تجاوز إلى المحتوى

من «أخبار النساء» لابن الجوزي (ت ٥٩٧هـ)

باب يذكر فيه من صيّره العشق إلى الأخلاط والجّنون

قال بعضهم: مررت بفورك المجنون وقد أتاه أهله بطبيبٍ، يقال له عبد العزيز، ليعالجه. فسملت وقلت: ما خبرك يا أبا محمّد؟ فقال: خبري والله مع هؤلاء المجانين ظريفٌ. أنا عاشقٌ وهم يظنّون بي جنّة وقد أتوني بهذا الطّبيب ليعالجني. ثمّ أنشأ يقول:

أتوني بالطّبيب فعالجونيعلى أن قيل مجنونٌ غريب
طبيب الأجر فيه عساه يوماًمن الأيّام يعقل أو يتوب
وما صدقوا الفتى محوي قلبيأجلّ من أن يعالجه الطّبيب
وما بي جنّةٌ لكنّ قلبيبه داءٌ تموت به القلوب
وما عبد العزيز طبيب قلبيولكنّ الطبيب هو الحبيب

وقال آخر: مررت بمجنونٍ بيده قصبةٌ وفيها عذبةٌ، وهو يقول:

إذا ما رايةٌ رفعت بنجدٍتلقّاها عرابة باليمين

قال فأخذت بيد الغلام الذي كان يتعشّقه فوقفت بين يديه، فقال له: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟ فقال في ساعةٍ بديهةٍ:

أصبحت منك على شفا جرفٍمتعرّضاً لموارد التّلف
وأراك نحوي غير ما ثقةٍمتحرّفاً من غير منحرف
يا من أطال بصدّه أسفيكلفي عليك أشدّ من أسفي

وقال بعضهم: اجتزت بفورك المجنون وهو في جماعةٍ من الصّبيان راكبٌ قصبةً، وهو يقول: من كان عاشقاً منكم فيقف في الميمنة، ومن كان معشوقاً فليقف في الميسرة. ووقف هو في القلب، ففكّر وقال:

إلى من أشتكيك إلى منإلى كم ترى في قصّتي غير محسن
إلى كم يدوم الهجر والعتب بينناسألتك بالرّحمن ألاّ رحمتني
فيا لائمي في أحمد لو رأيتهلما لمتني في حبّه، وعذرتني
أتعجب أن قالوا بفورك جنّةبنفسي ومالي من هواه أجنني

ثمّ قال: احملوا على بركة الله. فحملت الميمنة على الميسرة، وأخذ كل عاشقٍ معشوقه.

قال ولقيته في يوم خميسٍ في جماعةٍ من الصّبيان، منصرفاً. من تشييع غلامٍ كان يحبّه، وهو يحدّثهم ويلطم خده ويقول: ما أحرّ الفراق؟ فقلت: يا أبا محمّد، من أين أقبلت؟ قال: من تشييع الحجّاج. وبكى، وقال:

هم رحلوا يوم الخميس عشيّةًفودّعتهم لمّا استقلّوا وودعوا
للشاعر ابن باجه، من قصيدة «هم رحلوا يوم الخميس عشيّةً»
فلمّا تولوا ولّت النّفس معهم،فقلت: ارجعي قالت: إلى أين أرجع؟
إلى جسدٍ ما فيه لحمٌ ولا دمولا فيه إلا أعظم تتقعقع
للشاعر ابن باجه، اقرأ القصيدة
وكذّبت فيك الطّرف، والطّرف صادقٌوأسمعت أذني فيك ما ليس أسمع

قال الحسن بن رفاعة: رأيت علويّة المجنون يوماً وفي عنقه حبلٌ والصّبيان يجرّونه، فلمّا رآني قال: يا أبا عليٍّ بماذا يعذّب الله أهل الجّرائم يوم القيامة؟ قلت: بأشدّ العذاب. قال: فأنا، والله، في أشدّ من عذابه. لو عذّب الله أهل جهنّم بالحبّ والهجر والرّقباء لكان أشدّ عليهم، ثمّ قال:

انظر إلى ما صنع الحبّلم يبق لي جسمٌ ولا قلب
أنحل جسمي حبّ من لم يزلمن شأنه الهجران والعتب
ما كان أغناني عن حبّ منمن دونه الأستار والحجب

قال: وحضرته وقد أتوه بطبيبٍ يعالجه، والطّبيب يعاتبه ويقول له: لو تركتني لعالجتك ورجوت أن تبرأ، فقال في ذلك:

أنا منك أعلم أيها المتكلّمما بي أجلّ من الجّنون وأعظم
أنا عاشقٌ، فإن استطعت لعاشقٍبرأً مننت به وأنت محكّم
هيهات، أنت لغير ما بي عالمٌوسواك، بالدّاء الذي بي أعلم
دائي دسيسٌ، قد تضمّنه الهــوى، تحت الجّوانح ناره تتضّرم

قال: ومررت ببعض المجانين وهو جالسٌ وحده متفكّراً، فقلت: ما خبرك؟ قال:

أقول بأعلى الصّوت ما بي جنّةوما بي إلا حبّ من ليس ينصف
وما بي جنونٌ غير أنّ بليّتيإذا انكشفت منه أرقّ وألطف
بنفسي وأهلي، من أرى الموت جهرةً،إذا ما بدا منه البنان المطرّف

قال: وكان فورك يتعشّق غلاماً يسمى غلباً فأتاه بعض إخوانه فقال: إنّي خارج نحو غلب، فهل من حاجةٍ؟ فقال:

نعم أوصيك إن أبصرت غلبًافقبّل وجنتيه وإن تأبّى
وقل هذي وصية مستهامٍإليك قتلته شغفاً وحبّا

ودخل مهدي على بعض ولاة اليمامة، فسأله الوالي عن مجلسه مع

ظبية، واستنشده ما قال فيها من الشّعر. وكان ابن ظبية حاضراً، فأنشده مهديّ بيتين يصفها فيهما بالعفاف. فقام ابنها فنزع عن نفسه جبّة خزٍّ ووشاحاً ألقاهما على مهدي لمّا وصف أمّه بالعفاف.

قال أحمد بن يحيى: كان القيطنون متملّكاً على أهل المدينة. وكان قد سامهم خسفاً، وشرط عليهم أنّه لا تدخل امرأة على زوجها حتّى يبدأ بها. فزوّج مالك بن عجلان الخزرجي أخته. فلما جهّزها وأراد إهداءها إلى زوجها، وهو قاعدٌ في مجلس الخزرج، إذا خرجت أخته على الحيّ سافرةً. فغضب مالك، ووثب إليها ليتناولها بالسّيف، وقال لها: فضحتني، ونكّست رأسي، وأغضضت بصري. فقالت له: الذي تريد بي أنت شر من هذا وأقبح وأفضح. إن كنت تهديني إلى غير بعلي فيصيبني، فهذا شرٌّ من خروجي سافرةً حاسرةً! فقال مالك: صدقت، وأبيك.

وسكت عنها، فلمّا رجعت إلى خدرها دخل إليها، فقال لها: هل فيك من خير؟ فقالت: أيّ خيرٍ عند امرأةٍ إلاّ أن تناك؟ فقال لها اكتمي ما أريده. قالت: نعم. فشرح لها ما عزم عليه. فلمّا أمست أتتها رسل القيطنون ليأتوه بها، فلبست وتعطّرت وتحلّت، ولبس معها وتعطّر واشتمل على السّيف ومضى معها في جملة نسائها إلى قصر القيطنون. فلمّا خلا بها في مشربة له، ودنا منها تنحّى نساؤها عنها إلاّ مالك وحده، فقالت للقيطنون: بحقّ التّوراة ألا أمهلتني ساعةً حتّى ترجع نفسي فيها إليّ، وتركت أختي هذه تؤانسني عندك، فإنّي ألفتها من بين أهلي؟ فقال: نعم. فلمّا هدأت ساعةً. قال: تقدّمي إلى فراشك حتى ألحقك. فقام القيطنون إلى باب مشربته فأغلقه، وأتى فراشه. وكشف مالك عن السّيف ثمّ ضربه به حتّى برد. فاجتمع الحيان من

الأوس والخزرج فسوّدوه على أنفسهم، وملّكوه، إذ أراحهم من عار الدّهر. وذلّت اليهود بعد ذلك فلم ترفع رأساً.

قال الزّبير بن بكار: كان عبد الرّحمن بن أبي عمّار من عبّاد أهل مكّة، فسمي القسّ من عبادته. فمرّ ذات يومٍ بدار سهل بن عبد الرّحمن بن عوف مولى سلامة الزّرقاء، وهي تغنّي، فسمع غناءها، فبلغ منه كلّ مبلغ، فرآه مولاها وتبيّن ما لحقه، فقال له: هل لك أن تدخل إليها وتسمع منها؟ فامتنع وأبى، فقال له: أنا أقعدك في موضعٍ تسمع من غنائها ولا تراها ولا تراك. ولم يزل به حتّى دخل وسمع غناءها، فأعجبه، فقال له: هل لك أن أخرجها لك؟ فامتنع بعض الامتناع، ثمّ أجابه. فأخرجها إليه، وأقعدها بين يديه، وغنّته، فشغف بها، وشغفت به. وكان أديباً ظريفاً. واشتهر أمره معها بمكّة حتّى سمّوها سلامة القسّ.

وخلا معها يوماً، فقالت له: أنا، والله، أحبّك فقال لها: أنا، والله، كذلك. قالت له: أحبّ أن أضع فمك على فمي. قال: وأنا، والله. قالت: فما يمنعك من ذلك، فوالله إنّ الموضع لخالٍ؟ فقال لها: ويحك، إنّي سمعت الله ﷿ يقول في كتابه: " الأخلاّء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلاّ المتّقين ". وأنا أكره أن تكون خلّة ما بيني وبينك عداوة يوم القيامة. ثمّ نهض وعيناه تذرفان من حبّها وعاد إلى الطّريقة التي كان عليها من النّسك والعبادة. وكان يمرّ في بعض الأيّام ببابها فيرسل إليها بالسّلام فيقال له: أدخل فيأبى. وقال فيها أشعاراً كثيرةً، وغنّته بها. فمنها:

إنّ التي طرقتك بين ركائبتمشي بمزهرها وأنت حرام
باتت تعلّلنا، وتحسب أنّنا،في ذاك أيقاظ ونحن نيام
حتّى إذا سطع الصّبح لناظرٍفإذا الذي ما بيننا أحلام
قد كنت أعذل في السّفاهة أهلهافاعجب بما تأتي به الأيام
فاليوم أعذرهم وأعلم أنّماطرق الضّلالة والهدى أقسام

وفيها قوله:

على سلاّمة القلب السّلامتحية من زيارته لمام
أحبّ لقاءها، وألوم نفسي،كأنّ لقاءها شيءٌ حرام
إذا ما حنّ مزهرها إليهاوحنّت نحوه، أذن الكرام
فمدّوا نحوها الأعناق حتّىكأنّهم وما ناموا نيام

وله فيها أشعار كثيرة تركت ذكرها ها هنا لأنّها مستقصاةٌ من أخبارها في كتاب طبقات المغنّين.

قال: وفدت عزّة وبثينة على عبد الملك بن مروان فلمّا دخلتا عليه انحرف إلى عزّة، وقال لها: أنت عزّة كثير؟ قالت: لست لكثير بعزّة ولكنّي أمّ بكرٍ الضّمريّة. قال أتروين قول كثيرٍ فيك؟

لقد زعمت أني تغيّرت بعدهاومن ذا الذي يا عزّ لا يتغيّر
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «لقد زعمَتْ أنّي تغيَّرتُ بعدها»
تغيّر جسمي والخليقة كالتيعهدت، ولم يخبر بسرّك مخبر

قالت: لست أروي هذا، ولكنّي أروي غيره حيث يقول:

كأنّي أنادي صخرةً حين أعرضتمن الصّمّ لو يمشي بها العصم زلّت
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «خليلي هذا ربع عزة فاعقلا»
صفوحاً فما تلقاك إلاّ بحيلةٍفمن ملّ منها ذلك الوصل ملّت

ثمّ عطف على بثينة فقال لها: ما رأى جميل حين لهج بذكرك بين النّساء كلّهن؟ قالت: الذي رأى فيك النّاس حين جعلوك خليفة من بين رجال العالمين. فضحك حتّى بدت سنٌّ له سوداء، كان يخفيها، وأجزل جائزتهما وقضى حوائجهما.

وقال محمّد بن يحيى المدني: سمعت عطاء يقول: كان الرّجل يحبّ الفتاة فيطوف بدارها حولاً كاملاً يفرح إن رأى مرآها، وإن ظفر منها بمجلسٍ تشاكيا وتناشدا الأشعار. فاليوم يشير إليها، وتشير إليه، فإذا التقيا لم يشكوا حبّاً، ولم ينشدا شعراً. وقام إليها كأنّه أشهد على نكاحها أبا هريرة وأصحابه.

وحكى أبو الحسن المدايني قال: هوى بعض المسلمين جاريةً بمكّة فأرادها، فامتنعت عليه. فأنشدها:

سألت الفتى المكّيّ هل في تزاورٍوقبلة مشتاق الفؤاد، جناح؟
فقال: معاذ الله أن يذهب الهوىتلاصق أكبادٍ بهنّ جراح

فقالت له: بالله، إنّك سمعته وسألته فأجابك بهذا الجّواب؟ قال: نعم. فزارته وجعلت تقول: إيّاك أن تتعدى ما أمرك به عطاء.

وروى عبد الرحمن بن نافع، أنّ أبا هريرة سئل عن قول الله ﷿ " الذين يجتنبون كبائر الأثم والفواحش إلا اللمم ". فقال: هي النظرة والغمزة والقبلة. وقال مجاهد: هو الرّجل يلمّ بالذّنب مرّةً ثمّ لا يعود، وبإسنادٍ عن رسول الله، ﷺ، أنّ رجلاً جاء إليه فقال له: إنّي أخذت امرأةً في البستان فأصبت منها كلّ شيءٍ، إلاّ أنّي لم أنكحها فاصنع ما شئت؟ فسكت عنه، ﷺ. فلمّا ذهب، دعاه فقرأه عليه " وَأَقِمِ الصّلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إنّ الحسنات يذهبن السيئات " الآية.

؟

قيل لأعرابيٍّ: ما كنت تصنع لو ظفرت بمن تهوى؟ قال: كنت أمتّع عيني في وجهها، وقلبي من حديثها، وأستر منها ما لا يحبّه الله ولا يرضى بكشفه إلا عند حلّه. قيل: فإن خفت أن لا تجتمعا بعد ذلك؟ قال: أكل قلبي إلى حبّها، ولا أصير بقبيح ذلك الفعل إلى نقض عهدها.

ويروى عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، أنّه قال: " سبعةٌ يظلّهم الله بظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه: إمامٌ عادلٌ، وشابٌ نشأ في عبادة الله، ورجلٌ قلبه متعلّقٌ بالمسجد حتّى يعود إليه، ورجلان تحابّا في الله اجتمعا على ذلك وتفرّقا عليه، ورجلٌ طلبته ذات منصبٍ وجمالٍ فقال إنّي أخاف الله، ورجلٌ تصدّق بصدقه فلم تعلم شماله ما تسرّ يمينه، ورجلٌ ذكر الله خالياً ففاضت عيناه ".

وعن عبد الملك بن قريب الأصمعي قال: بصرت الزّبّاء بعمر بن أبي ربيعة، وهو يطوف بالبيت، فتنكّرت له وفي كفّها خلوقٌ، فمسحته بثوبه، فقال:

أدخل الله ربّ موسى وعيسىجنّة الخلد من ملاني خلوقا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أدخل الله رب موسى وعيسى»
مسحت كفها بجيب قميصيحين طفنا بالبيت مسحاً رقيقا
لو تجازى القلوب بالودّ أمسىقلبها مائلاً إلينا شفيقا

فنظر إليه عبد الله بن عمر في تلك الحالة ينشد الأبيات، فقال: ما هذا زي المحرم وما يحلّ للمحرم أن يقول مثل هذا القول في هذا الموضع فقال: يا أبا عبد الرّحمن قد سمعت منّي ما سمعت، فوربّ هذه البنية، ما حللت إزاري على حرامٍ قط.

قال الهيثم بن عدي دخلت ليلى بنت عبد الله الأخيلية على الحجّاج وعنده وجوه النّاس وأشرافهم. فاستأذنته في الإنشاد، فأذن لها، فأنشدته قصيدةً مدحته بها. فلمّا فرغت من إنشادها، قال الحجّاج لجلسائه: أتدرون من هذه الجّارية؟ قالوا: لا نعلم، أصلح الله الأمير، ولكنّا لم نر امرأةً أكمل منها كمالاً، ولا أجمل منها جمالاً، ولا أطلق لساناً، ولا أبين بياناً، فمن هي؟ قال: هذه هي ليلى الأخيلية صاحبة توبة بن الحمير الذي يقول فيها:

نأتك بليلى دارها لا تزورهاوشطّ نواها واستمرّ مريرها
للشاعر توبة الخفاجي، من قصيدة «نأتك بليلى دارها لا تزورها»

ثمّ قال لها: يا ليلى ما الذي رابه من سفورك حيث يقول:

وكنت إذا ما زرت ليلى تبرقتفقد رابني منها الغداة سفورها
للشاعر توبة الخفاجي، من قصيدة «نأتك بليلى دارها لا تزورها»

قالت: أصلح الله الأمير، لم يرني قط إلا متبرقعةً وكان أرسل إليّ رسولاً أنّه يلمّ بنا، ففطن الحيّ لرسوله، فأعدّوا له وكمنوا، وفطنت لذلك، فلم يلبث أن جاء، فألقيت، برقعي وسفرت له، فلمّا رأى ذلك أنكره وعرف الشّرّ، فلم يزد أن سلّم عليّ وسأل عن حالي وانصرف راجعاً. فقال الحجّاج لها: لله درّك فهل كانت بينكما ريبة؟ قالت: لا، والذي أسأله أن يصلحك إلى أن قال مرةً قولاً ظننت أنّه خضع لبعض الأمر، فقلت له مسرعةً هذا الشعر. وأنشأت وهي تقول:

وذي حاجةٍ قلنا له لا تبح بهافليس إليها ما حييت سبيل
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
لنا صاحبٌ لا ينبغي أن نخونهوأنت لأخرى صاحبٌ وخليل

فلا، والذي أسأله صلاحك، ما كلّمني بشيءٍ بعدها استربته حتّى فرّق الدّهر بيني وبينه.

قال أبو عثمان: قد ترى الأعرابيّ، وظاهره ظاهر الجّفاء، فما

هو إلاّ أن يعشق حتّى تجده أرقّ من الماء، وألطف من الهواء. ومع ذلك يلقى أحدهم عشيقته فيترشّفها ويعانقها من دون الثّياب ويمنعه التّكرّم ويحجزه الورع عن وطئتها وإن أمكنته. قال ابن هرمة.

ولربّ لذّة ليلةٍ قد نلتهاوحرامها لحلالها مدفوع

ويقتصرون على الحديث والقبل واللمس.

قال العتيبي: قيل لبعض الأعراب، ما الذي ينال أحدكم من عشيقته إذا خلا بها؟ قال اللمس والقبل والحديث. قال فهل يطؤها؟ قال: بأبي أنت وأمّي ليس هذا عاشقاً هذا طالب ولد.

قال: وكان الشّرط بين العاشق ومعشوقه إذا خلوا أن يكون له نصفها الأعلى من سرّتها إلى قمّة رأسها يصنع فيها ما شاء، ولبعلها من سرّتها إلى أخمصها. وأنشد ابن الأعرابيّ في مثل ذلك:

فللخلّ شطرٌ مطلقٌ من عقالهوللبعل شطرٌ ما يرام منيع

وأنشد أبو عمرو بن العلاء في نحوه:

لها نصفان من حلٍ وبلٍونصف كالبحيرة ما يهاج

يقول نصفها الأعلى لعشيقها طلقٌ، ونصفها الآخر عليه كالبحيرة - فإنّها كانت في الجّاهلية حراماً لا تهاج ولا تركب ولا تمنع من كلأ ولا ماء - وأنشد الأصمعي لبعض ظرفاء العرب يخاطب بعل عشيقته:

فهل لك في البدال أبا زنيموأقنع بالأكارع والعجوب

قال إبراهيم بن بشارة النّظام: قد يمكن الرجل أن يحتجز عن ذلك ما دام ليس له هنالك إلاّ الحديث والقبلة، فأمّا إذا ترشّفها وعانقها من دون ثيابها فلا بد أن ينعظ وينشط وإذا أنعظ وهو في الإزار معها انتقض العزم، كما قال عبد الرّحمن بن أمّ الحكم:

وكأس ترى بين الإناء وبينهاقذى العين قد نازعت أم أبان
للشاعر عبد الرحمن بن الحكم، اقرأ القصيدة
ترى شاربيها حين يعترونهايميلا أحياناً ويعتدلان
فما ظنّ ذا الواشي بأبيض ماجدٍوبيضاء خودٍ حين يلتقيان
دعتني أخا أمّ عمرو ولم أكنأخاها ولم أرضع لها بلبان
دعتني أخاها بعد ما كان بيننامن الأمر ما لا يفعل الأخوان

وقد ذكرنا: أنّ أهل طبرستان لا تتزوّج الجّارية منهم حتّى يستظهر بها حولاً كاملاً محرّماً ثمّ يقدم بها فيخطبها إلى أهلها ثم يتزوّج بها، ويزعمون مع ذلك أنّهم يجدونها بكراً، وقد عانقها في إزارٍ واحدٍ سنةً تامةً وهو لا يستظهر بها، ويحتمل وحشة الاغتراب، وانقطاع الأسباب إلاّ من عشق غالب. ولا يجوز أن تؤاتيه الجّارية إلا وبها شبه الذي به. وإنّ من أعجب العجب أن يمكثا متعانقين في لحافٍ واحدٍ ثمّ يحتجزان عن الزّنا تكرّماً وتحرّجاً! وهذا التّكرّم عند علوج طبرستان من العجائب.

ومن قول سهيل بن هارون: ثلاثةٌ من المجانين وإن كانوا عقلاء: الغضبان، والعزبان، والسّكران. فقال له أبو عبيد الله الخليع: والمنعظ يا أبو عمرو؟ فقال: والمنعظ. وضحك وأنشد:

وما شرّ الثّلاثة أمّ عمروبصاحبك الذي لا تصحبينا
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «ألا هبي بصحنك فاصبحينا»

قال الأصمعي: كان فتىً من ثقيفٍ شديد الحياء، كريماً أديباً، فبينا هو جالس، إذ مرّت به امرأةٌ من أجمل النّساء فلم يتمالك أن قام من الحياء من مجلسه ليعلم من هي، وأين تريد. وقد كلف بها واشتدّ عشقه لها، فاتّبعها حتى دخلت منزل أخيه فإذا هي امرأته، فضاق به الأمر ولم يدر ما يصنع، وكتم شأنه، وجعل ما به يزداد كل يومٍ حتّى

نحل جسمه، فأنكر شأنه أخوه وأهله وسألوه عمّا به. فلم يخبرهم بشيءٍ من أمره. فدعا أخوه الأطبّاء فعالجوه فلم يغنوا عنه شيئاً، فلمّا أعياهم ما به، وزاد سقمه، سلّمه أخوه إلى الحارث بن كلدة وكان من أطبّاء العرب فنظر إليه الحارث فلم ير به داءٌ ينكر، غير أنّه ظنّ أنّه عاشق. فخلا به الحارث فسأله، فأبى أن يقرّ له بشيءٍ. فلمّا أعيا الحارث جعل يسأل عن أسمائهم وأسماء نسائهم، والفتى ملقىً بين يديه، كلّما سمّيت امرأةٌ منهم نظر الحارث وجه المريض حتّى جاء اسم امرأة أخيه فارتاح وتنفّس، واغرورقت عيناه بالدّموع. فعلم الحارث أمره، وقال لأخيه: إذهب فجئني بجميع أهليكم، ولا يتخلّف عنّي أحد منهم امرأةً ولا رجلاً، فإنّي قد وقعت على دائه.

فخرج أخوه حتّى أتى أهله، فجميعهم في منزل ونقل الحارث المريض إليهم، وقال: لا يغيبنّ عنه امراةٌ ولا رجلٌ. فلمّا نظر الرّجل إلى امرأة أخيه خفّ عنه بعض ما كان يجده. فعرف الحارث ذلك منه، فأمر بشاةٍ فذبحت، وأخرج كبدها فوضعها على النّار، ثمّ أطعمه منها فأكل ثمّ مزج له شربةً خفيفةً فسقاه، وفعل ذلك به أيّاماً يزيده في كلّ يومٍ شيئاً قليلاً في مطعمه ومشربه. فحسنت حاله، ورجع إليه بعض جسمه.

فلمّا رأى الحارث أنّه قوي بعض القوّة صنع له طعاماً وهيّأ له شراباً ثمّ أحضر الفتى وأخاه فطعما وشربا، وأمر الحارث أخاه أن ينصرف وقام هو ووكّل هو بالفتى من يسقيه ويغنيه، وقال: احفظ حديثه، وكلّ ما يتكلّم به، وحدّثه كلّ حديثٍ تعرفه في العشق وأخبار العشّاق، وأشعارهم. فلمّا أخذ الشّراب في الفتى تغنّى:

أهل ودّّي، ألا سلمواوقفوا كي تكلّموا:
أخذ الحيّ حظّهممن فؤادي وأنعم
فهمومي كثيرةٌ،وفؤادي متيّم
وأخو الحبّ جسمهأبد الدّهر يسقم

فلمّا أصبح الحارث، دعا الموكّل بالفتى فسأله، فعرّفه بكلّ شيءٍ، فحدّثه وأنشد الأبيات التي تغنّى بها. فدعا أخاه فعرّفه إنّه عاشقٌ لامرأته. فقال له: يا أخي أنا أنزل لك عنها وتتزوّجها. فلمّا سمعه الفتى استحيا وخرج هارباً على وجهه، فلم يقفوا له على خبرٍ إلى اليوم فسمّي فقيد ثقيف.

وروى نافع مولى ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: " بينا ثلاثة نفرٍ يمشون إذ أخذهم المطر فأووا إلى غارٍ في جبل. فانحطّ عليهم من الجبل صخرةٌ فانطبقت عليهم، وقال بعضهم: انظروا أعمالاً عملتموها لله صالحةً، فادعوا الله بها. فدعوا الله، ﵎، فقال أحدهم: اللهمّ إنّك تعلم أنّه كان لي أبوان شيخان كبيران، وامرأةٌ وصبيان، فكنت أرعى عليهم فإذا رحت إليهم حلبت، وبدأت بوالديّ أسقيهما قبل بنيّ. وإنّي لم آت يوماً حتّى أمسيت، فوجدتهما قد ناما، فحلبت كما كنت أحلب، فقمت عند رؤوسهما أكره أن أوقظهما من نومهما، وأكره أن أبدأ بالصبية قبلهما، فجعلوا يتضاغون تحت قدمي، فلم يزل ذلك دأبهم حتّى طلع الفجر. فإن كنت تعلم إنّي فعلت ذلك إبتغاء وجهك، فأفرج عنّا فرجةً نرى منها السّماء. ففرّج الله له فرجةً.

وقال الآخر: اللهمّ إنّك تعلم إنّه كانت لي إبنة عمٍّ فأحببتها كأشدّ ما يحبّ الرّجال النّساء، فطلبت إليها نفسها فأبت حتّى آتيها بمائة دينارٍ، فسعيت حتّى جمعت مائة دينارٍ فجئتها بها، فلمّا قعدت بين رجليها، قالت: يا عبد الله، اتّق الله ولا تفضّنّ الخاتم إلا بحقه. فقمت عنها فإن كنت تعلم إنّي فعلت ذلك إبتغاء وجهك، فأفرج عنّا فرجةً نرى منها السّماء. ففرّج الله جلّ ثناؤه فرجةً.

وقال الآخر: اللهمّ إنّك تعلم أنّي استأجرت أجيراً فلمّا قضى عمله، قال: أعطني حقّي. فأعرضت عنه وتركته، ثمّ اشتريت بحقّه بقراً وراعياً لها فجاءني بعد حين، فقال لي: اتّق الله ولا تظلمني، وأعطني حقّي. فقلت له: إذهب إلى تلك البقر وراعيها. فأخذها وذهب، فإن كنت تعلم أنّي فعلت ابتغاء وجهك، فأفرج لنا ما بقي. ففرّجها الله عنهم. "

قال الأصمعي: قلت لأعرابيّةٍ من بني عذرة: أنتم أكثر النّاس عشقاً فما تعدّون العشق فيكم؟ قالت: الغمزة والقبلة والضمّة. ثمّ قالت:

ما الحبّ إلا قبلةٌ،وغمز كف، وعضد
ما الحبّ إلا هكذا،إن نكح الحبّ فسد
للشاعر الأمين العباسي، من قصيدة «ما الحبُّ إلا قُبَلٌ»

ثمّ قالت: وأنتم يا حضر، كيف تعدّون العشق فيكم؟ قلت: يقعد بين رجليها ويجهد نفسه. فقالت: يا ابن أخي، ما هذا عاشقاً هذا طالب ولد.

وروي عن عبد الرّحمن بن عوف، عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: " إذا صلّت المرأة خمسها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، دخلت الجّنّة.

عرض الحجّاج سجنه يوماً، فأتي برجلٍ فقال له: ما كان جرمك؟ قال: أصلح الله الأمير، أخذني العسس وأنا مخبرك بخبري، فإن يكن الكذب ينجي فالصّدق أولى بالنّجاة. فقال: ما قصّتك؟ قال: كنت أخاً لرجلٍ فضرب الأمير عليه العبث إلى خراسان، فكانت إمرأته تجد بي وأنا لا أشعر، فبعثت إليّ يوماً رسولاً قد جاء كتاب صاحبك فهلمّ فلتقرأه. فمضيت إليها، فجعلت تشغلني بالحديث حتّى صلّينا العشاء، ثمّ أظهرت لي ما في نفسها، ودعتني إلى السّوء، فأبيت ذلك. فقالت: والله لئن لم تفعل لأصيحنّ ولأقولنّ أنّك لص. فلمّا أبيت عليها صرخت فخرجت هارباً. وكان القتل أهون عليّ من خيانة أخي. فلقيني عسس الأمير فأخذوني. وأنا أقول متمثّلاً:

ربّ بيضاء ذات دلٍّ وحسنقد دعتني لوصلها فأبيت
لم يكن شأني العفاف ولكنكنت ندمان زوجها فاستحيت

فعرف صدق حديثه وأمر بإطلاقه.

قيل لبعض الأعراب، وقد طال عشقه لجاريةٍ: ما أنت صانعٌ لو ظفرت بها ولا يراكما غير الله؟ قال: إذا، والله لا أجعله أهون النّاظرين، لكنّي أفعل بها ما أفعل بحضرة أهلها، حديثٌ يطول، ولحظٌ كليل وترك ما يكرهه الرّبّ، وينقطع به الحبّ.

قال محمّد بن عبيد الزّاهد: كانت عندي جاريةٌ فبعتها، فتبعتها نفسي، فسرت إلى مولاها مع جماعة إخوانه، فسألوه أن يقيلني ويربح عليّ ما شاء، فأبى، فانصرفت من عنده مهموماً مغموماً، فبتّ ساهراً لا أدري ما أصنع، فلمّا رأيت ما بي من الجّهد، كتبت اسمها في راحتي، واستقبلت القبلة. فكلّ ما طرقني طارق من ذكرها رفعت يدي إلى السّماء وقلت: يا سيّدي هذه قصّتي. حتّى إذا كان في السّحر من اليوم الثّاني، إذ أنا برجلٍ يدقّ الباب، فقلت: من هذا: أنا مولى الجّارية. ففتحت، وإذا بها. فقال: خذها بارك الله لك فيها! فقلت: خذ مالك والرّبح. فقال: ما كنت لآخذ ديناراً ولا درهماً. قلت فلم ذلك؟ قال: أتاني الليلة في منامي آتٍ فقال: ردّ الجّارية على ابن عبيد الله، ولك الجنّة.

وكان عبد الرّحمن بن أبي عمّار فقيه أهل الحجاز قد مرّ بنخّاسٍ معه فتيات، فنظر إليهنّ، فتعلّق بواحدةٍ منهنّ، فاشتد ّوجده بها، واشتهر بذكرها، حتّى أتى إليه عطاء ومجاهد يعذلونه.

فلم يكن جوابه إلاّ أن قال:

يلومونني فيك أقوامٌ أجالسهمفما أبالي أطال اللوم أم قصرا

فانتهى خبره إلى عبد الله بن جعفر فخرج حاجّاً بسببه، وبعث إلى مولى الجّارية واشتراها منه بأربعين ألفاً، وأمر قيّمة جواريه فحلّتها وزيّنتها. وبلغ النّاس قدومه، فدخلوا إليه للسّلام عليه وفيهم عبد الرّحمن بن عمّار. فلمّا أراد الشّخوص استجلسه، فقال له: ما فعل حبّ فلانة؟ قال: مشوب اللحم والدّم والمخّ والعظم والعصب. وأمر الجّارية فأخرجت إليه، وقال: هي هذه؟ قال: نعم، أصلحك الله. قال: إنّما اشتريتها لك، فوالله ما دنوت منها، فشأنك بها، فهي لك مباركة. وأمر له بمائة ألف درهمٍ، وقال له: خذ هذا المال لئلّا تهتمّ بها وتهتمّ بك. قال، فبكى عبد الرّحمن فرحاً وقال: يا أهل البيت قد خصّكم الله بأشرف ما خصّ به أحداً من صلب آدم، فلتهنئكم هذه النّعمة، وبارك لكم فيها. فكان هذا الفعل بعض ما اشتهر به عبد الله بن جعفر من الجّود.

وقيل لأعرابيٍّ: أتعرف الزّنا، قال: وكيف لا. قيل: فما هو؟ قال: مصّ الرّيقة، ولثم العشيقة، والأخذ من الحديث بنصيب. قيل: ما هكذا نعدّه فينا! قال: فما تعدّونه؟ قيل: النّقّ الشديد أن تجمع بين الرّكبة والوريد، وصوتٌ يوقظ النّوام، وفعلٌ يوجب كثيراً من الآثام. قال: لله ما يفعل هذا العدوّ البعيد، فكيف الصّديق الودود.

وقيل لآخر: ما كنت صانعاً لو ظفرت بمن تهوى؟ قال: كنت أطيع الحبّ في لثامها، وأعصي الشّيطان في آثامها، ولا أفسد بضع عشرة سنين فيما يبقى ذميماً عاره، وينشر قبيح أخباره في ساعةٍ تفقد لذّتها. إنّي إذاً لئيمٌ، ولم يلدني كريمٌ.

وقيل لآخر: ما أنت صانعٌ إن ظفرت بمن تحب؟ قال: أحلل ما يشتمل عليه الخمار وأحرّم ما كتمه الإزار، وأزجر الحبّ عمّا يغضب الرّب.

وقيل لليلى هذا قيسٌ مات لما به من عشقك. قالت: ولقد خفت والله أن أموت بذلك منه. قيل لها: فما عندك حيلةٌ تخفّف ما به؟ قالت: صبري، وصبره، أو يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.

وقيل لعفراء، وقد بلغها ما نزل بعروة، فكادت تبوح بسرّها فقيل لها: أما عندك له حيلةٌ تخفّف ما به؟ فقالت: والله، لأنا أسرّ بذلك وأشوق إليه منه، ولكن لا سبيل إلى احتمال العار، ودخول النّار.

وقيل لميّة، بعد موت قابوس: ما كان يضرّك لو أمتعته بوجهك قبل موته؟ قالت: منعني من ذلك خوف العار، وشماتة الجّار. ولقد كان بقلبي منه أكثر ممّا كان بقلبه، غير أنّي وجدت ستره أبقى لنا لما في الصّدر من المودّة، وأحمد للعافية.

وقيل لابنة ملكٍ من ملوك الفرس، وقد أجهدها عشق رجلٍ من أساورة أبيها: لو روّحت عن قلبك بالاجتماع معه، كفّ ذلك من وجدك. قالت: إنّ الأمر على ما تصفون، ولكن ما عذري إذ هتكت ستري، وأظهرت أمري، عند من لا يلزمه عاري، ويرغمه اشتهاري، والله لا كان هذا أبداً.

وحكى السّريّ بن المطّلب قال: كان الحارث بن الشّريد يعشق عفراء بنت أحمر. فلمّا عيل صبره كتب إليها:

صبرت على كتمان حبّك برهةًوبي منك في الأحشاء أصدق شاهد
هو الموت إن لم يأتني منك رقعةٌتقوم لقلبي في مقام العوائد

فلمّا وصلت الرّقعة كتبت إليه:

كفيت الذي تخشى وصرت إلى المنىونلت الذي تهوى برغم الحواسد
للشاعر عفراء بنت الأحمر الخزاعية، اقرأ القصيدة
فوالله لولا أن يقال تظنناّبي السّوء، ما جانبت فعل العوائد

فلمّا وصلت الرّقعة إليه وضعها على وجهه، فلمّا شمّ رائحة يدها شهق شهقةّ فقضى نحبه. فقيل لعفراء ما كان يضرّك لو روّحت عن قلبه وأجبته بزورة؟ قالت: منعني من ذاك قولكنّ عفراء قد صبت إلى الحرث! فوالله لأقتلنّ نفسي من حيث لا يعلم بي أحد إلا الله. فلحقت به سريعاً.

قال العتبي: عشق كامل بن الرّضين أسماء بنت عبد الله بن مسافر الثقيفة، وهي ابنة عمّه، فلم يزل به العشق حتّى صار كالشّن البالي. فلمّا اشتدّ ما به، شكا أبوه إلى أبيها فزوّجها له، فحمل إلى دارها وفيه رمق، فلمّا دخل الدّار، قال: أوأنا بموضعٍ تسمع أسماء كلامي؟ قيل: نعم. فشهق شهقةّ قضى مكانه. فقيل لها: يا أسماء قد مات بغصّة. قالت: والله لأموتنّ بمثلها، ولقد كنت على زيارته قادرة فمنعني قبح ذكر الرّيبة، وسماجة الغيبة. وسقطت بالمرض، فلمّا اشتدّ بها، قالت لأخصّ نسائها: صوّري لي صورته، فإنّي أحبّ أن أزوره قبل موتي. ففعلت. فلمّا رأت الصّورة اعتنقتها وشهقت شهقةً قضت نحبها. فدفنت مع الفتى في قبرٍ واحدٍ.

وكتب على قبرهما:

بنفسي هما ما متّعا بهواهماعلى الدّهر حتّى غيّبا في المقابر
أقاما على غير التزاور برهةًفلمّا أصيبا قرّبا بالتزاور
فيا حسن قبرٍ زار قبراً يحبّهويا زورةً جاءت بريب المقادر

قال العتبي: قال أعرابيٌّ: إن لم يكن العشق ضرباً من السّحر إنّه لسعةٌ من الجّنون.

وسئلت أعرابيّةٌ عن الهوى، فقالت: هو الهوان غلطٌ باسمه، وإنّما يعرف ما نقول من أبكته المعارف والطّلول.

وسئلت أعرابيّةٌ عن صفة الهوى، فقالت:

الحبّ أوّله ميلٌ تهيم بهنفس المحبّ فيلقى الموت كاللعب
يكون مبدؤه من نظرةٍ عرضتأو مزحةٍ أشعلت في القلب كاللهب
كالنّار مبدؤها من قدحةٍ، فإذاتضرّمت أحرقت مستجمع الحطب

وأنشد لأبي جعفر الطّربخيّ:

ليس خطب الهوى بخطبٍ يسيرٍلاينبّئك عنه مثل خبير
للشاعر علية بنت المهدي، اقرأ القصيدة
ليس أمر الهوى يدبّر بالرّأي ولا بالقياس والتّفكير
للشاعر علية بنت المهدي، اقرأ القصيدة
إنّما الحبّ والهوى خطراتٍمحدثات الأمور بعد الأمور

وقال أعرابيٌّ: إنّ الصّبر على الهوى أشدّ من الصّبر على البلاء، كما أنّ الصّبر على المحبوب أشدّ من الصّبر على المكروه.

وليم بعض الحكماء على الهوى، فقال: لو كان لذي هوىً اختيارٌ لاختار أن لا هوىً. وأنشد لمجنون ليلى:

أصلّي فلا أدري إذا ما ذكرتهاأثنتين صلّيت الضّحى أم ثمانيا
أراني إذا صلّيت أقبلت نحوهابوجهي وإن كان المصلّى ورائيا
وما بي إشراكٌ ولكنّ حبّهاوعظم الجوى أعيا الطّبيب المداويا
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة

وأنشد لأبي العتاهية:

لا بارك الله فيمن كان يخبرنيأنّ المحبّين في لهوٍ ولذّات
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «لا بارك الله فيمن كان يخبرني»
لموتةٌ تأخذ الإنسان واحدةًخيرٌ له من لقاء الموت مرّات
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «لا بارك الله فيمن كان يخبرني»

وأنشد لأعرابيٍّ:

وللحبّ أغصانٌ تراها نضيرةًوفي طعمها للعاشقين ذعاف
رأيت المنايا في عيون أوانسٍتقتّلن أرواحاً وهنّ ضعاف

وأنشد:

رأيت الحبّ نيراناً تلظّىقلوب العاشقين لها وقود
فلو كانت، إذا فنيت تقضّتولكن مثل ما كانت تعود
كأهل النّار إذ فنيت جلودٌأعيد من الشّقاء لهم جلود

وركبت سكينة بنت الحسين بن عليٍّ بن أبي طالب رضي الله

عنهم مع جواريها، فمرّت بعروة بن أذينة الليثي، وهو في فناء قصر ابن عتبة، فقالت لجواريها: من الشّيخ؟ فقلن لها: عروة. فعدلت إليه فقالت له: يا أبا عامر، تزعم أنّك لم تعشق قط وأنت تقول؟:

قالت: وأبثثتها وجدي فبحت به؛قد كنت عندي تحت السّتر فاستتر
للشاعر عروة بن أذينة، اقرأ القصيدة
ألست تبصر من حولي؟ فقلت لها:غطّي هواك وما ألقى على بصري
للشاعر حسن كامل الصيرفي، من قصيدة «لما بعثت بداعي الشوق والدله»

كلّ ما ترى حواليّ من جوارٍ أحرارٍ إن كان خرج الكلام من قلبٍ سليمٍ.

وأمّا أهل الدّعاوي الباطلة، التي ليست أجسامهم بناحلة، ولا ألوانهم بحائلة، ولا عقوله بذاهبة، فهم عند ذوي الفراسة، يكذبون، وعند ذوي الظّرف محرومون. فمن ذلك ما روى العبّاس بن الأحنف، قال: بينما أنا أطوف، إذ بثلاث جوارٍ أترابٍ، فلمّا أبصرنني، قلن هذا العبّاس. ودنت إليّ إحداهنّ، فقالت: يا عبّاس أنت القائل؟:

ماذا لقيت من الهوى وعذابهطلعت عليّ بليّةٌ من بابه

قلت: نعم. قالت: كذبت يا ابن الفاعلة، لو كنت كذلك كنت أنا. ثمّ كشفت عن أشاجع معراة من اللحم، فأنشأت تقول:

ولمّا شكوت الحبّ، قالت: كذبتني،فما لي أرى الأعضاء منك كواسيا!
فلا حبّ حتّى يلزق الجلد بالحشاوتخرس حتّى لا تجيب المناديا

ومن ذلك، ما روي عن إبراهيم بن المهدي قال: دخل عليّ المأمون فقال: بالله يا عم، هل عشقت قط؟ فقلت: نعم. يا أمير المؤمنين، وأنا السّاعة عاشقٌ. قال: وأنت على هذه الجثّة والجسم الكبير عاشق؟ فأنشأ يقول:

لأنّه أصفرٌ منخولوجه الذي يعشق معروف

إلى أن قال:

ليس كمن تلقاه ذاجثّةٍ كأنّه للذّبح معلوف

فأجابه إبراهيم:

وقائلٍ لست بالمحبّ ولوكنت محبّاً لذبت مذ زمن
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة
أحبّ قلبي، وما درى بدني،ولو درى، ما أقام في السّمن
للشاعر أبو بكر الشبلي، اقرأ القصيدة

وهذان قد ادّعيا المحبّة ففضحهما شاهد النّظر ولم يجز إدّعاؤهما على ذوي المعرفة والنّظر. وقول إبراهيم أحبّ قلبي وما درى بدني من

كثرة المحال أن يتعلّق القلب لسببٍ فيسلم الجسم منه على حالٍ، ولكنّه لاستحيائه من ادّعائه اعتذر، فقبح في اعتذاره. وأنشدني بعض المشايخ:

وقائلةٍ: ما بال جسمك لا يرىسقيماّ وأجسام المحبّين تسقم؟
فقلت لها: قلبي بحبّك لم يبحلجسمي، فجسمي بالهوى ليس يعلم!
للشاعر أبو الصوفي، اقرأ القصيدة

والعرب تمدح أهل النّحول، وتذمّ أهل السّمن والجسوم، وتنفيهم عن الأدب، وتنسب أهل النّحول إلى المعرفة وحسن البيان، وأهل السّمن إلى الغباوة وبعد الأذهان.

زعموا أن من غلب عليه البلغم غلظ جسمه، وكبر شحمه، وزاد لحمه، وقلّ فهمه، وطال نسيانه، وتعقّد لسانه، لغلبة البلغم على قلبه والرّطوبة على لبّه. ومن كان أغلب مزاجه المرة جفّ جسمه، وقلّ لحمه، وصحّ ذهنه، ودقّ فهمه. وأنّه يستدلّ بها على أحسن أدب ذوي الألباب، وصحّة أذهان ذوي الآداب. لا تكاد تخطي به الفراسة، ولا تكذب فيه الدّلالة لما أخبرتك من غلبة أحد المزاجين على صاحبه واستقراره في مركبه. وربّما أنجب السّمن، وخاب الهزال. ولا يكون ذلك إلا في الفرد النّادر من الرّجال ومن أمثلة العرب في ذلك: " البطنة تذهب الفطنة. "

قال عليّ بن الجّهم: لمّا أفضت الخلافة إلى جعفر المتوكّل على

الله، أهدي إليه ابن طاهر من خراسان هديّةً جليلةً فيها جوارٍ، منهنّ جاريةٌ يقال لها محبوبة كانت قد نشأت بالطّائف، وكان لها مولىً قد عنى بها، فبرعت في فنون الأدب، وأجادت الشّعر. وكانت راويةً ظريفةً، مجيدةً للغناء. فقربت من قلب المتوكّل. وغلبت عليه. قال: فخرج عليّ يوماً، وقال لي: يا علي، دخلت السّاعة على قينة وقد كتبت بالمسك على خدّها جعفراً، فما رأيت أحسن منه، فافعل فيه السّاعة شعراً. فأخذت الدّواة والقرطاس، فانقفل عليّ، حتّى كأنّي ما عملت بيتاً قط فقلت: يا أمير المؤمنين، لو أذنت لمحبوبة أن تقول شيئاً عسى أن ينفتح لي. فأمرها، فقالت مسرعةً، وأخذت العود فجسته، وصاغت لحناً، واندفعت وغنّت:

وكاتبةٍ بالمسك في الخدّ جعفراً،بنفسي خطّ المسك، من حيث أثرّا
للشاعر محبوبة جارية المتوكل، اقرأ القصيدة
لئن أودعت سطراً من المسك خدّها،لقد أودعت قلبي من الشّوق أسطرا
فاعجب لمملوكٍ يظلّ مليكهمطيعاً له فيما أسرّ وأجهرا

قال عليّ: وغضب عليها مرّة، وكان لا يصبر عنها، فأمر جواري القصر أن لا تكلّمها واحدةً منهنّ. فكانت في حجرتها أيّاماً، وقد تنغّص عيشه لفراقها، فبكرت عليه يوماً، فقال: يا علي. قلت لبّيك يا أمير المؤمنين. قال: رأيت الليلة في منامي كأنّي رضيت عن محبوبة فصالحتها وصالحتني. فقلت: خيراً يا أمير المؤمنين، أقرّ الله عينك وسرّك. إنّما هي عبيدتك، والسّخط والرّضا بيدك، فوالله، إنّا لفي حديثنا إذ جاءت وصيفةً، فقالت: يا أمير المؤمنين سمعت صوت عودٍ من حجرة

محبوبة. قال: فقم بنا يا عليّ ننظر ما تصنع، فنهضنا حتّى أتينا حجرتها، فإذا هي تضرب العود وتغنّي:

أدور في القصر، لا أرى أحداًأشكو إليه، ولا يكلّمني
للشاعر محبوبة جارية المتوكل، اقرأ القصيدة
كأنّني قد أتيت معصيةً،ليست لها توبةٌ تخلّصني
فهل شفيعٍ لنا، إلى ملكٍ،قد زارني في الكرى فصالحني،
حتّى إذا ما الصّباح لاح لنا،عاد إلى هجره فصادمني
للشاعر محبوبة جارية المتوكل، اقرأ القصيدة

قال: فصاح أمير المؤمنين، وصحت معه. فتلقته وأكّبت على رجله تقبّلها، فقال: ما هذا؟ فقالت: يا مولاي رأيت في ليلتي هذه كأنّك صالحتني، فتعلّلت بما سمعت. قال: فأنا والله قد رأيت مثل ذلك. وقال: يا عليّ أرأيت أعجب من هذا وكيف اتّفق ورجعنا إلى الموضع الذي كنّا فيه. واصطلح. وما زالت تغنّيه هذه الأبيات يومنا ذلك. وازدادت حظوتها عنده حتّى كان من أمره ما كان. فتفرّقت جواريه، فصارت محبوبة إلى الوصيف الكبير، فما زالت باكيةً حزينةً، فدعاها يوماً مع من صار إليه من جواري المتوكّل فأمرهنّ فغنّين. ثمّ أمرها فاستعفته فأبى، فقلن لها: لو كان في حزننا فرحٌ لطال حزننا معك. وجيء بعودٍ فغنّت به:

أيّ عيشٍ يلذّ ليلا أرى فيه جعفرا
كلّ من كان ذا ضناًوسقامٍ فقد برا
غير محبوبة التيلو ترى الموت يشترى
للشاعر محبوبة جارية المتوكل، اقرأ القصيدة

ومن ذلك ما حكى جميلٌ بن معمر العذري: أنّه دخل على عبد الملك بن مروان، فقال له: يا جميل حدّثني ببعض أحاديث بني عذرة. فإنّه بلغني إنّهم أصحاب أدبٍ وغزلٍ. قال: نعم يا أمير المؤمنين، أعلمك أنّ آل بثينة انتجعوا عن حيّهم، فوجدوا النّجعة بموضع نازح فظعنوا، فخرجت أريدهم، فبينما أنا أسير إذ غلطت الطّريق وأجنّني الليل فلاحت لي نارٌ، فقصدها حتّى وردت على راعٍ في أصل جبل قد انحنى عنه إلى كهفٍ فيه، فسلّمت، فردّ عليّ السّلام، وقال: أظنّك قد غلطت الطّريق؟ فقلت: أجل. فقال: انزل وبت الليلة فإذا أصبحت وقفت على القصد فنزلت فرحب بي وأكرمني وذبح شاة، وأجّج ناره، وجعل يشوي ويلقي بين يدي، ويحدّثني في خلال ذلك. ثمّ قام بإزارٍ كان معه فوضع به جانب الخبا ومهّد لي محلّاً خالياً فنمت.

فلمّا كان في الليل سمعته يبكي إلى شخصٍ كان معه، فأرقت له ليلتي. فلمّا أصبحت طلبت الإذن فأبى، وقال: الضّيافة ثلاث. فجلست وسألته عن اسمه ونسبه وحاله، فانتسب فإذا هو من بني عذرة، من أشرفهم. فقلت: وما الذي جاء بك إلى هذا؟ فأخبرني أنّه كان يهوى ابنة عمٍّ له، وأنّه خطبها من أبيها فأبى أن يزوّجها إيّاها لقلّة ذات يده، وأنّه تزوّجها رجلٌ من بني كلاب وخرج بها عن الحي، وأسكنها في موضعه. وأنّه رضي أن يكون لزوجها راعياً حتّى تأتيه ابنة عمّه فيراها. وأقبل يشكو قديم عشقه لها، وصبابته بها حتّى أتى المساء، وحان وقت مجيئها. فجعل يتقلقل ويقوم ويقعد، ثمّ وثب قائماً على قدميه، وأنشأ يقول:

ما بال ميّة لا تأتي كعادتهاأعاجها طربٌ أو صدّها شغل
لكنّ قلبي عنكم ليس يشغلهحتّى الممات وما لي غيركم أمل
لو تعلمين الذي بي من فراقكملما اعتذرت، ولا طابت لك العلل
نفسي فداؤك، قد أحللت بي سقماًتكاد من حرّه الأعضاء تنفصل
لو أنّ ما بي من سقمٍ على جبلٍلزال وانهدّ من أركانه الجبل

ثمّ قال لي: اجلس، يا أخا بني عذرة، حتّى أكشف خبر ابنة عمّي. ثمّ مضى فغاب عن بصري، فلم ألبث أن أقبل وعلى يديه محمول، وقد علا شهيقه ونحيبه، فقال: يا أخي هذه ابنة عمّي أرادت زيارتي فاعترضها الأسد فأكلها. ثمّ وضعها بين يديّ، وقال: على رسلك، حتّى أعود إليك. فغاب عن نظري فأبطأ، حتّى آيست من رجوعه، فلم ألبث أن أقبل ورأس الأسد على يديه فوضعه ثمّ، قال: يا أخي إنّك ستراني ميّتاً فاعمد إليّ وإلى ابنة عمّي فأدرجنا في كفنٍ واحدٍ، وأدفنّا في قبرٍٍ واحدٍ، واكتب على قبرنا هذين البيتين:

كنّا على ظهرها والعيش في مهلٍوالشّمل يجمعنا والدّار والوطن
ففرّق الدّهر بالتّصريف إلفتنافصار يجمعنا في بطنها الكفن

وردّ الغنم إلى صاحبها، وأعلمه بقصّتها.

ثمّ عمد إلى خناقٍ وطرحه في عنقه، فناشدته الله لا تفعل، فأبى

وخنق نفسه حتّى مات. فلمّا أصبحت كفّنتهما ودفنتهما وكتبت الشّعر كما أمر، ورددت الغنم إلى صاحبها وأعلمته بقصّتهما، فحزن حزناً خفت عليه الهلاك أسفاً على ما فرّط من عدم اجتماعهما.

وقد روي عن محمّد بن جعفر بن الزّبير، قال: كنّا عند عروة بن الزّبير وعنده رجلٌ من بني عذرة. فقال له: يا عذري بلغني أنّ فيكم رقّةً وغزلاً فأخبرني ببعض ذلك؟ فقال: لقد خلف في الحيّ ثلاثين مريضاً ما بهم داءٌ إلاّ الحب قد خامر قلوبهم وأنّ فيه من المرارة والنّكد والكمد ما هو مستعذبٌ عند أربابه، مستحسنٌ عند أصحابه، حلوٌ لا تعدّ له حلاوةٌ، ومرٌّ لا تعدّ له مرارةٌ. قال الكميت بن زيد في ذلك:

الحبّ فيه حلاوةٌ ومرارةٌسائلٌ بذلك من تطعّم أو ذق
ما ذاق بؤس معيشةٍ ونعيمهافيما مضى أحدٌ إذا لم يعشق
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «هلا سألت منازلا بالأبرق»

وقال آخر:

يا أيّها الرّجل المعذّب بالهوىإنّي بأحوال الهوى لعليم
الحبّ صاحبه يبيت مسهّداًفيطير منه فؤاده ويهيم
والحبّ داءٌ قد تضمّنه الحشابين الجوانح والضّلوع مقيم
والحبّ لا يخفى وإن أخفيتهإنّ البكاء على الحبيب يدوم
والحبّ فيه حلاوةٌ ومرارةٌوالحبّ فيه شقاوةٌ ونعيم
والحبّ أهون ما يكون مبرّحٌوالحبّ أصغر ما يكون عظيم

وأنشدني أحمد بن يحيى:

سلني عن الحبّ يا من ليس يعلمهما أطيب الحبّ لولا أنّه نكد
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «سلني عن الحب يا من ليس يعرفه»
طعمان حلوٌ ومرٌّ ليس يعدلهفي حلق ذائقه مرٌّ ولا شهد

وأنشد أبو الطّيّب:

سلني عن الحبّ يا من ليس يعلمهعندي من الحبّ إن ساءلتني خبر
إنّي امرؤٌ بالهوى ما زلت مشتهراًلاقيت فيه الذي لم يلقه بشر
الحبّ أوّله عذبٌ مذاقتهلكنّ آخره التّنغيص والكدر

وذكر ابن عتيق، قال: بينما أنا أسير في أرض بني عذرة، إذ أنا ببيتٍ جديدٍ، فدنوت منه، فإذا بعجوزٍ تعلّل شابّاً قد نهكته العلّة، وبانت عليه الذّلّة. فسألتها عن خبره، فقالت: هذا عروة بن حزام. فدنوت منه، فسمعته يقول:

من كان من إخواننا باكياً لغدٍفاليوم، أنّي أراني اليوم مقبوضا

فقلت: أنت عروة بن حزام؟ قال: نعم، الذي أقول:

جعلت لعرّاف اليمامة حكمهوعرّاف نجدٍ إن هما شفياني
للشاعر عروة بن حزام، من قصيدة «لعمري إني يوم بصرى وناقتي»
فقالا: نعم، تشفى من الدّاء كلّه.وقاما مع العوّاد يبتدراني
فما تركا من سلوةٍ يعلمانها،ولا شربةٍ إلاّ وقد سقياني
فقال: شفاك الله، والله مالنا،بما حملت منك الضّلوع، يدان
فويلي على عفراء ويلاً كأنّهعلى النّحر والأحشاء حدّ سنان،
فعفراء أصفى النّاس عندي مودّةًوعفراء عندي المعرض المتواني

ثمّ شهق شهقةً توهّمت أنّها غشية فتنحّيت عنه، ودنت العجوز فوجدته قد قضى نحبه. فما برحنا حتّى دفنّاه.

وبلغ العشق أيضاً مجنون عامر إلى ما ذكرناه في موضعه. قال بعضهم: سمعت أعرابيّةً تطوف وهي تقول اللهمّ مالك يوم القضا، وخالق الأرض والسّماء، ارحم أهل الهوى، وأنقذهم من عظيم البلا، فإنّك تسمع النّجوى، قريبٌ لمن دعا. ثمّ أنشأت تقول:

يا ربّ إنّك ذو منٍّ وذو سعةٍدارك بعافيةٍ منك المحبّينا
الذّاكرين الهوى من بعد ما رقدواحتّى نراهم على الأيدي مكبّينا

فقلت لها: يا هذه أيقال هذا في الطّواف؟ فقالت: إليك عنّي، لا يرهقك الحبّ. فقلت: وما الحبّ؟ فقالت: جلّ أن يخفى، ودقّ على أن يرى: له كمونٌ ككمون النّار في الحجر، إن قدحته أروى، وإن تركته توارى. قال: فتبعتها حتّى عرفت منزلها، فلمّا

كان من غدٍ جاء مطرٌ شديدٌ فمررت ببابها وهي قاعدةٌ مع أترابٍ لها، وهنّ يقلن لها: أضرّ بنا المطر، ولولا ذاك لخرجنا إلى الطّواف فأنشأت تقول:

قالوا أضرّ بنا السّحاب بقطرهلمّا رأوها بعبرتي تحكي،
لا تعجبوا ممّا ترون، فإنّماتلك السّماء لرحمتي تبكي

وقد زعم قومٌ أنّه لا ذنب على أهل الهوى، ولا وزر على ذوي الضّنا. إنّ خطاياهم تنمحي عنهم لطول بلائهم، وكثرة شقائهم، ولما يلقون من القلق، ويعانون من الأرق.

أبو الحسن الميداني عن الأصمعيّ قال عمر بن الخطّاب ﵁: لو أدركت عفراء وعروة، لجمعت بينهما.

قال الزّبير بن بكار: كان العرجيّ وهو عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفّان، ﵁، يعشق أمّ الأوقص المخزومي القاضي، وهي امرأةٌ من بني تميم، فكان يتعرّض لها، فإذا رأته رمت بنفسها وتستّرت منه. فمرّ بها يوماً وهي في بعض نسوةٍ وهنّ يتحدّثن، فعرفها فأحبّ أن يراها عن قربٍ، فعدل عنها ولقي أعرابيّا راكباً معه لبنٌ رطبٌ، فدفع دابّته وثيابه وأخذ قعوده ولبنه، ولبس ثيابه، ثمّ

أقبل على النّسوة. فصحن يا أعرابيّ: عندك لبن؟ قال: نعم ومال إليهنّ، وجلس يتأمّل التّميميّة وينظر أحياناً إلى الأرض كأنّه يطلب شيئاً. وهنّ يشربن من اللبن، فقالت له امرأةٌ منهنّ: أيّ شيءٍ تطلب يا أعرابيّ أضاع منك في الأرض؟ قال: نعم قلبي: فلمّا سمعت التّميميّة كلامه نظرت إليه، وكان أزرق، فعرفته، وقالت: ابن عمر، وربّ الكعبة. ووثبت فسترها نساؤها، وقلن له انصرف عنّا، لا حاجة لنا إلى لبنك. فمضى منصرفاً.

قال العتبيّ: سمعت أعرابيّةً تقول: مسكين العاشق، كلّ شيءٍ عدوّه: هبوب الرّيح تقلقه، ولمعان البرق يؤرقه، ورسوم الدّيار تحرقه، والعذل يؤلمه، والتّذكير يسقمه. إذا دنا الليل منه هرب النّوم عنه، ولقد تداويت بالقرب والبعد فما أنجح فيه دواء. ولقد أحسن الذي يقول:

بكلٍّ تداوينا فلم يشف ما بناعلى أنّ قلب الدّار خيرٌ من البعد
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «ألا هل من البين المفرق من بد»

وقال أعرابيٌّ: إنّ لي عيناً دموعاً، وقلباً مروّعاً، فماذا يصنع كلّ واحدٍ منهما بصاحبه مع أنّ داؤهما دواؤهما، وسقمهما شفاؤهما.

وذكر أعرابيٌّ وجده بامرأةٍ فقال: ما ازدادت منّي بعداً إلاّ ازددت بها قرباً.

وذكر أعرابيٌّ امرأةً كان يواصلها في شبابه، فقال: ما كانت أيّامي معها إلاّ كأباهيم القطا قصرا، ثمّ طالت بعدها شوقاً إليها،

وأسفاً عليها، فاليوم بعدها دهر، والسّاعة شهر.

ّ

قال أبو بكر بن دريد: كانت امرأةٌ من لخمٍ يقال لها سعدى تهوى ابن عمٍّ لها، يقال له عيسى. فلمّا خشي أهلها الفضيحة قالوا لها: إن نطقت فيه بشعرٍ قطعنا لسانك. فعندها قالت:

خليليّ إن أصعدتما أو هبطتمابلاداً هوى نفسي بها فأذكرانيا
للشاعر شقراء بنت الحباب، اقرأ القصيدة
ولا تدعا إن لامني ثمّ لائمٌعلى سخط الواشين أن تعذرانيا
للشاعر شقراء بنت الحباب، اقرأ القصيدة
فقد شفّ جسمي بعد طول تجلّديأحاديث عن عيسى تشيب النّواصيا
سأرعى لعيسى الودّ ما هبت الصّباوإن قطعوا في ذاك عمداً لسانيا

طلّق أعرابيٌّ امرأته: فقالت: لم طلّقتني؟ فقال: لأنّك واسعة الثّقبة، حديدة الرّكبة خفيفة الوثبة. فقالت له: وأنت سريع الإراقة، بطيء الأفافة، ثقيلٌ بين اليدين، خفيفٌ بين الرّجلين.

وطلّق قيس بن ذريحٍ امرأته لبنى فندم على ذلك، وقال:

فواكبدي على تسريح لبنىفكان فراق لبنى كالخداع
تكنّفني الوشاة فأزعجونيفيا للنّاس للواشي المطاع
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «ألأا يا شِبهَ لُبنى لا تُرَاعي»
فأصبحت الغداة ألوم نفسيعلى أمرٍ وليس بمستطاع
كمغبونٍ يعضّ على يديهتبيّن غبنه بعد البياع
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «ألا يا شبه لبنى لا تراعي»

وتزوّج الحجّاج ابنة عبد الله بن جعفر، فلمّا دخلت عليه نظر إليها وعبرتها تجود على خدّها، فقال لها: بأبي وأمّي، ممّ تبكين؟ فقالت: من شرفٍ اتّضع، ومن ضعةٍ شرفت. فلمّا كتب إليها عبد الملك بن مروان بطلاقها، قال لها: إنّ أمير المؤمنين امرني بطلاقك. قالت: هو والله أبرّ بي ممّن زوّجك إباي. فلمّا مات أبوها لم تبك عليه، فقيل لها في ذلك، فقالت: والله أنّ الحزن ليبعثني، وإنّ الغيظ ليصمتني.

وكانت زينب بنت مرّة عند ابن تميم لها يقال له المغيرة فجرى بينهما عتاب فطلّقها ثلاثاً فقالت:

يا أيّها الرّاكب الغادي مطيّتهعرج أبثّك عن بعض الذي أجدّ
للشاعر زينب بنت فروة المرية، اقرأ القصيدة
ما عالج النّاس من وجدٍ ومن كمدإلاّ وجدت به فوق الذي وجدوا
حسبي رضاه، وإنّي في مسرّتهوودّه آخر الأيّام اجتهد
للشاعر أم الضحاك المحاربية، من قصيدة «يا أيها الراكب الغادي لطيته»

كانت عند رجل امرأةٌ يقال لها أم مالك وكان بها معجباً. فأقسمت عليه أمّه أن يطلّقها، فذهب عقله، ونحل جسمه. فحضره

الموت، فدخلت عليه أم مالك تعوده، فلمّا ولّت قال لأمّه: يا عجوز ليهنك فقد ابنك في الدّنيا، والإثم لك في الآخرة. ثمّ أنشأ أن يقول:

لنا حاجةٌ في آل مروان دونهامن النّفر الغرّ الوجوه قبيل
فمت كمداً إنّ كان يومك قد أتىأو اصبر على ما خلّيت فقليل

فلمّا خرجت عنه، فاضت نفسه. وما وصلت إلى منزلها حتّى سقطت ميّتة.

ٍ

قال إبراهيم بن عقبة: طلّق أعرابيٌّ امرأته وحمله على ذلك عقله فندم. وأنشأ يقول:

إذا ذكرت ليلى ترقرق دمعهكأن لم تكن عينٌ بها قبل قرّت
وإنّ ثلاثاً منك لو تعلمينهدنت دون حلو العيش حتّى أمرّت

أبو العيناء، عن أبي حمزة الغسّاني قال: نزل أعرابيٌّ من بني أسد ببيت أعرابيّةٍ من بني تميم ضيفاً، فأتته بقرىً حاضرٍ، وماءٍ باردٍ. فجعل ينظر إليها من وراء السّتر، ثمّ راودها عن نفسها، فقالت له: يا هذا أما يقرّعك الإسلام والكرم؟ كل، وإن أردت غير ذلك فارتحل. فقال لها: زوّجيني إذاً نفسك. فقالت له: الأولياء يزوّجونك. فخاف أن لا يزوّجوه للعداوة بين الحيّين، فانتسب إلى

بني عذرة فزوّجوه فأقام عندهم زماناً. ثمّ علموا أنّه أسدي فقالوا له: والله إنّك لكفءٌ كريمٌ، ولكن نكره أن تنكح فينا وأنت حربٌ لنا، فحل عن صاحبتنا. وكان يحبّها حبّاً شديداً فطلّقها، وقال:

أحبّك يا عم حبّ الحياةونيل المنى وبلوغ الظّفر
ويعجبني منك عند الّلقاء،حياء الكلام، وموت النّظر
ونائي الجبين، شديد البياض،كثيف الجوانب، مثل القمر
له وهجٌ كضرام الحريق،يكاد يمزّق جلد الذّكر

قال أبو ذكوان: لم تقل العرب فيما يريده الرّجال من النّساء أحسن من هذا.

قال: خرج محمّد بن المشيري الخارجي إلى البصرة في طلب ميراثٍ له، وبها نفرٌ من قومه. فأقام بها حولاً ينشدهم ويحدّثهم. وكانت امرأةٌ منهم ذات جمالٍ ومالٍ لا يطمع فيها أحد. فقالوا له: يا أبا سلمان هل لك في امرأةٍ منّا، سيّدةٌ في قومها جمالاً وعقلاً، وعفافاً، ورأياً، قد سمعت بمقدمك، فذكرت لها، فزعمت أنّك طلّقت زوجتك التي خلّفتها في بلدك فرغبت فيك، فإن أحببت أقمت عندنا فيما ترى من طيّب بلادنا وربعنا، وعلينا صداقك، وما تحتاج إليه؟ فأقبلوا به وأدبرّوا واجتهدوا فأبى عليهم، وقال في ذلك:

أسائلٌ بالعراق فراق سعدٍولا تبدي ولا يراها الفراق
لئن ربح الفراق لهجر سعدىعليّ أشدّ ما ربح الفراق
إذا عدلوا أقول لهم: لسعدىخلائقٌ لا يحلّ لها الطّلاق
حرامٌ أن يقول نساء قومٍتركتك أو تحدث بي الرفاق

سمعت أعرابيّةٌ تقول لزوجها: يا مفلس، يا قرنان، فقال لها: إن كان ما ذكرت حقاً فواحدةٌ من الله، وأخرى منك، يا زانية، وأنت طالقٌ ثلاثاً.

خاصمت امرأةٌ زوجها، فطلّقها فقالت له: يا هذا، لم طلّقتني وقد كنت لك ناصحةً، وعليك شفيقةً، وما فيّ عيبٌ إلاّ ضيقٌ بجبهتي؟ فقال لها زوجها: لو كان الضّيق في حرك ما طلّقتك أبداً!.

كانت لرجلٍ في الأهواز ضيعةٌ بالبصرة، وكان يتعاهدها في حين الانتفاع بالثّمار. فتزوّج بها امرأةً، وانتهى الخبر إلى امرأته الأهوازيّة فاستخرقت كتاباً على لسان بعض إخوانه بالبصرة يعزيه في البصريّة ويقول: إلحق المال الذي خلّفت ولا تتأخّر. وأعطت الكتاب لبعض الملّاحين وجعلت له جعلاً. فلمّا وصل الكتاب إلى زوجها وجد لموتها وجداً عظيماً، وقال للأهوازيّة: أصلحي لي سفرتي، فإنّي راكبٌ إلى البصرة. ففعلت، فلمّا أصبح الغد ركب فرسه، وأعطته السّفرة، ثمّ قبضت على عنان فرسه وقالت له: ما تكثر اختلافك إلى البصرة إلاّ ولك بها امرأةً تزوّجتها؟ فقال لها: والله مالي بالبصرة امرأةٌ.

للذي وقف عليه من الكتاب. فقالت له: لست أدري ما تقول؛ وإنّما تحلف وتقول كل امرأةٍ لي غيرك طالقٌ ثلاثاً بقول جميع المسلمين؟ فللذي وقف عليه الرّجل من موت البصريّة قال في نفسه: تلك ماتت، فلم أغير صدر هذه: فقال لها: كلّ امرأةٍ لي غيرك في جميع الأقاليم فهي طالقٌ ثلاثاً بقول جميع المسلمين. فقالت له: لا تتعبن فقد طلّقت الحبيبة. فندم الرّجل، وأسقط ما في يديه.

ولمّا تزوّجت ليلى صاحبة قيس بن الملوّح، هام على وجهه مع الوحش، وكان يقول:

لها في سواد القلب تسعة أسهمٍوللنّاس في ذاك المكان عشير
ولست بمحصٍ حبّ ليلى لسائلٍمن النّاس إلاّ من يقول كثير
للشاعر مزاحم العقيلي، اقرأ القصيدة
وتنشر نفسي بعد موتي لذكرها،فموت نفسي مرّةُ ونشور
أتاني بعد ظهر الغيب أن قد تزوّجت،فكادت بي الأرض البراح تمور
فقلت، وقد أيقنت أن ليس بينناتلاقٍ، وعيني بالدّموع تفور:
للشاعر مزاحم العقيلي، اقرأ القصيدة
لئن كان تبدي برد إيمانها العلىلأفقر منّي أنّني لفقير
فما أسرع الأخبار أن قد تزوّجت،فهل يأتينني بالطّلاق. تشير؟

حكى إبراهيم بن محمّد بن عرفة قال: كانت أمّ عبد الملك بن سعيدٍ بن خالدٍ بن عمرو، عند الوليد بن يزيد بن عبد الملك. فمرض سعيدٌ، وهو بالبادية، فعاده، فدخل عليه وعنده أختها سلمى، فستروها، فرأى منها لمحةً ثمّ قامت، فرأى طولها فطلّق أختها وخطبها، فلم يزوّجه إيّاها وكانت أختها أمّ عثمان عند هشامٍ بن عبد الملك، فبعث إلى أبيها: إيّاك أن تزوّج الوليد، تريده أن تتّخذه فحلاً لبناتك يطلّق واحدةً ويتزوّج أخرى؟ فأبى أن يزوّجه. فقال الوليد: العجب من سعيدٍ، خطبت إليه فردّني، ولو قد مات هشامٌ واستخلفت لزوّجنيها، فإن زوّجتها فهي طالق، وإن كنت أهواها. وقد ذكرنا حديثه مستقصىً في موضعه من هذا الكتاب.

خاصمت امرأةٌ زوجها إلى المطّلب بن حبط المخزومي قاضي المدينة، وكانت قالت له: أسأت إليّ وأوجعتني، ووالله ما أستطيع، فإنّ بنتك تمسي من الجوع والجهد وما أقمن إلاّّ على الوطن. فقال: أنت طالقٌ إن كان لا يقمن إلاّّ على الوطن! فأخبرت القاضي بما قالت، وبما قال. فقال القاضي: بطلب المقادير، وربّ الكعبة، إنّ الأيّل ليكون بالمكان الجدب الخسيس المرعى فتقيم فيه بحبّ الوطن. فقال الزّوج: كأنّ المسألة، أصلح الله القاضي، أشكلت عليك هي طالقٌ ألف مرّة.

وطلّق عليٌّ بن منظور امرأته فندم عليها ندماً شديداً، فقال:

ما للطّلاق فقدتهوفقدت عاقبة الطّلاق
طلّقت خير خليلةٍتحت السّموات الطّباق

وأحبّت امرأة الأعرابيّ أن تفارقه فقال:

تمنّين الطّلاق وأنت منّيبعيشٍ مثل مشرفة الجمال

قال خالد بن صفوان: ما بتّ ليلةً أحبّ إليّ من ليلةٍ طلّقت فيها نسائي، فأرجع والسّتور قد هتكت ومتاع البيت قد نقل. فبعثت إليّ بنتي سليلة فيها طعامٌ، وبعثت الأخرى إليّ بفراشٍ أنام عليه.

وقيل لامرأةٍ كانت تطلّق كثيراً: ما لك تطلّقين أبداً؟ قالت: يريدون الضّيق، ضيّق الله عليهم قبورهم.

وقال أعرابيٌّ لامرأته:

أنوّهت باسمي في العالمينوأفنيت عمري عاماً فعاما
فأنت الطّلاق وأنت الطّلاق وأنت الطّلاق ثلاثاً توأما

عن عروة بن الزّبير، عن عائشة، ﵂: أنّ امرأة رفاعة أتت إلى النّبيّ، ﷺ، فقالت: يا رسول الله إنّ رفاعة طلّقني، فبتّ طلاقي، وإنّي تزوّجت بعده بعبد الرّحمن بن الزّبير وما معه إلاّ مثل هدبة الثّوب، فتبسّم رسول الله ﷺ،

وقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة! لا، حتّى تذوقي عسيلة الزّوج الثّاني ويذوق عسيلتك.

دخل مدنيٌّ البصرة، فزوّج فيها امرأةً: ثمّ حصل بينهما شرٌّ، فقال لها: أنت طالقٌ عدد شعر أسّتك. فقالت: قاتلكم الله يا أهل المدينة تسرّعون الطّلاق وتؤثرون الخلاق.

قال عبد الرّحمن بن حسّان بن ثابت لعطاءٍ بن صيفيّ الثّقفيّ: لو أصبت ركوةً مملوءةً خمراً بالبقيع ما كنت صانعاً بها؟ قال: أفرّقها في بني النّجّار فإنّها لا تعدوهم. ولكن أخبرني، أيّهما أكبر جدّك ثابت أم جدّتك فريعة؟ قال لا أدري. قال عطاء: الفريعة كانت أكبر، وقد تزوّجتها قبله أربعة أزواجٍ كلّهم يلقاها بمثل ذراع البكر ثمّ يطلّقها. فقيل لها: يا فريعة، لم تطلّقين وأنت بمثل هذا الجمال؟ قالت: يلتمسون الضّيق، ضيّق الله عليهم.

وطلّق أعرابيٌّ زوجته، فقيل له: ألا تتزوّج بعدها؟ فقال: مكابدة العفّة، أيسر من الاحتيال بمصلحة العيال.

تزوّج الفضل بن قطن الحارثيّ ابنة المهلّب بن أبي صفرة. فجلس معها يشرب، فأراد الافتخار عليها فقال:

إن كنت ساقيةً يوماً على كرمٍكأس المدام فأسقيها بني قطن

ثمّ إنّه تحرّك فضرط. فقالت: وأسقي هذه بني قطن أيضاً؟ فخجل وقال: إذهبي فأنت طالق.

وطلّق عطيّة بن أشجع محجوبة بنت عبد الله، امرأته فزوّجت رجلاً دميماً فقال في ذلك:

لعمري أبي سلمى، ولست بشامتٍبسلمى، فقد أمست بها النّعل زلّت
وليس لمغفورٌ لسلمى ذنوبهاوإن هي صامت كلّ يومٍ وصلّت،
ولو ركبت ما حرّم الله لم يكنبأعظم عند الله ممّا استحلت؟

كانت لبعض الصّالحين امرأةً تبغضه، فكان إذا نهاها عن أمرٍ دعت الله أن يريحها منه، وأن يعجّل طلاقها، فأضجرته يوماً فطلّقها، فسجدت لله شكراّ، فقال الرّجل: اللهمّ إنّها وضعت إليك فما ّكاذباً، ووجهاً وقاحاً، ورفعت أستاً مجاهرةً بالفحشاء فاجرةً. فوثب سنور في البيت فأفزعها، فضرطت، فقال: الحمد لله الذي سهّل فرقتك وعجّل فضيحتك.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أخبار النساء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.