رزئت بمن لا أملك العين بعدهُ
الشاعر: ابن أبي الخصال · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر ابن أبي الخصال، من المغرب والأندلس، وتقع في 40 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
رزئت بمن لا أملك العين بعدهُ ... ففي كلِّ ما حين لها عبرةٌ تترى
وإنّــــي لأنــــســــاهُ ذُهــــولاً وحَيرَةً ... وما ذلك النّسيان إلا من الذكرى
عدمت أبا مروانَ حين وجدتُهُ ... ولم تبقَ في يُسرى خلائقه عسرا
وحين أقرَّ العينَ شرخُ شبابه ... وتمت به النُعمى وحفت به البشرى
وكــــنــــتُ إذا أيقظته لملمةٍ ... أخذتُ الكرى عن مقلةٍ منه لا تكرى
وطارَت به الجُلَّى إلى كل هَيعَةٍ ... واثباجُها تُطوى وأوداجها تُفرى
ومن قبلُ ما خاضَ البحارَ مُصَمّماً ... إلى البيتِ حتى استلأَم الرّكنَ والحِجرا
وقفى إلى قبر الرسُول بزورةٍ ... فَقَضى ووفى الحقَّ والفَرض والنذرا
وعفر في تلكَ المعالم وجهَهُ ... سجوداً لمولىً يملك الخلق والأمرا
وقد كنتُ في تلكَ السبيل احتسبته ... وأضمرت يأساً عن لقائي له صبرا
فرُدَّ على رغم الخُطوبِ مُسَلَّماً ... وقد حازَ من آثاره في التُّقى فَخرا
وزشدت به وجداً كما ازدادَ غِبطةً ... وحُزتُ إلى عُمري بريعانهِ عُمرا
وطـــــوَّلتُ آمـــــالي رجـــــاءَ بـــــقــــائِهِ ... فأسفَر ذاك الطُّول عن مُدّةٍ قَصرا
وأسلمني في كُربَة مُدلَهِمّةٍ ... نزلتُ ولم أملك على حُكمها قسرا
تقسّمني ما بين حَيٍّ وميّتٍ ... فمن مَعشَرٍ قَتلى ومن مَعشَرٍ أسرى
وكان ظهيراً لي عَليهم وفيهمُ ... أشدُّ به أزراً وأحمي به ظهرا
فهوَ عند فقده فقد من مضى ... وصارَت به الكُبرى التي كانت الصُّغرى
وما ماتَ إلا بعدَما مات قِرنُهُ ... ولاقَاهُ من هَبَّاتِهِ الضَّيغمُ الأضرى
فَراه بِيُمناهُ بصارمِ نفسهِ ... وخلّى على كُرهٍ لصاحبهِ اليُسرى
وما زالَ أقران الظهور مُقاتلاً ... وكيفَ تَوقّي المَوتِ من حيثُ لا يُدرى
وما ساقَ ذلكَ الحَتفَ إلا شهادةٌ ... تركتَ بِها في كُلِّ مَنزِلَةٍ نَشرا
تَعوّضتَ من فانٍ بباقٍ مُخَلَّدٍ ... وعَوّضتني منكَ التَّأسِّيَ والأَجرا
فَمِن مَنزِل البَلوى إلى منزِل الرِّضى ... ومِن عَرَض الدُّنيا إلى جَوهر الأُخرى
سأصبر إلا عن سَوابقِ عَبرَةٍ ... أَرى أبداً جَفني بتصريفها يُغرى
وما عذَّبَ الرَّحمنُ بالدَّمع باكياً ... يُداري بدَمع العَينِ في قَلبِه جَمرا
ومـــــا مَـــــفـــــزَعُ إلا إلى البُـــــكــــا ... وكُل حزازاتِ القلوب به تُقرا
وفي وجد يعقوبٍ بيوسفَ أُسوة ... فلا تَعذِلُوني اليَومَ في عَبرَةٍ تُذرى
وكُلُّ فتىً قد كانَ للعينِ قُرّةً ... سَيَملَؤها حرّاً كما مُلئت قُرّا
سَقَت جدثاً واراكَ كُلُّ غَمامةٍ ... تُكشفُ عن أرضٍ حللت بها الضُّرا
وحــــيّــــاك عــــني كلُّ رَوحٍ ورَحمَةٍ ... وما شئت من نَورٍ ومن رَوضَة خَضرا
ويا كبدي هلا تفطرتِ حَسرَةً ... ويا أدمعي هلا جريتِ له حُمرا
ويا فرطي إنّي ذخرتُك لي غنىً ... ليومٍ يَعُودُ الأغنياءُ به فقرا
ويا مُودعيهِ في الثرى هل علمتمُ ... بأن لهُ في غير أرضِكُم قَبرا
نعم كُلُّ قَبرٍ قبره فإذا بَدا ... قــــرأتُ عليه من تَذكُّرِه سَطرا
وإن لم أزُره فــــي الحــــياةِ ورُبَّما ... فَموعِدُنا المَضرُوب نَجعَلُهُ الحَشرا
وقال لي الإخوانُ هلا نقلتهُ ... وما نقل من بَوَّأتُهُ القَلبَ والصَّدرا
أأقربُ من فكري وذكري وخاطري ... فأمضي له ظهراً وأحدُو به سَفرا
أعُــــقُّ بها أوصالهُ لو فعلتهُ ... وأرهقُهُ في غيرِ محمَدةٍ عُسرا
وأنـــــصِـــــبُ مــــن رَدَّ الإلهُ حــــيــــاتَه ... وأوسَعها لمّا طوى عُمرَهُ نَشرا
ألا إنــــنــــي اســــتَــــودَعــــتُهُ وحــــدَهُ ... وحَسبي بِنَصرِ اللَه في ظُلمَةٍ نَصرا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من الصحاح، لسان العرب:
- رزئت: أَرْزَيْتُ ظهري إلى فلانٍ، أي التجأت إليه. قال رؤبة: أنا ابنُ أَنْضادٍ إليها أُرْزي [[قبله: لا توعدنى حية بالنكز * وبعده: نغرف من ذى غيث ونؤزى]] (الصحاح)
- شبابه: شبب: الشَّباب: الفَتاء والحداثةُ. شبَّ يشِبُّ شَبَابًا وَشَبِيبَةً. وَفِي حَدِيثِ شُرَيْحٍ: تجوزُ شهادةُ الصِّبيان عَلَى الْكِبَارِ يُسْتشَبُّون أَي يُسْتشْهَدُ مَنْ شبَّ مِنْهُمْ وكَبر إِذا بَلَغ، كأَنه يَقُولُ: إِذا تح … (لسان العرب)
- شرخ: شرخ: الشَّرْخُ والسِّنْخُ: الأَصْلُ والعِرْقُ. وشَرْخ كُلِّ شيءٍ: حَرْفُهُ الناتئُ كَالسَّهْمِ وَنَحْوِهِ. وشَرْخا الفُوق: حَرْفَاهُ المُشْرِفانِ اللَّذَانِ يَقَعُ بَيْنَهُمَا الوَتر؛ ابْنُ شُمَيْلٍ: زَنَمَتا السَّهْمِ ش … (لسان العرب)
- مروان: رون: الرُّونُ: الشِّدَّة، وَجَمْعُهَا رُوُون. والرُّونَة: الشِّدَّة. ابْنُ سِيدَهْ: رُونة الشَّيْءِ شِدَّته ومُعْظَمُه؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ: إِنْ يُسْرِ عَنْكَ اللهُ رُونَتَها، ... فعَظِيمُ كُلِّ مُصيبةٍ جَلَلُ وَكَشَف … (لسان العرب)