أَلَم تَــــرَ أنّــــي وَالحَوادِثُ جَمَّةٌ
الشاعر: ابن أبي السَعلات · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر ابن أبي السَعلات، من العصر العباسي، وتقع في 77 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الفاء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أَلَم تَــــرَ أنّــــي وَالحَوادِثُ جَمَّةٌ ... لَهُنَّ صُروفٌ بِالفَتى تَتَصَرَّفُ
تَبَدَّلتُ بِالمِصر السَوادَ فَلَم يَكُن ... بِهِ بَدَلاً أَعتاضُ عَنهُ وَأُخلَفُ
يُراطِنُني أَنباطهُ مِن كَلامِها ... بِما لَيسَ مِنهُ ما أَبينُ وَأَعرِفُ
وَلا يَعرِفونَ القَولَ مِنّي كَأَنَّني ... أُحاوِلُ أَعيارَ السُيوفِ وَتَكرِفُ
إِذا شِئتَ أَن تَلقى اِمرَءاً ناكَ أمَّهُ ... وَيَــــزعــــمُ جَهــــلاً أَنَّ ذَلِكَ أَشــــرَفُ
وَمُعتَصِمٍ لَم يَعرِفِ اللَّهَ قَلبُهُ ... وَيُظهِرُ قَومٌ أَنَّهُ مُتَحَنِّفُ
تَعَرَّوا مِنَ الأَخلاقِ إِلّا سِعايَةً ... فَكُلُّهُم فيها يَخُبُّ وَيوجِفُ
وَأَصدَقُهُم في القَولِ مَن هُوَ كاذِبٌ ... وَأَوفاهُمُ بِالوَعدِ مَن هُوَ مُخلِفُ
فَلا قَدَّسَ اللَهُ الزَمانَ مَحَلّهُ ... وَلا زالَ عَنهُ نافِعُ الغَيثِ يُصرَفُ
بِلادٌ يُضَرُّ الحُرُّ فيها بِنَفسِهِ ... وَيُعتَبُ فيها المُسلِمُ المُتَعَفِّفُ
فَمِنها النَّجا ثُمَّ النَّجا نَحوَ بَلدَةٍ ... تُكَرَّمُ فيها ما أَتَيتَ وَتُتحَفُ
بِها مِن مَواليكَ الأَقارِبِ عُصبَةٌ ... تُحَدِّبُها قُربى عَلَيكَ وَتعطِفُ
إِذا سامَكَ المَرءُ العَزيزُ ظُلامَةً ... أَبَت ذاكَ أَسيافٌ وَسُمرٌ تَثَقَّفُ
إِلى اللَّهِ أَشكو ما لَنا مِن ظُلامَةٍ ... وَفي اللَّهِ لِلمَظلومِ كافٍ وَمُنصِفُ
تَحَيَّفنا العُمّالُ مِن كُلِّ جانِبٍ ... وَلا يُستَطاعُ العامِلُ المُتَحَيِّفُ
بِكوفَتِنا والٍ عَلى صَلَواتِنا ... ظَلومٌ غَشومٌ ظاهِرُ الفِسقِ مُترَفُ
وَقاضٍ ضَعيفُ الحِلمِ وَالعَقلِ جاهِلٌ ... يَصُدُّ عَنِ الحَقِّ المُبينِ وَيَجنَفُ
يُغيرُ عَلى أَموالِنا وَضِياعِنا ... فَيُسعِدُهُ القاضي عَلَيها وَيَكنُفُ
فَإِن لَفَّفَ الوالي عَلَينا شُهودَهُ ... زَكا عِندَ قاضينا الشَهيدُ المُلَفَّفُ
وَحُجَّتُنا لا تُقبَلُ الدَهرَ عِندَهُ ... وَشاهِدُنا عَن عَمدِ عَينٍ مُوَقَّفُ
فَرَرنا إِلى القاضي مَخافَةَ غَيرِهِ ... فَكانَ مِنَ القاضي التي هِيَ أَخوَفُ
وَأَضحى عَلَينا عامِلانِ بِبابِلٍ ... أَخو ذَنَبٍ لا خَيرَ فيهِ وَأَقلَفُ
فَما فيهِما إِلّا مُوارٍ خِزايَةً ... هِيَ السَوأَةُ السَوآءُ إِن لَم يُكَشّفُ
يَسيرانِ فينا سيرَةً ما أَتى بِها ... رَسولٌ وَلا وَحيٌ مِنَ اللَهِ يُعرَفُ
وَلَم يَكُ في عَهد الأَميرِ إِلَيهِما ... أَميرُكَ أَتقى لِلإِلَهِ وَأَنصَفُ
وَلا اِمتَثَلا فينا سِوى بُخت نَصَّرٍ ... فَإِنَّهُما مِنهُ لِأَعتى وَأَعسَفُ
فَظاظَةَ هَذا نَشتَكيها وَعُنفهُ ... وَها ذاكَ مِن هَذا أَفَظُّ وَأَعنَفُ
أَتَعجَبُ مِن عَمرٍو لِأَن كانَ والِياً ... وَذَلِكَ مِن اِبنِ النَبيطَةِ أَطرَفُ
وَما مِنهُما إِلّا اِرتَدى لُؤمَ أَصلِهِ ... وَما مِنهُما إِلّا بِهِ مُتَحَلِّفُ
فَمَن مُبلِغٌ عَنّي الأَميرَ رِسالَةً ... كَأَحسَنِ ما يُبنى الكَلامُ وَيُرصَفُ
بِأَن قَد أَتى العِلجانُ ما لَو عَلِمتَهُ ... لَنَكَّلَ بِالعِلجَينِ عِندَكَ مَوقِفُ
لَقَد أَلزَما أَهلَ الضّياعِ مَؤونَةً ... تُحيطُ بِغَلّاتِ الضّياعِ وَتُجحِفُ
نَواصِبُ سوءٍ أَلَّفَ السّوءُ بَينَها ... كَما ضُمَّ بِالشَعبِ الإِناءُ المُؤَلَّفُ
إِذا نَزَلا في قَريَةٍ غابَ سَعدُها ... وَيَومُها بادي الكَواكِب أَكسَفُ
وَدَبّابَةٍ لا أَحسَنَ اللَهُ حِفظَها ... تَظَلُّ عَلى غَلّاتِنا تَتَطَوَّفُ
إِذا ما اِستَثارَت دِرهَماً مِن مَكانِهِ ... تَضَمَّنَهُ سَيرٌ عَلى العَضدِ أَجوَفُ
وَمُستَخلِفٍ قَد عاشَ مِن قَبلِ حَقِّهِ ... يُدانُ عَلى أَموالِنا وَيُسَلّفُ
إِذا حاوَلَ الأَرزاقُ مِنها رَأَيتَهُ ... يُضَرِّبُ أَبشارَ العُلوجِ وَيَكشِفُ
وَيُغضِبُ عَمداً نَفسَهُ كَي نَخافَهُ ... فَنَحنُ حَوالَيهِ نُفَدّي وَنُلطِفُ
وَلَن يَنفَعَ الإِلطافُ إِلّا بِصُرَّةٍ ... تُدافِعُ عَنّا بَعضَ ما نَتَخَلَّفُ
فَأَرزاقُ عَمّالِ الرَساتيقِ سُنَّةٌ ... عَلَينا شُهورَ الحَولِ ما نَتَخَوَّفُ
فَإِن نَزَلوا يَوماً بِنا فَجِداؤُنا ... تُعاجَل ذَبحاً وَالدَجاجُ المُعَلَّفُ
وَيَخرُجُ مِنّا الأَشتَيامونَ سُحرَةً ... وَيَعرِفُ ظُلماً دِرهَمَيهِ المُحَلَّفُ
وَلِلحازِرِ الخَرّاصِ في الحَزرِ عِفَّةٌ ... فَلا تَهنَ لِلحَزّارِ ما يَتَعَفَّفُ
وَفي فَتحِ أَبوابِ البَيادِرِ مُثلَةٌ ... يُكَلَّفُها وَالظُلم مِمّا يُكَلَّفُ
وَما فارَقَتنا في الدِياسِ عِصابَةٌ ... تَلُجُّ عَلَينا بِالعَذابِ وَتَعنُفُ
وَلَمّا أَتى الغَلّات قالَت قُلوبُنا ... كُلومٌ مِنَ الغَلّاتِ ما تَتَهَرَّفُ
وَقَد قَسَموا بِالتُرَّهاتِ طَعامَنا ... وَكَيلُهُمُ في القَلبِ سَردٌ مُطَفَّفُ
وَعادوا عَلَينا آخِذينَ نَقائِصاً ... فَيا مَن رَأى كَرماتِنا كَيفَ تُنسَفُ
وَقَد أَخَذَ الكَيّالُ أَضعافَ أَجرِهِ ... سِوى بَهمَةٍ كانَت عَلى الأَرضِ تَضعُفُ
فَلَم يَبقَ لِلحَرّاثِ إِلّا حُثالَةٌ ... يَظَلُّ لَدَيها قائِماً يَتَلَهَّفُ
وَمُستَخرِجٍ يُعطى مِنَ الكَيلِ شَرطَهُ ... وَإِلّا فَإِنَّ الصَكَّ في الوَجهِ يُقذَفُ
وَلِلجَهبَذِ الصَرّافِ لِلأَلفِ خَمسَةٌ ... وَسَبعونَ مِنّا وافِياتٌ وَنَيَّفُ
وَكُتّابِ سوءٍ إِن سَأَلتَ حِسابَهُم ... وَلَم تُرِهِم أَوساخَ نَقدِكَ سَوَّفوا
وَوالي فُتوحٍ يَجتَبينا ضَرائِباً ... يُؤَنِّبُ في إِبطائِها وَيُعَنِّفُ
إِذا نَحنُ أَدَّينا إِلَيهِ ضَريبَةً ... يَعودُ لِأُخرى يَقتَضيها فَيُلحِفُ
فَما نَحنُ لِاِبنِ الفَتحِ إِلّا حَمولَةٌ ... تُحَمَّلُ أَعباءَ الصَغارِ وَتوكَفُ
وَوالي حَوالى يَجتَبي صَدَقاتِنا ... لَدَيهِ مِنَ النَكراءِ ما لَيسَ يُعرَفُ
يُصَدّقُ أَهلَ الكُفرِ بِاللَهِ سُنَّةً ... يُخالِفُهُ فيها رَسولٌ وَمُصحَفُ
وَيُلزِمُ مَن لَم يَكفُرِ اللَّهَ جِزيَةً ... وَذَلِكَ ظُــــلمٌ ظــــاهِــــرٌ مُــــتَكَشِّفُ
وَلا عُذرَ إِلّا مِن أُمورٍ مَعونة ... عَلى الخَصمِ في أَحكامِهِ يَتَعَجرَفُ
تَراهُ عَلى دُكّانِهِ مُتَقَلِّباً ... يُراصِدُ مَن يَسعى إِلَيهِ وَيَعرِفُ
بَطينٌ إِذا كانَ التَّشاحُنُ بَينَنا ... وَفي سِلمِنا طاوي الخَواصِرِ أَهيَفُ
يُصيبُ وَما يَدري وَيُخطي وَما دَرى ... كَما تَخبِطُ العَشواءُ وَاللَيلُ مُسدِفُ
إِذا نَشَرَ الأَعلامَ وَاِرتَجَّ ظِلُّهُ ... وَظَلَّت بِهِ الأَرضُ العَريضَةُ تَرجُفُ
فَقَد شَقِيت رُكبانُ بَكرِ بنِ وائِلٍ ... وَصُبَّ عَلَيهِنَّ الجُرافُ المُجَرَّفُ
فَما سَلَّمَ اللَهُ اِمرءاً نَزَلوا بِهِ ... وَلا حَسبُهُم أَن يَذبَحوا ثُمَّ يَعلِفوا
وَلَكِن لَهُم في عَرصَةِ الدارِ جَولَةٌ ... يُثَقَّلُ مِنها خُرجُهُ المُتَخَفِّفُ
وَلَم يَبقَ في الطُسّوجِ بَعدَ فراغِهِ ... مِنَ العَيشِ إِلّا يابِسٌ مُتَكَفِّفُ
يُنادي أَميرَ المُؤمِنينَ اِستَغاثَةً ... مِنَ الظُّلمِ وَالعُدوانِ وَالعَينُ تَذرِفُ
فَإِنَّ أَميرَ المُؤمِنينَ وَإِن نَأى ... فَبِالقُربِ مِنّا مَن يَحوطُ وَيَكنفُ
خَليفَتُهُ إِسحاقُ نَفسي فِداؤُهُ ... هُوَ المُشتَكي مِن بَعد وَالمُتَنَصِّفُ
تَدارَك هَداكَ اللَّهُ مِنّا بقِيَّةً ... تَكادُ مِنَ الضَرّاءِ وَالجَهدِ تُتلَفُ
وَلا تُفلِتَن عُمّالَنا مِن عُقوبَةٍ ... وَإِغرامِهِم ما أَغرَموا وَتَصَرَّفوا
فَقَد حَكَمَ الرَّحمَنُ في نُظَرائِهِم ... وَبَيَّنَهُ آيُ الكِتابِ المُصَرّفُ
بِأَن يُقتَلوا أَو يُصلَبوا أَو يُقَطَّعوا ... خِلافاً وَيُنفَوا في البِلادِ لِيُعرَفوا
وَذَلِكَ خِزيٌ في الحَياةِ وَبَعدَها ... عَذابٌ عَظيمٌ دائِمٌ لا يُخَفَّفُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الفاء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- امرءا: مرأ: المُرُوءَة: كَمالُ الرُّجُولِيَّة. مَرُؤَ الرجلُ يَمْرُؤُ مُرُوءَةً، فَهُوَ مَرِيءٌ، عَلَى فعيلٍ، وَتمَرَّأَ، عَلَى تَفَعَّلَ: صَارَ ذَا مُروءَةٍ. وتَمَرَّأَ: تَكَلَّفَ المُروءَة. وتَمَرَّأَ بِنَا أَي طَلَب بإِكْرام … (لسان العرب)
- بالمصر: مصر: مَصَرَ الشاةَ والناقَةَ يَمْصُرُها مَصْراً وتَمَصَّرها: حَلَبها بأَطراف الثلاث، وقيل: هو أَن تأْخذ الضَّرْعَ بكفك وتُصَيِّرَ إِبهامَك فوق أَصابِعِك، وقيل: هو الحَلْبُ بالإِبهامِ والسَّبابةِ فقط. الليث: المَصْرُ حَلْ … (لسان العرب)
- تبدلت: بدل: الْفَرَّاءُ: بَدَلٌ وبِدْلٌ لُغَتَانِ، ومَثَل ومِثْل، وشَبَه وشِبْه، ونَكَل ونِكْل. قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: وَلَمْ يُسْمَع فِي فَعَل وفِعْل غَيْرَ هَذِهِ الأَربعة الأَحرف. والبَدِيل: البَدَل. وبَدَلُ الشَّيْءِ: غَيْرُه … (لسان العرب)
- تعروا: تعر: جُرْحٌ تَعَّارٌ وتَغَّارٌ، بِالْعَيْنِ وَالْغَيْنِ، إِذا كَانَ يَسِيلُ مِنْهُ الدَّمُ، وَقِيلَ: جُرْحٌ نَعَّار، بِالْعَيْنِ وَالْغَيْنِ؛ قَالَ الأَزهري: وَسَمِعْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَهل الْعَرَبِيَّةِ بِهَراةَ يَ … (لسان العرب)
- فكلهم: فكل: الأَفْكَلُ، عَلَى أَفْعَل: الرِّعْدة، وَلَا يُبْنَى مِنْهُ فِعْل. التَّهْذِيبُ عَنِ اللَّيْثِ وَغَيْرِهِ: الأَفْكَل رِعْدة تَعْلُو الإِنسان وَلَا فِعْلَ لَهُ؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ: بعَيْشكِ هَاتِي فغَنِّي لَنَا، .. … (لسان العرب)
- كلامها: لأم: اللُّؤْم: ضِدُّ العِتْقِ والكَرَمِ. واللَّئِيمُ: الدَّنيءُ الأَصلِ الشحيحُ النَّفْسِ، وَقَدْ لَؤُمَ الرجلُ، بِالضَّمِّ، يَلْؤُمُ لُؤْماً، عَلَى فُعْلٍ، ومَلأَمةً عَلَى مَفْعَلةٍ، وَلَآمَةً عَلَى فَعالةٍ، فَهُوَ لَئِ … (لسان العرب)