من «المرقصات والمطربات» لابن سعيد المغربي (ت ٦٨٥هـ)
الجارية ريا مع عتبة " بن الحباب
"
هو عتبة بن الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري: وصاحبته هي ريا بنت الغطريف السللي. علقها بمسجد الحزاب يوم منتزه، وأصل ذلك أن عبد الله بن معمر القيسي حين دخل المدينة قال: بينما قد زرت ﷺ ليلاً وجلست إذا أنا بشخص ينشد بصوت شجي ولا أراه:
أشجاك نوح حمائم السدرفأهجن منك بلابل الصدر
يا ليلة طالت على دنفٍمتوقد كتوقد الجمر
ما كنت أعلم أنني كلفٌحتى تلفت وكنت لا أدري
فالبدر يشهد أنني كلفٌمغري بحب شبيهة البدر
وفي رواية صاحب الأصل تقديم وصدر الذي قبله ما كنت أحسب أنني شجن فتبعت الصوت فرأيت شاباً حرّقت الدموع خدّه، فقال لي: أجلس أحدثك أنا فلان، كنت يوماً بمسجد الأحزاب إذا ينسوه يتنزهن، فيهن جارية لم أرَ مثلها، وقفت عليّ وقالت ما تقول في وصل من يطلب وصلك، ثم مضت فلم أعرف خبرها، ثم غشي عليه ساعة فلما أفاق أنشد:
أراكم بقلبي من بلاد بعيدةتراكم تروني في القلوب على البعد
فؤادي وطرفي يأسفان عليكموعندكم روحي وذكركم عندي
ولست ألذ العيش حتى أراكمولو كنت في الفردوس أو جنة الخلد فشرعت في تسليته، فقال: هيهات أو يؤب القارظان مثل مشهور أصله إن أخوين خرجا يجتنيان القرظ نبت معروف يعلم لهما خبر، قال عبد الله: فلما طلع الصبح قلت له قم بنا إلى مسجد الأحزاب فأنشد:
يا للرجال ليوم الأربعاء أماينفك يحدث لي بعد النوى طربا
ما أن يزال غزال فيه يظلمنييهوى إلى مسجد الأحزاب منتقبا
يخبر الناس أن الأجر هيَّمهأو أنه طالب للأجر محتسبا
لو كان يبغي ثواباً أتى ظهراًمضمخاً بفتيت المسك مختضبا
فمضينا إلى المسجد فحين صلينا الظهر أقبل النسوة ولم ترَ الجارية فيهن، فقلن له: ما ظنك بطالبة وصالك، فقال وأين هي، قلن له مضى بها أبوها إلى السماوة فأنشد:
خليليّ ريا قد أجد بكورهاوسارت إلى أرض السماوة عيرها
خليليّ قد غشيت من كثرة البكافهل عند غيري عبرة أستعيرها
فقلت له قد وردت بمال جزيل أريد به الحج، وقد عزمت على أن أبذله في حاجتك فه لك أن تسير معي إلى قومها وأبيها؛ فقال نعم، فسافرنا إلى أن وافينا إياها، ففرش لنا الا نطاع ونحر لنا النحائر، فحلفنا ألا نأكل له طعاماً أو يقضي حاجتنا، فقال أذكروها فأعلمناه بخطبه عتبة، فقال مَن عتبة، فقلنا من الأنصار، قال ذاك إليها فقلنا له أخبرها، فدخل عليها وأعلمها فشكرت عتبة فقال قد نمى إليّ أمرك معه وأقسم لا أزوجك به، فقالت أن الأنصار لا يردّون رداً قبيحاً فإن كان ولا بد فاغلظ عليهم المهر، فقال لهم نعم ما أشرت به، ثم خرج فقال قد أجبت ولكن على ألف دينار وخمسة آلاف درهم هجرية ومائة من الأبراء والخز أكراس من العنبر، فضمنا له ذلك وقلنا له إذا أحضراها أجبت قال فأحضرنا ذلك، فأولم أربعين يوماً ثم أخذناها ومضينا، فحين قاربنا المدينة خرج علينا خيل كثيرة حسبناهم بأمر أبيها فقاتلناهم زمانا، فجاءت طعنة في نحر عتبة فسقط ودمه يفور، فجاءتنا النجدة فإذا هو ميت، فحين علمت الجارية بموته جاءت حتى إنكبت عليه وأنشدت:
تصبرت لا أني صبرت وإنماأعلل نفسي أنها بك لاحقة
ولو أنصفت روحي لكانت إلى الردىأمامك من دون البرية سابقة
فما أحد بعدي وبعدك منصفٌخليلاً ولا نفسٌ لنفس موافقة
ثم شهقت فماتت فواريناهما معاً. قال عبد الله: فأقمت سبع سنين ثم رجعت إلى زيارة النبي ﷺ فقلت لا أبرح أو أزور عتبة، وجئت فإذا أنا بشجرة عليها ألوان من الورق قد نبتت على القبر، فسألت عنها فقالوا شجرة العريسين.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع