وَبُـقـعَـةٍ قَـد أَجـالَ الطَـرفُ نُـزهَـتَهُ
الشاعر: ابن أبي كَريمَة · البحر: البسيط
هذه القصيدة من شعر ابن أبي كَريمَة، من العصر العباسي، وتقع في 47 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف النون.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
وَبُـقـعَـةٍ قَـد أَجـالَ الطَـرفُ نُـزهَـتَهُ — حَـتّـى تَـخَـيَّرَهـا مِـن مَـنـبِـتِ القُـطُنِ
سَهـلِيَّةـَ النَـجـدِ لا خَـفـضٍ وَلا شَرَفٍ — شَـيـخٌ مِنَ الفُرسِ مَطبوعٌ عَلى الفِطنِ
أَبــاحَهــا جَـدوَلاً حَـتّـى إِذا رَوِيَـت — أَمــســى يُـدَيِّمـُهـا بِـالمَـرِّ وَالفَـدَنِ
مـا زالَ يُـتـحِـفُها بِالماءِ مُجتَهِداً — حَـولَيـنِ طَـوراً وَطَـوراً قِـمَّةـَ الدِمَنِ
حَــتّــى اِنــتَــقـى حَـبَّ مَـروِيٍّ فَـوَرَّهَهُ — مِـثـلَ اللآلِئِ لَم يُـدنَـس مِنَ الدَرَنِ
حَـتّـى إِذا بَـذَّ زَرعَ المـاءِ ناهِضُها — وَاِستَتبَعَ الريحُ مِنها مائِلَ الغُصُنِ
أَبــدَت طَــرائِلَ وَردٍ ثُــمَّ أَعــقَـبَهـا — جَـوزٌ تَـفَـرَّقَ بَـيـنَ السـاقِ وَالفَـنَـنِ
فَـوَلَّدَ الجَـوزُ مِـنـهـا بَـعـدَ عـاشِرَةٍ — بَـيـضـاءَ يُـصـدَعُ عَـنها مُحكَمُ الجُبُنِ
هَــوَت لَهُ حُــرَّدٌ تُــحــفــيــهِ دامِـيَـةٌ — مَـيـلُ الذَوائِبِ مَيلَ الأَخشُفِ الشُدُنِ
فَـاِسـتَـخـلَصَـت سِـرَّهُ مِـنـهُـنَّ غـانِـيَـةٌ — بِـبَـعـضِ طـورَتِهـا فـي السِرِّ وَالعَلَنِ
ظَـــلَّت تُـــزَبِّرُهُ طَـــوراً مُـــطَـــرِّقَـــةً — بِـأَصـفَـرِ الليـطِ داني غايَةَ اللَهَنِ
مُــخَــمَّطــٍ بِــأَجَــشِّ الصَــوتِ تَــحـسَـبُهُ — بِـمَّ الكَـريـنَـةِ عِندَ المَشرَبِ الدَرِنِ
إِذا نَـــــحـــــاهُ لِنَــــدفٍ طَــــرَحَــــت — أَثــبــاجُهُ كُــلَّ غِــشٍّ كـانَ مِـن حَـسَـنِ
تَــعــاوَرَتــهُ يَــدٌ لَيــسَــت مُــتَــوَجَّةً — مُـلسُ المُـتـونِ مِـنَ الخَـطِـيَّةِ المُرُنِ
تَـشـكو الهُزالَ وَأَحياناً إِذا سَمِنَت — بَـعـدَ الهُـزالِ تَـشَـكّـى ثِقلَةَ السَمِنِ
سُـمـرٌ مِـنَ المَـسِّ تَـكـسوها وَتَسلُبُها — أَيدي النَواعِمِ بيضٌ كَالمَها البُدُنِ
مِـنَ الدَهـاقـيـنَ لَم تُسلِم مَناسِبُها — أَبــا نِـرارٍ وَقَـد جَـلَّت عَـنِ اليَـمَـنِ
إِلّا بَـنـي هـاشِـمٍ رَهـطِ النَـبِيِّ فَهُم — خَــيـرُ البَـرِيَّةـِ مِـن بـاقٍ وَمُـنـدَفِـنِ
جـاءَت بِهِ لا تُـدانـي الشِـعرَ رِقَّتَهُ — يُـرى بِـأَعـقـابِهِ مِـن أَعـظَـمِ العِـيَنِ
حَـتّـى إِذا ما أَرَدنَ النَسجَ رُدنَ لَهُ — مِــنَ الحَــراشِــفِ فـاشٍ حَـذقُهُ عَـدَنـي
تَــدِقُّ فَــطــنَــتُهُ فــيــمــا يُــزاوِلُهُ — وَفـي الرَواءِ غَـليطُ الفَهمِ وَالبَدَنِ
إِذا اِنـتَـحـى سَـتَرَ العُثنونُ صُدرَتَهُ — كَـالقُـطـنِ يُـسـلِمُهـا لِلمُشطِ وَالدُهُنِ
مُــغَــضَّنـُ الإِبـطِ مَـحـسـورٌ مَـغـابِـنُهُ — مِـنَ القُـعـودِ طِـوالَ الدَهرِ ذو ثَفِنِ
كَــأَنَّ راحَــتَهُ قَــد جُــلِّلَت سَــفَــنــاً — بَـل مَـسُّ راحَـتِهِ يُـربـي عَـلى السَفَنِ
فَـــمَـــدَّهُ بَــيــنَ أَشــطــانٍ لَهُ بُــرُقٍ — إِلى خَــوالِدَ لا يُـزمِـعـنَ بِـالظَـعَـنِ
أَهـوى لَهُ أَسـمَـراً عَـضـبـاً مَـضـارِبُهُ — كَـالهُـنـدُوانِـيِّ لَم يَـكـتَـنَّ فـي جَنَنِ
وَأَجـوَفـاً مِـن نَـبـاتِ الغـيلِ توجِبُهُ — أَعـالي الرَوقِ ذا طَـيـشٍ مِـنَ الأَدَنِ
فَـجـاءَ كَـالسَـيـفِ الصـيـنِـيِّ يُـشـبِهُهُ — فـي ليـنِ مُـنـهَـزَةٍ مَـنـصـوبَةِ الدُكَنِ
كَــأَنَّ قِــشــرَتَهُ مِــن بَــعــدِ لِبـسَـتِهِ — غِـرقـيـءُ بَـيضِ حَمامِ الأَيكَةِ الدُجُنِ
شَرَوهُ فَاِبتاعَهُ مِن بَعدِ ما اِرتَعَدَت — عَـنـهُ التِجارُ لِطولِ السَومِ وَالثَمَنِ
حَــســيــرُ دَهــرٍ لَحِـيّـاً مِـن مُـروءَتِهِ — كــابَــرتُهُ وَعَــلَيــهِ صَــولَةُ الزَمَــنِ
مُــسـتَـوطِـنٌ غَـبَـراتِ الدَهـرِ سـاحَـتُهُ — كَـأَنَّهـا لا تَرى في الناسِ مِن وَطَنِ
دَعــا لَهُ خــائِطــاً حُــلواً شَـمـائِلُهُ — هَــزّازَ رَأسٍ ضَــروبَ الزَورِ بِـالذَقَـنِ
مُـــحـــدَودِبـــاً وُســـطـــى أَنـــامِــلِهِ — كَــمَــحَــةٍ أَجـهَـضٍ مُـسـتَـكـرَهِ العُـكَـنِ
أَتـــــى بِهِ كَـــــمَــــدَبِّ الذَرِّ أَدرُزُهُ — مـا يَـسـتَـبينُ طَويلَ الذَيلِ وَالرُدُنِ
مــا أَن تَــمَـلَّيـتُهُ حَـتّـى أُتـيـحَ لَهُ — خَــفِــيُّ دَبٍّ لَطــيــفُ الخَـطـمِ وَالأُذُنِ
سَـريـعَـةُ السَـمـعِ تُـصغي ثُمَّ تَنصِبُها — تَـحـتَ الظَلامِ حِذارَ الطائِرِ الطَبَنِ
تَـرنـو بِـكَـحلاءَ لا يَرنو بِها رَمَدٌ — خَـوصـاءَ صَـدّاعَـةٍ مُـسـتَـكـشِـفَ الدَجَـنِ
مُـسـتَـتـبِـعٌ ذَنِـبـاً كَـالسَـيـرِ تَحسَبُهُ — سَـقـيـطَ مِـدرى غَداةَ البَينِ مِن ظَغَنِ
لَيــلاً فَــغـادَرَهُ لِلريـحِ مُـخـتَـرَقـاً — فــيــهِ وَصـاوِصُ كَـالنَـحـيـتَـةِ الوُزُنِ
لَم يَــتِّرِك مَــوضِــعــاً إِلّا تَــتَـبَّعـُهُ — كَـذاكَ مَـن يَـتـبَـعُهُ الدَهـرُ بِالإِحَنِ
عــامــي نَــعــاهُ إِلَيَّ يَــومَ لَبِـسـتُهُ — إِنَّ الزَمــانَ عَــلَيـهِ غَـيـرُ مُـؤتَـمَـنِ
مــا لي تَـخَـطَّتـ إِلَيَّ النـاسَ كُـلَّهُـمُ — أَيـدي الزَمـانِ عَـلى عَـمدٍ لِتَقتُلَني
قَـد صِـرتُ نَهـبَ هُـمـومٍ مُـذ أُصِبتُ بِهِ — حَـليـفَ حُـزنٍ مُـبـيـنَ السِـرِّ وَالعَـلَنِ
كَـأَنَّنـي حـيـنَ آوى اللَيـلُ مَـسـكَـنَهُ — سَــليــمُ أَربَــدَ يُـحـمـى لَذَّةَ الوَسَـنِ
عَــنِ البُــكــاءِ جَـلِيٌّ مـا أُصِـبـتُ بِهِ — إِذا لَيسَ لي بَعدَهُ ما مِنهُ يَكنِفُني
أَقــولُ إِذا سـاوَرَت قَـلبـي وَسـاوِسُهُ — إِلَيـكَ يـا اِبـنَ عَـلِيٍّ مُـشـتَكى حَزَني
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف النون — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الدرن: درن: الدَّرَنُ: الوسَخ، وَقِيلَ: تَلَطُّخُ الْوَسَخِ. وَفِي الْمَثَلِ: مَا كَانَ إِلا كَدَرَنٍ بكَفِّي، يَعْنِي دَرَناً كَانَ بإِحدى يَدَيْهِ فَمَسْحَهَا بالأُخرى، يُضْرَبُ ذَلِكَ لِلشَّيْءِ العَجِل. وَقَدْ دَرِنَ الثوبُ …
- الدمن: دمن: دِمْنةُ الدَّارِ: أَثَرُها. والدِّمْنة: آثارُ النَّاسِ وَمَا سَوَّدوا، وَقِيلَ: مَا سَوَّدوا مِنْ آثَارِ البَعَر وَغَيْرِهِ، وَالْجَمْعُ دِمَن، عَلَى بَابِهِ، ودِمْنٌ، الأَخيرة كسِدْرة وسِدْر. والدِّمْن: البَعَر. ود …
- الساق: السَّاقُ [ سوق]:[ مؤنّثة] ما بين الرُّكبة والقدم من الإنسان والحيوان فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا-: ما ببن الأَصل الى متشعّب الفروع والأَغصان من الشَّجرة والنّبتة فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَو …
- الفطن: فطن: الفِطْنَةُ: كَالْفَهْمِ. والفِطْنَة: ضِدُّ الغَباوة. وَرَجُلٌ فَطِنٌ بَيِّنُ الفِطْنة والفَطَنِ وَقَدْ فَطَنَ لِهَذَا الأَمر، بِالْفَتْحِ، يَفْطُنُ فِطْنَة وفَطُنَ فَطْناً وفَطَناً، وفُطُناً وفُطُونة وفَطانة وفَطَان …
- القطن: قطن: القُطُون: الإِقامة. قَطَنَ بالمكان يَقْطُنُ قُطُوناً: أَقام بِهِ وتَوَطَّنَ، فَهُوَ قاطنٌ؛ وَقَالَ الْعَجَّاجِ: ورَبِّ هَذَا البلدِ المُحَرَّمِ ... والقَاطِناتِ البَيْتَ غَيْرِ الرُّيَّمِ، قَواطِناً مكةَ مِنْ وُرْقِ …
- النجد: نجد: النَّجْدُ مِنَ الأَرض: قِفافُها وصَلَابَتُها[[. قوله [قفافها وصلابتها] كذا في الأصل ومعجم ياقوت أَيضاً والذي لأبي الفداء في تقويم البلدان قفافها وصلابها.]] وَمَا غَلُظَ مِنْهَا وأَشرَفَ وارتَفَعَ واستَوى، وَالْجَمْع …
- تخيرها: تَخَيَّرَ يتَخَيَّرُ تَخَيُّرا :- ـه: انتقاه واصطفاه؛ تَخَيَّره ليوكل إليه المهمّة الصعبة/ تَخَيَّرُوا لنُطَفكم فإنّ العِرْق دسّاس أي انتقوا أمهات أولادكم انتقاءً حسناً.