من «المرقصات والمطربات» لابن سعيد المغربي (ت ٦٨٥هـ)
أخبار حبابة
كانت حبابة مولدة من مولدات المدينة لرجل من أهلها يعرف بإبن مّانة، وقل إبن مينا وهو خرجها وأدبها وقيل بل كانت لآل لاحق المكيين وكانت حلوة جميلة الوجه ظريفة حسنة الغناء طيبة الصوت ضاربة العود وأخذت الغناء عن إبن سريج وإبن محرر ومالك ومعبد وعن جميلة وعزة الميلاء وكانت تسمى العالية فسماها يزيد لما إشتراها حبابة، وقيل أنها كانت لرجل يعرف بإبن مينا.
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثني إسحق بن إبراهيم الموصلي قال: حدثني حاتم إبن قبيصة قال: وكانت حبابة لرجل يدعى إبن مينا فأخلت على يزيد بن عبد الملك في إزار له ذنبان وبيدها دف ترمي به وتتلقاه وتتغنى:
ما أحسن الجيد من مليكةواللبات إذ زانها ترائبها
يا ليتني ليلة إذا هجعالناس ونام الكلاب صاحبها
في ليلة لا يرى بها أحديسعى علينا إلا كواكبها
ثم خرج بها مولاها إلى أفريقية، فلما كان بعدما وليّ يزيد إشتراها وروى حماد عن أبيه عن المدائني عن جرير المديني ورواه الزبير بن بكار عن إسماعيل بن أبي أويس عن أبيه قال: قال لي يزيد بن عد الملك: ما تقرّ عيني ما أوتيت من الخلافة حتى أشتري سلامة جارية مصعب بن سهيل الزهري وحبابة جارية لاحق المكية فأرسل فأشريتا له، فلما إجتمعتا عنده قال: أنا الآن ما قال القائل:
فألقت عصاها وأستقر بها النوىكما قرّ عيناً بالإياب المسافر
قال إسحق: وحدثني أبو أيوب بن عباية قال: كانت حبابة لآل رمانة ومنهم أبتيعت ليزيد.
اخبرنا الحسن بن علي قال: حدثنا هرون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال: حدثني الزبير بن بكار قال: أخبرني محمد ن سلمة عن إبن ماقية عن شيخ من أهل ذي خشب قال: خرجنا نريد ذا خشب ونحن مشاة فإذا قبة فيها جارية وإذا هي تغني:
سلكوا بطن مخيضثم ولوّا راجعينا
أورثوني حين ولوّاطول حزن وأنينا
قال: فسرنا حتى أتينا خشب فخرج رجل معها فسألناه وإذا هي حبابة جارية يزيد، فلما صارت إلى يزيد أخبرته بنا فكتب إلى والي المدينة أن يعطي كل واحد منا ألف درهم.
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثني إسحق عن المدائني وروى هذا الخبر حماد بن إسحق عن أبيه عن المدائني وخبره أتم أن حبابة كانت تسمى العالية وكانت لرجل من الموالي بالمدينة فقدم يزيد بن عبد الملك في خلافة سليمان فتزوج سعدة بنت عبد الله بن جعفر على مثل ذلك وأشترى العالية بألف دينار، فبلغ ذلك سليمان فقال: لأجرن عليه، فبلغ يزيد قول سليمان فأستقال مولى حبابة ثم إشتراها بعد ذلك رجل من أهل أفريقيا، فلما ولي إشترتها سعدة إمرأته وعلمت أنه لا بد طالبها ومشتريها، فلما حصلت عندها قالت له: هل بقي عليك من الدنيا شيء لم تنله فقال: نعم العالية، فقالت: هذه هي وهي لك، فسماها حبابة وعظم قدر سعدة عنده، ويقال إنها أخذت عليها قبل أن تهبها له أن وطيء لإبنها عنده في ولاية العهد وتحضرها بما تحب، وقيل أن أم الحجاج أم الوليد بن يزيد هي التي إبتاعتها له وأخذت عليها ذلك فوفت لها بذلك.
هكذا ذكر الزبير فيما أخبرنا به الحسن بن علي عن هرون بن محمد عنه عن عمه قال: ومن زعم أن سعدة إشترتها فقد أخطأ.
قال المدائني: ثم خطب يزيد إلى أخيها خالد بنت أخ له فقال: أما يكفيه أن سعدة عنده حتى يخطب إليّ بنات أخي. وبلغ يزيد فغضب فقدم عليه خالد يسترضيه، فبينا هو في فسطاطه إذ أتته جارية لحبابة في خدمها فقالت له: أم داود تقرأ عليك السلام وتقول لك قد كلمت أمير المؤمنين فرضي عنك، فقال: من أم داود، فأخبره من معها أنها حبابة وذكر له قدرها ومكانها من يزيد، رفع رأسه إلى الجارية فقال: قولي لها أن الرضا عني بسبب لست به، فشكت ذاك إلى يزيد فغضب وأرسل إلى خالد فلم يعلم بشيء حتى أتاه رسول حبابة فيمن معه من الأعوان فأقتلعوا فسطاطه وقلعوا أطنابه حتى سقط عليه وعلى أصحابه فقال: ويلكم ما هذا، قالوا: رسل حبابة، هذا ما صنعت بنفسك، فقال ما لها أخزاها الله ما أشبه رضاها بغضبها.
قال إسحق: وحدثني محمد بن سلام عن يونس بن حبيب أن يزيد بن عبد الملك إشترى حبابة وكان إسمها العالية بأربعة آلاف دينار، فلما خرج بها قال الحرث إبن خالد فيها:
ظعن الأمير بأحسن الخلقوغدوا بلبك مطلع الشرق
مرّت على قرن يقاد بهاتعدو أمام براذن زرق
فظللت كالمغمور مهجتههذا الجنون وليس بالعشق
يا ظبية عبق العبير بهاعبق الدهان بجانب الحق
وغنته حبابة في الشعر وبلغ يزيد فسألها عنه فأخبرته فقال لها: غنني به، فغنته فأجادت وأطربته، فقال إسحق: إنه من جيد غنائها.
قال أبو الفرج الأصبهاني: هذا غلط ممن رواه في أبيات الحرث بن خالد لأنه قالها في عائشة بنت طلحة لما زوجها مصعب بن الزبير وخرج بها وفي أبياته يقول:
في البيت ذي الحسب الرفيع ومنأهل التقى والبر والصدق
وقد شرح ذلك في أخبار عائشة بنت طلحة.
قال إسحق: وأخبرني الزبير أن يزيد إشتراها وهو أمير، فلما أراد الخروج بها قال الحرث بن خالد فيها:
قد سل جسمي وقد أودى به سقممن أجل حيّ خلوا عن بلده الحرم
يحن قلبي إليها حين أذكرهاوما تذكرت شوقاً آب من أمم
ألا حنيناً إليها رشأكالشمس رود ثقال سهلة الشيم
فضلها الله رب الناس إذ خلقتعلى النساء من أهل الحزم والكرم
وقال فيها الشعراء فأكثروا، وغنى في أشعارهم المغنون من أهل مكة والمدينة، وبلغ ذلك يزيد فأستشنعه فقال: هذا قبل حلتنا وقد هممنا فكيف لو إرتحلنا وتذكر لقوم شدة الفراق، وبلغه أيضاً أن سليمان قد تكلم في ذلك فردها ولم تزل في قلبه حتى ملّك فأشرتها سعدة امرأته العثمانية ووهبتها له: أخبرني إبن عمار قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثني إسحق قال: حدثني أبو ذفافة المنهال بن عبد الملك عن مروان بن بشر أبي سارة مولى الوليد بن يزيد قال: لما إرتفعت منزلة حبابة عند يزيد أقبل يوماً إلى البيت الذي هي فيه فقام من وراء الستر فسمعها ترنم وتغني وتقول:
كن لي يا يزيد حبك حيناًكاد يقضي عليّ لما إلتقينا
والشعر كان يا سقير فرفع الستر فوجدها مضطجعة مقبلة على الجدار فعلم أنها لم تعلم به ولم يكن ذاك لمكانه فألقى نفسه عليها وحرّكت منه.
قال المدائني: غلبت حبابة على يزيد وتبنى بها عمر بن هبيرة فعلت منزلته حتى كان يدخل على يزيد في أي وقت شاء، وحسد ناس من بني أمية مسلمة بن عبد الملك على ولايته وقدحوا فيه عند يزيد وقالوا أن مسلمة إن إقتطع الخراج لم يحسن يا أمير المؤمنين أن يعيشه وأن يستكشف عن شيء لسنه وخفته، وقد علمت أن أمير المؤمنين لم يدخل أحداً من أهل بيته في الخراج فوقر ذلك في قلب يزيد وعزم على عزله وعمل إبن هبيرة في ولاية العراق من قبل حبابة عملت له في ذلك وكان بين إبن هبيرة وبين القعقعاع بن خالد عداوة وكانا يتنازعان ويتحاسدان فقيل للقعقاع: لقد نزل إبن هبيرة من أمير المؤمنين منزلة أنه لصاحب العراق غدا، فقال: ومن يطيق إبن هبيرة حبابة بالليل وهداياه بالنهار مع أنه مع أنه وإن بلغ فإنه رجل من بني سكين فلم تزل حبابة تفعل له في العراق حتى وليها.
حدثنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال: حدثنا عمر بن شبة قال: سمعت إسحق بن إبراهيم يحدث بهذا الحديث فحفظته ولم أحفظ إسناده.
وحدثنا محمد بن خلف وكيع قال: حدثني أحمد بن زهير قال: حدثنا مصعب الزبيري عن مصعب بن عثمان وقد جمعت روايتيهما قالا: أراد يزيد بن عبد الملك أن يتشبه بعمر بن عبد العزيز وقال: بماذا صار عمر ارجى لربه جلّ وعزمتي فشق ذلك على حبابة فأرسلت إلى الأحوص، هكذا في رواية وكيع، وأما عمر بن شبة فإنه ذكر أن مسلمة أقبل على يزيد يلومه في الإلحاح على الغناء والشرب وقال له إنك وليت بعقب عمر بن عبد العزيز وعدله وقد تشاغلت بهذه الأمة عن النظر في الأمور والوفود ببابك، وأصحاب الظلامات يصيحون وأنت غافل عنهم، فقال: صدقت والله وأعتبه وهمّ بترك الشرب ولم يدخل على حبابة أياماً، فدسّت حبابة إلى الأحوص أن يقول أبياتاً في ذلك وقالت له إن رددته عن رأيه فلك ألف دينار، فدخل الأحوص إلى يزيد فأستأذنه في الإنشاد فأذن له.
قال إسحق في خبره فقال الأحوص:
ألا لا تلمه اليوم أن يتبلدافقد غلب المحزون أن يتجلدا
بكيت الصبا جهدي فمن شاء لامنيومن شاء آسى في البكاء وأسعدا
وإني وإن فندت في طلب الغنىلأعلم أني لست في الحب أوحدا
إذا أنت لم تعشق ولم تدرِ ما الهوىفكن جراً من يابس الصخر جلمدا
فما العيش إلا ما تلذ وتشتهيوإن لام فيه ذو الشنان وفندا
الغناء لمعبد خفيف ثقيل أول بالبنصر وفيه رمل للغريض ويقال أنه لحبابة، قال: ومكث جمعة لا يرى حبابة ولا يدعو بها، فلما كان يوم الجمعة قالت لبعض جواريها: إذا خرج أمير المؤمنين إلى الصلاة فأعلميني، فلما أراد الخروج أعلمتها فتلقته والعود في يدها فغنت البيت الأول غطى وجهه وقال: سه لا تفعلي ثم غنت: وما العيش إلا ما تلذ وتشتهي، فعدل إليها وقال: صدقت والله فقبح من لامني فيك، يا غلام مر مسلمة أن يصلي بالناس وأقام معها يشرب وتغنيه واد إلى حبابة، وقال عمر بن شبة في حديثه فقال يزيد صدقت والله فعلى مسلمة لعنه الله وعاود ما كان فيه ثم قال لها من يقول هذا الشعر قالت الأحوص فأحضره ثم أنشده قصيدة مدحت فيها أولها قوله:
يا موقد النار بالعلياء من أضمأرقد فقد هجت شوقاً غير منصرم
وهي طويلة فقال له يزيد: إرفع حوائجك فكتب إليه في نحو من أربعين ألف درهم من دين وغيره فأمر له بها، وقال مصعب في خبره بل إستأذن الأحوص على يزيد فأذن في الإنشاد فقال ليس هذا وقتك فلم يزل به حتى أذن له فأنشده هذه الأبيات لما سمها وثب حتى دخل على حبابة وهو يتمثل:
وما العيش إلا ما تلذ وتشتهيوإن لام فيه ذو الشنان وفندا
فقالت: ما ردّك يا أمير المؤمنين فقال أبيات أنشدنيها الأحوص فسلي ما شئت قالت: ألف دينار تعطيها الأحوص فأعطاه ألف دينار.
نسبة ما في هذا الخبر من الغناء // قال:
يا موقد النار بالعلياء من أضمأوقد فقد هجت شوقاً غير منصرم
يا موقد النار أوقدها فإن لهاشباً يهيج فؤاد العاشق السدم
الشعر للأحوص والغناء لمعبد خفيف ثقيل أول بالوسطى ن يونس وإسحق وعمرو، وذكر حبش أن يه خفيف ثقيل آخر لإبن جامع.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثني على بن القاسم بن بشري قال: لما غلب يزيد بن عبد الملك أهله وأبى أن يسمع منهم كلموا مولى له خراسانياً ذا قدر عندهم وكانت فيه لكنه فأقبل على يزيد وينهاه عما قد ألح عليه من السماع للغناء والشراب فقال له يزيد أحضرك هذا الأمر الذي تنهي عنه فإن نهيتني بعد ما تبلوه وتحضره إنتهيت وإني نخبر جواري إنك عم من عمومتي فإياك أن تتكلم فيعلمن أني كاذب وإنك لست بعمي. ثم أدخله عليهنّ فغنين والشيخ يسمع ولا يقول شيئاً حتى غنين:
وقد كنت آتيكم بعلة غيركمفأفنيت علاتي كيف أقول
فطر الشيخ وقال لأقيف جعلني الله فداكنّ يريد لاكيف فعلمن أنه ليس مه وقمن إليه بعيدانهنّ ليضربنه بها حتى جزهن يزيد عنه ثم قال بعد ما مضى أمرهن ما تقول الآن أدع هذا أم لا، قال لا تدعه.
أخبرني إسماعيل بن يونس قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثني ن يزيد بن بحر الخزاعي الأسلمي عن محمد بن سلمة عن أبيه عن جاد الرواية قال: كنت حبابة فائقة في الجمال والحسن وكان يزيد لها عاشقاً فقال لها يوماً: قد إستخلفتك على ما ورد عليّ ونصبت لذلك مولاي فلاناً وأستخلفيه لأقيم عك اياماً وأستمتع بك، قالت فغني قد عزلته فغضب عليها وقال قد إستعملته وتعزلينه وخرج من عندها مغضباً، فلما إرتفع النهار وطال عليه هجرها دعا خصياً له وقال: إنطلق فأنظر أي شيء تصنع حبابة، فأنطلق الخادم ثن أتاه فقال: رأيتها بإزار خلوقيّ قد جعلت له ذنبين وهي تلعب بلعبها، فقال: ويحك، إحتل لها حتى تمر بها عليّ، فأنطلق الخادم إليها فلاعبها ساعة ثم إستلب لعبة من لعبها وخرج فجعلت تحضر في أثره فمرت بيزيد فوثب وهو يقول قد عزلته وهي تقول: قد إستعملته فعزل مولاه وولاه وهو لا يدري، فمكث معها خالياً أياماً حتى دخل عليه أخوه مسلمة فلامه وقال: ضيعت حوائج الناس وأحتجبت عنهم، أترى هذا مستقيماً لك وهي تسمع مقالته فغنت لما خرج: ألا لا تلمه اليوم أن يتبلدا. فذكرت البيات فطرب وقال: قاتلك الله أبيت إلا أن تردينني إليك وعاد إلى ما كان عليه.
أخبرني إسماعيل قال: حدثني عمي قال: حدثني إسحق قال: حدثني الهيثم بن عدي عن صالح إبن حسان قال: قال مسلمة ليزيد: تركت الطهور وشهود الجمعة الجامعة وقدت في منزلك مع هذه الأماه، وبلغ ذلك صبابة وسلامة فقالتا للأحوص: قل في ذلك شعراً فقال:
وما العيش إلا ما تلذ وتشتهيوإن لام فيه ذو الشنان وفندا
بكيت الصبا جهدي فمن شاء لامنيومن شاء آسى في البكاء وأسعدا
وإني وإن أغرقت في طلب الصبالأعلم أني لست في الحب أوحدا
إذا كنت عزهاة عن اللهو والصبافكن حجراً من يابس الصخر جلمدا
قال، فغنتا يزيد فيه، فلما غنتا ضرب خيزرانته الأرض وقال صدقتما صدقتما، على مسلمة عنة الله وعلى ما جاء به قال: فطرب يزيد فقال: هاتيا فغنّاه من هذه القصيدة:
وعهدي بها صفراء رود كأمانضا عرق منها على اللون مجسدا
مهفهة الأعلى واسفل خلقهاجرى لحمه ما دون أن يتخددا
من المدمجات اللحم دلى كأنهاعنان صناع مدمج الفتل محصدا
كأن ذكي المسك بادٍ وقد بدتوريح خزامى ظله ينفح الندا
طرب يزيد وأخذ فيه من الشراب قدره الذي كان يطرب منه ويسرّه ولم يره أظهر شيئاً مما كان يفعله عند طربه فغنته:
ألا لا تلمه اليوم أن يتبلدافقد غلب المحزون أن يتجلدا
نظرت رجاء بالموقر أن أرىأكاديس يحتلون خاخاً فنشدا
فأوفيت في نشز من الأرض يافعوقد ينفع الإيفاع من كان مقصدا
لما غنته بهذا طرب طربه الذي تعهده وجعل يدور ويصيح الدخن بالنوى والسمك في بيطار جنان وشق حلته وقال لها: أتأذنين أن أطير، قالت: وإلى من تدع الناس قال إليك قال: وغنته سلامة من هذه القصيدة:
فقلت ألا يا ليت أسماء أصغيتوهل قول ليت جامع ما تبددا
وإني لأهواها وأهوى لقاءهاكما يشتهي الصادي الشراب المبردا
علاقة حب لج في سنن الصبافأبلى وما يزداد إلا تجددا
سهوب وأعلام تخال سرابهاإذا إستن في القيظ الملاء المعمدا
قال: وغنته حبابة منها أيضاً:
كريم قريش حين ينسب والذيأقرت له بالملك كهلاً وأمردا
وليس عطاء منه ألان بمانعوإن جلّ من أضعاف أضعافه وأمردا
وليس عطاء منه ألان بمانعوإن جلّ من أضعاف أضعافه غدا
أهان تلاد المال في الحمد أنهأمام هدى يجري على ما تعودا
تردّى بمجد من أبيه وأمهوقد أورثا بنيان مجد مشيدا
فقال لها يزيد: ويحك يا حبابة ومَن من قريش قال هذا، قالت أنت، قال من يقول هذا الشعر، قالت: الأحوص يا أمير لمؤمنين، وقالت سلامة فليسمع أمير المؤمنين باقي ثنائه عليه فيها. ثم إندفعت تغنيه:
ولو كان بذل الجود والمال مخلدامن الناس إنساناً لكنت المخلدا
فأقسم لا أنفك ما عشت شاكراًلعماك ما طار الحمام وغرّدا
أخبرني إسماعيل قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثني علي بن أجعد قال: حدثني أبو يعقوب الخزيمي عن أبي بكر بن عياش أن حبابة وسلامة إختلفتا في صوت معبد
ألا حي الديار بسعد إنيأحب لحب فاطمة الديارا
فبعث يزيد إلى معبد فأتى فسال لِمَ بعث إليه فاخبر فقال لأيتهما المنزلة عند أمير المؤمنين فقيل لحبابة، فلما عرضتا عليه الصوت قضى لحبابة فقالت سلامة: والله ما قضى إلا للمنزلة وإنه ليعلم أنّ الصواب ما غنيت ولكن أئذن لي يا أمير المؤمنين في صلته لأن له عليّ حقاً قال قد أذنت فكان ما وصلته به أكثر من حبابة.
وقيل:
ألا حيّ الديار بسعد إنيأحب لحب فاطمة الديارا
إذا ما حل أهلك يا سلمىبدارة صلصل شحطوا الديارا
الشعر لجرير والغناء لإبن ثقيل أو بالسبابة في مجرى البنصر. أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال: حدثنا عمر بن شبة قال: نزل الفرزدق على الأحوص حين قدم المدينة فقال له الأحوص: ما تشتهي قال: شواء وطلاء وغناء، قال: ذلك لك، ومضى به إلى قينة بالمدينة فغنته:
ألا حي الديار بسعد إنيأحب لحب فاطمة الديارا
أراد الظاعنون ليحزنونيفهاجوا صدع قلبي فأستطارا
فقال الفزدق: ما أرق أشعاركم يا أهل الحجاز وأملحها، قال: أو ما تدري لمن هذا الشعر، فقال لا والله، قال هو لجرير يهجوك به، فقال: ويل إبن المراغة، ما كان أحوجه مع عفافه إلى صلابة شعري وأحوجني مع شهواتي إلى رقة شعره. وقد روى صالح بن حسان أن الصوت الذي إختلفت به حبابة وسلامة هو:
وترى لها دلاً إذا نطقت بهتركت بنات فؤاده صعرا
وذكر ذلك حماد عن أبيه الهيثم بن عدي أنهما إختلفتا في هذا الصوت بين يدي يزيد فقال لهما من أين جاء إختلافكما والصوت لمعبد ومنه أخذتماه، فقالت هذه هكذا أخذته وقالت الأخرى هكذا أخذته، فقال يزيد: قد إختلفتما ومعبد حي بعد، فكتب إلى عامله بالمدينة يأمره بحمله إليه ثم ذكر باقي الخبر مثل ما ذكره أبو بكر ن عياش.
قال صالح بن حسان: فلما دخل معبد إليه لن يسأله عن الصوت ولكنه أمره أن يغني فغنّاه فقال:
فيا عزان واشٍ وشى بي عندكمفلا تكرميه أن تقولي له أهلاً
فأستحسنه وطرب ثم قال إن هاتين إختلفتا في صوت لك فأقضِ بينهما، فقال لحبابة غني فغنت وقال لسلامة غني فغنت وقال: الصواب ما قالت حبابة فقالت سلامة: والله يا إبن الفاعلة إنك تعلم أن الصواب ما قلت ولكنك سألت أيتهما آثر عند أمير المؤمنين فقيل لك حبابة فأتبعت هواه ورضاه.
فضحك يزيد وطرب وأخذ وسادة قصيرها على رأسه وقام يدور في الدار ويرقص ويصيح: السمك الطري أربعة أرطال عند بيطار حيان حتى دار الدار كلها، ثم رجع فجلس في مجلسه وقال شعراً وأمر معبد أن يغني فيه فغنى يه وهو:
أبلغ حبابة أسقى ربعها المطرما للفؤاد سوى ذكراكمو وطر
إن سار صحبي لم أملك تذكركمأو عرسوا فهموم النفس والسهر
فأستحسنه وطرب.
هكذا ذكر إسحق في الخبر، وغيره أن الصنعة فيه لحبابة، ويزعم إبن خرد أن الصنعة فيه ليزيد وليس كما ذكر وإنما أراد أن يوالي بين الخلفاء في الصنعة فذكره على غير تحصيل والصحيح أنه لمعبد.
قال مبد: فسر يزيد لما غنيته هذين البيتين وكساني ووصلني ثم لما إنصرم مجلسه إنصرفت إلى منزلي الذي أنزلته فإذا الطاف سلامة قد سبقت ألطاف حبابة وبعثت إليّ إني قد عذرتك فيما فعلت ولكن كان الحق أولى بك فلم أزل في ألطافهما جميعاً حتى أذن لي يزيد فرجعت إلى المدينة.
قال:
ألم يأن لي يا قلب أن أراك الجهلاوأن يحدث الشيب الملم لي العقلا
على حين صار الرأس مني كأنماعلت فوقه ندافة القطن الغزلا
فيا عزان واش وشى بي عندكمفلا تكرميه أن تقولي له أهلا
كما لو وشى واشٍ بودك عندنالقلنا تزحزح لا قريباً ولا سهلا
فأهلاً وسهلاً شد وصلناولا مرحباً بالقائل أصرم لها حبلا
الشعر لكثير والغناء لحنين ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحق، وذكر إبن المكي وعمر والهشامي أنه لمعبد وفيه ثاني ثقيل ينسب إلى إبن سريج وليس بصحيح.
أخبرني الحزمي أبي العلاء قال: حدثني الزبير قال حدثتني ظبية قالت أنشدت حبابة يوماً يزيد بن عبد الملك:
لعمرك أنني لأحب سلعالرؤيتها ومن بجنوب سلع
ثم تنفست تنفساً شديداً فقال لها: مالك أنت في ذمة أبي، لأن شئتِ لأنقلنه إليك حجراً حجراً، قالت وما أصنع به، ليس إياه أردت إنما أردت صاحبه وربما قالت ساكنه.
لعمرك أنني لأحب سلعاًلرؤيتها ومن بجنوب سلع
تقر بها عيني وإنيلأخشى أن تكون تريد فجعي
حلفت برب مكة والهداياوأيدي السابحات غداة جمع
لأن على التنائي فأعلميهأحب إليّ من بصري وسمعي
الغناء لمعبد خفيف ثقيل بالوسطى مما لا شك فيه من غنائه.
قال الزبير: وحدثتني ظبية أن يزيد قال لحبابة وسلامة أيتكما غنتني ما في نفسي فلها حكمها فغنت سلامة فلم تصب ما في نفسه وغنته حبابة.
حلق من بني كنانة حوليبفلسطين يسرعون الركوبا
فأصابت ما في نفسه فقال إحتكمي فقالت سلامة تهبها لي ومالها، قال: أطلبي غيرها فأبت، فقال: أنت أولى بها ومالها، فلقيت سلامة من ذلك أمراً عظيماً فقالت لها حبابة لا ترين إلا خيراً فجاء يزيد فسألها أن تبيعه إياها بحكمها فقالت أشهدك أنها حرة وأخطبها إليّ الآن حتى أزوجك مولاتي.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثني إسحق عن المدائني بنحو هذه وقال فيها فجزعت سلامة فقالت لها لا تجزعي فإنما ألاعبه.
قال:
حلق من بني كنانة حوليبفلسطين يسرعون الركوبا
هزئت إن رأيت مشيبي عرسيلا تلومي ذوائبي أن تشيبا
الشعر لإبن قيس الرقيات والغناء لإبن سريج ثاني ثقيل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحق.
قال حماد بن إسحق: حدثني أبي عن المدائني وأيوب بن عبابة قالا: كانت سلامة المتقدمة منهما في الغناء وكانت حبابة تنظر إليها بتلك العين فلما حظيت عند يزيد ترفعت عليها فقالت لها سلامة: ويحك، أين تأدية الغناء وحق التعليم، أنسيت قول جميلة لك خذي أحكام ما أطارحك إياه من سلامة فلن تزالي بخير ما بقيت لك وكان أمر كما مؤتلفاً، قالت: صدقت يا خليلتي، والله لا عدت إلى شيء تكرهينه فما عادت لها إلى مكروه وماتت حبابة وعاشت سلامة بعدها دهراً.
قال المدائني: فرأى يزيد يوماً حبابة جالسة فقال: مالك فقالت أنتظر سلامة قال تحبين أن أهبها لك قالت لا والله ما أحب أن تهب لي أختي.
قال المدائني: وكانت حبابة إذا غنت وطرب يزيد قال لها أطير فتقول له فإلى من تدع الناس فيقول إليك والله تعالى أعلم.
أخبرني إسمعيل بن يونس قال: حدثنا مر بن شبة قال: حدثني أيوب بن عبابة أن البيذق الأنصاري القاريء كان يعرف حبابة ويدخل عليها بالحجاز، فلما صارت إلى يزيد بن عبد الملك وأرتفع أمرها عنده خرج إليها يتعرض لمعروفها ويستميحها، فذكرته ليزيد، وأخبرته بحسن صوته قال: فدعاني يزيد ليلة فدخلت عليه وهو على فرش مشرفة قد ذهب فيها إلى قريب من ثدييه وإذا حبابة على فرش آخر مرتفعة وهي دونه فسلمت فرد السلام وقالت حبابة: يا أمير المؤمنين هذا أبي، وأشارت إليّ بالجلوس فجلست، وقالت لي حبابة إقرأ يا أبتي فقرأت، فنظرت إلى دموعه تنحدر ثم قالت: أبتي حدّث أمير المؤمنين وأشارت علي أن غنّه، فأندفعت في صوت إبن سريج:
من لصب مصيدهائم القلب مقصد
فطرب والله يزيد، فحذفني بمدهن فيه فصوص من ياقوت وزبرجد فضرب صدري فأشارت إليّ حبابة إن خذه فأخذته فأدخلته كمي فقال: يا حبابة، ألا ترين ما صنع بنا أبوك أخذ مدهنناً فأدخله في كمه فقالت: يا أمير المؤمنين ما أحوجه والله إليه.
ثم خرجت من عنده فأمر لي بمائة دينار.
من لصب مصيدهائم القلب مقصد
أنت زودته الضنابئس زاد المزود
ولو أني لا أرتجيكلقد خف عوّدي
ثاوياً تحت تربةرهن رمس بفدفد
غير أني أعلل النفس باليوم أو غد
الشعر لسعيد بن عبد الرحمن بن حسان، وذكر الزبير بن بكر أنه لجعفر بن الزبير والغناء لإبن سريج خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى، وقال حماد حدثني أبي عن مخلد بن خداش وغيره أن حبابة غنت يزيد صوتاً لإبن سريج وهو قوله:
ما أحسن الجيد من ملكية واللبات إذ زانها ترائبها
طرب يزيد وقال: هل رأيت أحداً أطرب مني قلت بعم إبن لطيار معاوية بن عبد الله بن جعفر فكتب فيه إلى عبد الرحمن بن الضحاك فحمل إليه فلما قدم أرسلت إليه حبابة إنما بعث إليك لكذا وكذا وأخبرته: فإذا دخلت عليه فلا تظهرن طرباً حتى أغنيه الصوت الذي غنيته فقال سوأة على كبر سني فدعا به يزيد على طنفسه جز ووضع لمعاوية مثلها فجاؤوا بجامين فيهما مسك فوضعت إحداهما بين يدي يزيد والأخرى بين يدي معاوية فقال فلم أدرِ كيف أصنع فقلت أنظر كيف يصنع فأصنع مثله، فكان يقلبه فيفوح ريحه، وأفعل مثل ذلك، دعا بحبابة فغنت، فلما غنت ذلك الصوت أخذ معاوية الوسادة فوضعها على رأسه وقام يدور وينادي الدخن بالنوى يعني اللوبيا، قال: فأمر له بصلات عدة دفعات إلى أن خرج فكان مبلغها ثمانية آلاف دينار.
أخبرني إسماعيل بن يونس قال:
أخبرني الزبير بن أبي بكر عن ظبية أن حبابة غنت يوماً بين يدي يزيد فطرب ثم قال لها: هل رأيت قط أطرب مني قالت: نعم مولاي الذي باعني، فغاظه ذلك، فكتب في حمله مقيداً، فلما عرف خبره أمر بإدخاله إليه فادخل يرسف في قيده وأمرها فغنت بغتة:
تشط غداً دار جيرانناولدار بعد غد ابعد
فوثب حتى ألقى نفسه على الشمعة فأحرق لحيته وجعل يصيح: الحريق يا أولاد الزنا، فضحك يزيد وقال: لعمري هذا أطرب الناس، فأمر حل قيوده ووصله بألف دينار، ووصلته حبابة وردّه إلى المدينة.
أخبرني إسماعيل بن يونس قال: حدثنا عمر بن شبة قال: قال إسحق كان يزيد بن عبد الملك قبل أن تقضي إليه الخلافة تختلف إليه مغنية طاعنة السن تدعى أم عوف وكانت محسنة فكان يختار عليها:
متى أجر خائف تسرح مطيتهوأن أخف آمناً تغلق به الدار
سيروا إليّ وأرخوا من أعنتكمأني لكل أمريء من وتره جار
فذكرها يزيد يوماً لحبابة وقد كانت أخذت عها فلم تقدر أن تطعن عليها إلا بالسن فقالت:
أبى القلب إلا أم عوف وحبهاعجوزاً ومن يحبب عجوزاً يفند
فضحك وقال لمن هذا الغناء، فقالت لمالك، فكان إذا جس معها للشرب يقول: غنني صوت مالك في أم عوف.
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال: حدثني عمر بن شبة قال: حدثني عبد الله بن أحمد بن الحرث العدوي قال: حدثني عمر بن أبي بكر المؤتلي قال: حدثني أبو غانم الزدي قال: نزل يزيد بن عبد الملك ببيت راس بالشام ومعه حبابة فقال: زعموا أنه لا تصفو لأحد عيشه يماً إلى الليل إلا يكدرها شيء عليه وسأجرب ذلك، ثم قال لمن معه: إذا كان غد فلا تخبوني بشيء ولا تأتوني بكتاب. وخلا هو وحبابة فأتيا بما يأكلان فأكلت رمانة فشرقت بحبه منها فماتت، فأقام لا يدفنها ثلاثاً حتى تغيرت وأنتنت وهو يشمها ويرشفها، فعاتبه على ذلك ذوو رابته وصديقه وعابوا عليه ما يصنع وقالوا قد صارت جيفة بين يديك حتى أذن لهم في غسلها ودفنها، وأمر فأخرجت في نطع وخرج معها لا يتكلم حتى جلس على قبرها، فلما دفنت قال: أصبحت والله كما قال كثير:
فإن يسيل عنك القلب أو يدع الصبافباليأس نسلو عنك لا بالتجلد
وكل خليل راءني فهو قائلمن أجلك هذا هامة اليوم أو غد
فما أقام إلا خمس عشرة ليلة حتى دفن إلى جنبها.
أخبرني أحمد فقال: حدثني عمر قال: حدثني أسحق الموصلي قال: حدثني الفضل بن الربيع عن أبيه إبراهيم بن جبلة بن مخزوم عن أبيه مسلمة بن عد املك قال: ماتت حبابة فجزع عليها يزيد فجعلت أواسيه وأعزيه وهو ضارب بذقته على صدره ما يكلني حتى رجع، فلما بلغ إلى بابه إلتفت إليّ فقال:
فإن تسلْ عنك النفس أو تدع الصبافبالبأس تسلو عنك لا بالتجلد
ثم دخل بيته فمكث أربعين يوماً ثم هلك.
قال: وجزع عليها في بعض أيامه فقال: أنبشوها حتى أنظر إليها فقيل تصير حديثاً، فرجع فلم ينبشها.
وقد روى المدائني أنه إشتاق إليها بعد ثلاثة أيام من دفنه إياها فقال: لا بد أن تنبش، فنبشت وكشف له عن وجهها وقد تغير تغيراً قبيحاً، فقيل له: يا أمير المؤمنين إتقِ الله، ألا ترى كيف صارت، فقال: ما رأيتها قط أحسن منها اليوم، أخرجوها، فجاءه مسلمة ووجوه أهله فلم يزالوا به حتى أزالوه عن ذلك ودفنوها وأنصرف فكمد كمداً شديداً حتى مات فدفن إلى جانبها.
قال إسحق: وحدثني عبد الرحمن بن عبد الله الشغافي عن العباس بن محمد أن يزيد بن عبد الملك أراد الصلاة على حبابة فكمه مسلمة في أن لا يخرج وقال: أنا أكفيك الصلاة عليها، فتخلف يزيد ومضى مسلمة حتى إذا مضى الناس إنصرف مسلمة وأمر من صلى عليها.
وروى الزبير عن مصعب بن عثمان عن عبد الله بن عروة بن الزبير قال:
خرجت مع أبي إلى الشام في زمن يزيد بن عبد الملك، فلما ماتت حبابة وأخرجت لم يستطع يزيد الركوب من الجزع ولا المشي فمل على منبر على رقاب الرجال، فلما دفنت قال: لم أصلِ عليها انبشوا عنها، فقال له مسلمة: نشدتك الله يا أمير المؤمنين إنما هي أمة من الأماء وقد واراها الثرى، فلم يؤذن لناس بعد حبابة إلا مرة واحدة، قال: فو الله ما أستتم دخول الناس حتى قال الحاجب: أجيزوا رحمكم الله، ولم ينشب يزيد أن مات كمداً.
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال: حدثنا عمر ن شبة قال: حدثني إسحق قال: حدثني إبن أبي الحويرث الثقفي قال: لما ماتت حبابة جزع عليها يزيد جزعاً شديداً فضم جويرية لها كانت تخدمها إليه تحدثه وتؤنسه، فبينا هو يوماً يدور في قصره إذ قال لها هذا الموضع الذي كنا فيه فتمثلت:
كفى حزناً للهائم الصب أن يرىمنازل من يهوى معطلة قفرى
فبكى حتى كاد يموت، ثم لم تزل تلك الجويرية يتذكر بها حبابة حتى مات.
وقال:
أيدعونني شيخاً وقد عشت حقبةوهن من الأزواج نحوي نوازع
وما شاب رأسي من سنين تتابعتعليّ ولكن شيبته لوقائع
الشعر لأبي الطفيل صاحب رسول الله ﵌، والغناء لإبراهيم خفيف أول بالوسطى عن عمرو وغيره.
؟؟؟ أخبار الأغلب ونسبه // هو فيما ذكر إن قتيبة الأغلب بن جشم بن سعد بن عجل بن لجيم بن مصعب إبن علي بن بكر ن وائل وهو أحد المعمرين عمر في الجاهلية عمراً طويلاً وأدرك الإسلام فأسلم وحسن إسلامه وهاجر، ثم كان فيمن توجه إلى الكوفة مع سعد بن أبي وقاص نزلها وأستشهد في وقعة نهاوند فقبره هتاك في قبور الشهداء، ويقال أنه أول من رجز الأراجيز الطول من العرب، وإياه عنى الحجاج بقوله مفتخراً:
إني أنا الأغلب أمسي قد نشد
قال بن حبيب: كانت العرب تقول الرجز في الحرب والحداء والمفاخرة وما جرى هذا المجرى فتأتي منه بأبيات يسيرة فكان الأغلب أول من قصد الرجز ثم سلك الناس بعده طريقته.
أخرنا الفضل بن الحباب الجمحي أو خليفة في كتابه إلينا قال: أخبرنا محمد إبن سلام قال: حدثنا الأصمعي. وأخبرني أحمد بن محمد أبو الحسن الأسدي قال: حدثنا الرياشي قال: حدثنا معمر بن عبد الوارث عن أبي عمرو بن العلاء قال: كانت للأغلب سرحة يصعد عليها ثم يرتجز.
فقد عرفتني سرحتي فأطتوقد شمطت بعدها وأشمطت
فأعترضه رجل من بني سعد ثم أحد ني الحرث بن عمرو بن كعب بن سعد، فقال له:
بحت من سالفة ومن قفاعبد إذا ما رسب القوم طفا
كما شرار الرعي أطراف السقا
أخبرني أحمد ن عبد العزيز الجوهري قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثني محمد بن عباد بن حبيب المهلبي قال: حدثني نصر بن ناب عن دواوين أبي هند عن الشعبي قال: كتب عمر بن الخطاب إلى المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة أن إستنشد من قبلك من شعراء قومك ما قالوا في الإسلام فأرسل إلى الأغلب العجلي فأستنشده فقال:
لقد سألت هيناً موجوداأرجزاً تريد أم قصيدا
ثم أرسل إلى لبيد فقال له إن شئت مما عفا الله عنه يعني الجاهلية فعلت قال لا أنشدني ما قلت في الإسلام، فأنطلق لبيد فكتب سورة البقرة في صحيفة وقال أبدلني الله ﷿ بهذه في الإسلام مكان الشعر فكتب المغيرة بذلك إلى عمر فنقض عمر من عطاء الأغلب خمسمائة وجعلها في عطاء لبيد فكتب إلى عمر: يا أمير المؤمنين أتنقض عطائي إن أطعتك، فرد عليه خمسمائة وأقرّ عطاء لبيد على ألفين وخمسمائة.
أخبرني محمد بن عبد العزيز قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثنا محمد بن حاتم قال: حدثنا علي بن القاسم عن الشعبي قال: دخل الأغلب على عمر فلما رآه قال: هيه أنت القائل:
اجزاً تريد أم قصيدالقد سألت هيناً موجودا
فقال يا أمير المؤمنين إنما أطعتك، فكتب عمر إلى المغيرة أن أردد عليه الخمسمائة للبيد.
أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلام قال: قال الأغلب العجلي في سجاح لما تزوجت مسيلمة الكذاب:
لقد لقيت سجاح من بعد العمىملوحاً في العين مجلود القرى
مثل العقيق في شباب قد أتىمن اللجيمين أصحاب القرى
ليس بذى واهنة ولا نسانشأ بلحم وخبز ما إشترى
حتى شتا ينتج ذفراه اندىخاظى البضيع لحمه خظا بظا
كأنما جمع من لحم الخصىإذا تمطى بين برديه صأى
كأن عرقإذا ودى ... حبل عجوز ضفرت سبع قوى
يمشي على قوائم خمس زكايرفع وسطاهن من برد الندى
قالت متى كنت أبا الخير متىقال حديثاً لن يغيرني البلى
ولم أفارق خلة لي عن قلىفأنتسقت فيشته ذات الشوى
كأن في أجلادها سبع كلىما زال عنها بالحديث والمنى
والخلق السفساف يردى في الردىقال ألا ترينه قالت أرى
قال ألا أدخله قالت بلىفشال فيها مثل محرات الفضا
يقول لما غاب فيها وأسنوىلمثلها كنت أحيك الحسا
وكان من خبر سجاح ودإعائها النبوة وتزويج مسيلمة الكذّاب إياها ما أخبرنا به إبراهيم إبن النسوي يحيى عن أبيه ن شعيب عن سيف أن سجاح التميمية إدعت النبوة بعد وفاة رسول الله ﷺ وأجتمعت عليها بنو تميم فكان فيما إدعت أنه أنزل عليها يا أيها المؤمنون المتقون لنا نصف الأرض ولقريش نصفها ولكنّ قريشاً قوم يبغون.
وأجتمعت بنو تميم كلها إليها لتنصرها وكان فيهم الأحف بن قيس وحارثة بن بدر وجوه تميم كلها وكان مؤذنها شبيب بن ربعي الرياحي فعمدت في جيشها إلى مسيلمة الكذاب وهو اليمامة وقالت: يا عشر تميم، أقصدوا اليمامة فاضربوا فيها كل هامة وأضرموا فيها نار مهلهلة حتى تتركوها سوداء كالحمامة.
وقالت لبني تميم: إن الله لم يجعل هذا الأمر في ربيعة وإنما جعله في مضر، فأقصدوا هذا الجمع فإذا فضضتموه كررتم على قريش.
فسارت في قومها وهم الدهم الداهم، وبلغ مسيلمة خبرها فضاق بها ذرعاً وتحصن في حجر حصن اليمامة وجاءت في جيوشها فأحاطت به، فأرسل إلى وجوه قومه وقال: ما ترون، قالوا: نرى أن نسلم هذا الأمر إليها وتدعنا فإن لم نفعل فهو البوار، وكان مسيلمة ذا دهاء فقال: سأنظر في هذا الأمر، ثم بعث إليها: إن الله ﵎ أنزل عليكِ وحياً وأنزل عليّ، فهلمي نجتمع فنتدارس ما أنول الله علينا فمن عف الحق تبعه وأجتمعنا فأكلنا العرب أكلاً بقومي وقومك، فبعث إليه إفعل، فأمر بقبة أدم فضربت وأمر بالعود المندلي فسجر فيها وقال: أكثروا من الطيب والمجر فإن المرأة شمت رائحة الطيب ذكرت الباه، ففعلوا ذلك، وجاءها رسوله يخبرها بأمر القبة المضروبة للإجتماع فأتته، فقالت: هات ما أنزل عليك فقال: ألم ترِ كيف فعل بك بالحبلى أخرج منها نطفة تسعى بين صفاق وحشي من بين ذكر وأنثى وأموات وأحياء ثم إلى ربهم يون المنتهى، قالت وماذا، قال: ألم ترِ أن الله خلقنا أفواجاً وجعل النساء لنا أزواجاً فنولج فيهن الغراميل إبلاجاً ونخرجها منهن إذا شئنا إخراجاً قالت: فبأي شيء أمرك.
قال:
ألا قومي إلي... فقد هيء لك المضجع
فإن شئتى ففي البيتوإن شئت ففي المخدع
وإن شئتي سلقناكوإن شئتي على أربع
وإن شئتي بثلثيهوإن شئت به أجمع
قال: فقالت لا إلا به أجمع، قال فقال كذا أوحى الله إليَّ فواقعها، فلما قام عنها قالت إن مثلي لا يجري أمرها هكذا فيكون وصمة على قومي وعليّ، ولكني مسلمة النبوة فأخطبني إلى أوليائي يزوجوك ثم أقود تميماً معك.
فخرج وخرجت معه، فأجتمع الحيان من حنيفة وتميم فقالت لهم سجاح أنه قرأ عليَّ ما أنزل عليه فوجدته حقاً فأتبعته. ثم خطبها زوجوه إياها، وسألوه عن المهر فقال: قد وضعت عنكم صلاة العصر فبنو تميم إلى الآن بالرمل لا يصلونها ويقولون هذا حق لنا ومهر كريمة من لا نده.
قال: وقال شاعر من بني تميم يذكر أمر سجاح في كلمة له:
أضحت نبيتنا أنثى نطيف بهاوأصبحت أنبياء الله ذكرانا
قال: وسمع الزبرقان بن در الأحنف يومئذ وقد ذكر مسيلمة وما تلاه عليهم فقال الأحنف: والله ما رأيت أحمق من هذا النبي قط، فقال الزبرقان: والله لأخبرن بذلك مسيلمة قال: إذاً والله أحلف إنك كذبت فيصدقني ويكذبك قال: فأمسك الزبرقان وعلم أنه قد صدق.
قال: وحدّث الحسن البصري بهذا الحديث فقال: أمن والله أبو بحر من نزول الوحي، قال: فأسلمت سجاح بعد ذلك وبعد قتل مسيلمة وحسن إسلامها.
قال:
كم ليلة فيك بت أسهرهاولوعة من هواك أضمرها
وحرقة والدموع تطفئهاثم يعود الجوى فيسعرها
بيضاء رود الشباب قد غمستفي خجل دائب بعصفرها
الله جار لها فما إمتلأتعيناي إلا من حيث أبصرها
الشعر للبحتري والغناء لعريب رمل مطلق من مجموع أغانيها، وهو لحن مشهور في أيدي الناس، والله أعلم.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع