبداً ذِكراً
تجافت بها عنّا الحوادثُ بُرهَةًوأبدتْ لنا منها الطّلاقة والبِشْرا
لياليَ لم يدرِ الزمانُ مكانهاولا نظرتْ منها حوادثه شَزْرا
وما هذه الأيّام إلاّ سحائبعلى كلّ أرض تُمطِرُ الخَيرَ والشَّرَّا
وكان مّما أعين به ابن أبي عامر على جعفر المُصحَفي ميل الوزراء إليه وإيثارهم له عليه، وسعيهم في ترقّيه وأخذهم بالعصبية فيه، فإنها لم تكن حميّة إعرابية، فقد كانت سَلفيَّة سُلطانَّية، يقتضي القوم فيها سبيل سَلفهم ويمنعون بها ابتذال شرفهم، غادروها سيرة،
وخلّفوها عادة أثيرة، تشاحّ الخلف فيها تشاحّ أهل الديانة، وصانوا بها مراتبهم أعظم صيانة، ورأوا أن أحداً لا يلحق فيها غاية، ولا يتلقّى لها رأية، فلما اصطفى الحكم المستنصر بالله جعفر بن عثمان واصطنعه ووضعه من أثرته حيث وضعه، وهو نزيع بينهم ونابغ فيهم، حسدوه وذمّوه، وخصّوه بالمطالبة
وعمّوه، وكان أسرع هذه الطائفة من أعالي الوزراء وأعاظم الدولة إلى مهاودة المنصور عليه، والانحراف عنه إليه آل أبي عبدة، وآل شُهَيد، وآل فُطَيس من الخلفاء وأصحاب الرِّدافة، وأولي الشرف والإنافة،
وكانوا في الوقت أزمة المُلك وقُوَّام الخِدمِة، ومصابيح الأمة، وأغير الخلق على جاه وحرمة، فاحظوا محمد بن أبي عامر مشايعة، ولبعض أسبابه الجامعة متابعة، وشادوا بناءه، وقادوا إلى عنصره سناءه، حتى بلغ الأمل والتحف يمينه بمناه واشتمل، وعند التئام هذه الأمور لابن أبي عامر، استكان جعفر بن عثمان للحادثة، وأيقن بالنكبة، وزوال الحال وانتقال الرُّتبة، وكفّ عن اعتراض محمد وشركته في التدبير، وانقبض الناس من الرّواح إليه والتبكير، وانثالوا على ابن أبي عامر، فخفّ موكبه، وغار من سماء العزّ كوكبه وتوالى عليه سعي ابن أبي عامر وطلبه، إلى أن صار يغدو إلى قرطبة ويروح، وليس بيده من الحجابة إلاّ أسمها، وابن أبي عامر مشتمل على رَسمها، حتى محاه، وهتك ظلّه وأصحاه.
قال محمد بن إسماعيل: رأيته يُساق إلى مجلس الوزراء للمحاسبة راجلاً فأقبل يدرم، وجوارحه باللّواعج تَضطرم، وواثق الضاغط يَنهرُهُ، والزَّمع والبُهر قدها ضاه، وقصّرا خطاه، فسمعته يقول: رفقاً بي فستدرك ما تحبّه وتشتهيه، وترى ما كنت ترتجيه، وياليتَ أنّ الموت بيع
فأغلى الله سومه، حتى يَرِدَه من قد أطال عليه حومه، ثم قال:
لا تأمننَّ من الزّمان تقلُّبَاإنَّ الزّمانَ بأهلِهِ يتقلّبُ
ولقد أراني والليوث تخافنيوأخافني من بعد ذاك الثعلبُ
حَسبُ الكريمِ مذلّةً ومهانةًألاّ يزالُ إلى لئيمٍ يُطلَبُ
فلمّا بلغ المجلس جلس في آخره دون أن يسلّم على أحد، أو يومئ إليه بعين أو يد، فلمّا أخذ مجلسه تسرّع إليه الوزير محمد بن حَفص بن جابر فعنَّفه واستجفاه،
وأنكر عليه ترك السلام وجفاه، وجعفر معرض عنه، إلى أن كثر القول منه، فقال له: يا هذا، جهلتَ المبرّة، فاستجهلتَ معلّمها، وكفرت اليد فقصدت بالأذى ولم ترهب مقدّمها، ولو أتيتُ نكراً لكان غَيرُك أدرى، وقد وقعتَ في أمر ما أظنك تخلص منه، ولا يسعك السكوت عنه، ونسيت الأيادي الجميلة، والمبرّات الجليلة، فلمّا سمع محمد بن حَفص ذلك من قوله، قال: هذا البَهَتُ بعينه، وأيّ أياديك الغرّ التي منَنت بها، وعنيتَ أداء واجبها؟ أيدُ كذا أم يدُ كذا؟ وعددَ أشياء أنكرها منه أيام إمارته، وتصرّف
الدّهر طوع إشارته، فقال جعفر: هذا ما لا يُعرف، والحقُّ الذي لا يُردُّ ولا يُصرَف، رفعي القطع عن يُمنَاك وتبليغي لك إلى مُنَاك، فأصرّ محمد بن حَفص على الجَحد، فقال جعفر أُنشِدُ الله من له علم بما أذكره، إلاّ اعترفَ به ولا ينكره، وأنا أحوج إلى السكوت، ولا تُحجَبُ دعوتي فيه عن المَلكَوت، فقال الوزير أحمد بن عباس: قد كان بعض ما ذكرتَه يا أبا الحسن، وغير هذا أولى بك وأنت فيما أنت فيه من مِحنّتك وطلبك، فقال: أحرجني الرجل فتكلّمت، وأحوجني إلى ما به أعلمت، فأقبل الوزير أبو الوليد محمد بن جَهوَر على محمد بن حَفص، وقال: أسأتَ إلى الحاجب، وأوجبتَ عليه غير الواجب، أوَ ما علمتَ أنَّ منكوبَ السُّلطان لا يسلّم على أوليائه، لأنه إن فعل ألزمهم الردَّ لقوله تعالى: (وإذَا حُيّيتُمْ بتحيّةٍ فَحَيّوا بأحْسَنَ مِنهَا أوْ رُدّوُهَا). فإن فعلوا أطاف بهم من إنكار السلطان ما يُخشَى ويُخَاف، لأنه تأنيسُ
لمن أوحش وتأمين لمن أخاف، وإن تركوا الردّ أسخطوا الله فصار الإمساك أحسن، ومثل هذا لا يخفى على أبي الحسن، فانكسر محمد ابن حَفص، وخجل ممّا أتى به من النقص.
وبلغه أن أقواماً توجّعوا له، وتفجّعوا مِمّا وصله، فكتب إليهم:
أحنّ إلى أنفاسكم فأظنُّهابواعثَ أنفَاسِ الحَياةِ إلى نفسي
وإنّ زمانا صرتُ فيه مقيّداًلأثقلُ من رَضوى وأضيقُ من رَمْسِ
النص من طبعة دار عمار ومؤسسة الرسالة (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع