من «الفلاكة والمفلوكون» للدلجي (ت ٨٣٨هـ)
الفارابي
محمد أبو نصر بن محمد بن أوزلغ بن طرخان من مدينة فاراب من بلاد الترك،
كان إماماً فاضلاً وفيلسوفاً كاملا برع في الفلسفة وأتقنها وأظهر محاسنها وتفنن في فن الموسيقى واخترع فيه ما لم يسبق إليه، وشرح كتب الأوائل. كان في أول الأمر قاضياً ببلاده فأودع عنده رجل من التجار جملة من كتب ارسطاطاليس فنظر فيها فصادفت منه قبولا فترك القضاء واكب عليها بجملته وتجرد وسافر إلى بغداد وأقام بها وقرأ بها المنطق على يوحنا بن حبلان، وقرأ النحو على أبي بكر بن السراج ثم سافر إلى مصر ثم رجع إلى دمشق وأقام بها إلى مات. قال أبو الحسن الآمدي: كان الفارابي مقتنعاً باليسير من الرزق، وكان في أول أمره ماطوراً ببستان بدمشق وهو في مثل هذه الحالة ملازم للاشتغال ليله ونهاره، وكان في أكثر لياليه يستضيء على المطالعة بقنديل الحارس، ولم يزل كذلك حتى ظهر فضله وكثرت تلامذته واجتمع به الأمير سيف الدولة أبو الحسن علي بن عبد الله الثعلبي فأكرمه وأوسع عليه، فلم يقبل منه سوى أربع دراهم فضة في اليوم يصرفها في الضروري من عيشه. ومن دعائه (اللهم ألبسني حلل البهاء وكرامات الأنبياء وسعادة الأغنياء وعلوم الحكماء وخشوع الأتقياء) ومن شعره:
بزجاجتين قطعت عمريوعليهما عولت أمري
فزجاجة ملئت بحبروزجاجة ملئت بخمر
فبذي أدون حكمتيوبذي ازيل هموم صدري
وكان يرى الإنفراد على شرب الخمر ولا يحب المنادمة عليها. توفي ﵀ في شهور سنة. نقلت ذلك كله من عيون الأنباء في طبقات الأطباء مما اختاره الحسن ابن أحمد بن زفر الابلي الشافعي من تاريخ اصيبعة.
النص من طبعة مطبعة الشعب بمصر (١٣٢٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع