أَجَل إِنهُ رَبعُ الحَبيبِ فَسَلِّم
الشاعر: محمد بن عثيمين · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر محمد بن عثيمين، من العصر الحديث، وتقع في 77 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الميم.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أَجَل إِنهُ رَبعُ الحَبيبِ فَسَلِّم ... وَقِف نَتَبَيَّنــ ظاعِناً مِن مُخَيِّمِ
مَعاهِدُ حَلَّ الحُسنُ فيها نِطاقَهُ ... وَقُرَّةُ عَينِ الناعِمِ المُتَغَنِّمِ
عَهِدت بِها بيضاً أَوانِسَ كَالدُمى ... غَرائِرَ مَلهىً لِلمُحِبِّ المُتَيَّمِ
عَوابِثَ بِالأَلبابِ مِن غَيرِ ريبَةٍ ... نَوافِرَ بِالأَبدانِ عَن كُلِّ مَأثَمِ
وَقَفنا جُنوحاً بِالرُبوعِ فَواجِمٌ ... وَآخَرُ قَد أَدمى الأَصابِعَ بِالفَمِ
فَقُلتُ لِصَحبي رَفِّعوا العيسَ وَالطِموا ... بِأَخفافِها ظَهرَ الصَعيدِ المُرَكَّمِ
بَحائِبُ لَولا أَن عَرَفنا فُحولَها ... لَقُلنا لِهَيقٍ خاضِبِ الساقِ أَصلَمِ
طَوَينا بِها حَزنَ الفَلا وَسُهولَهُ ... وَقَد خَضَّبَتهُ مِن ظِلافٍ وَمَنسِمِ
إِذا ما أَدَرنا كَأسَ ذِكرِكَ بَينَنا ... يَكَدنَ يَطِرنَ بَينَ نَسرٍ وَمِرزَمِ
يُرِدنَ المَكانَ الخِصبَ وَالمُلِكَ الذي ... إِلَيهِ بَنو الآمالِ بِالقَصدِ تَرتَمي
إِمامَ بَني الدُنيا الذي شَهِدَت لَهُ ... عَلى رَغمِها أَملاكُها بِالتَقَدُّمِ
هُوَ المَلِكُ الحامي حِمى الدينِ بِالتُقى ... وَسُمرِ العَوالي رُكِّبَت كُلَّ لَهذمِ
لَهُ هَزَّةٌ في الجودِ تُغني عُفاتَهُ ... وَأُخرى بِها حَتفُ الكَمِيِّ المُعَلَّمِ
لَهُ سَلَفٌ يَعلو المَنابِرَ ذِكرُهُم ... وَيَنحَطُّ عَنهُ قَدرُ كُلِّ مُعَظَّمِ
هُمُ أَوضَحوا لِلنّاسِ نَهجَ نَبِيِّهِم ... بِمُحكَمِ آياتٍ وَشَفرَةِ مِخذَمِ
لُيوثٌ إِذا لاقَوا بُدورٌ إِذا اِنتَدَوا ... غُيوثٌ إِذا أَعطوا جِبالٌ لِمُحتَمِ
وَإِن وَعَدوا أَوفَوا وَإِن قَدَروا عَفَوا ... وَإِن حَكَّموهُم أَقسَطوا في المُحَكَّمِ
يَصونونَ بِالأَموالِ أَعراضَ مَجدِهِم ... إِذا ضَــــنَّ بِــــالأَمــــوالِ كُلُّ مُذَمَّمِ
وَهُم يُرخِصونَ الروحَ في حَومَةِ الوَغى ... إِذا كَعَّ عَنها كُلُّ لَيثٍ غَشَمشَمِ
أولئِكَ أَوتــــادُ البِــــلادِ وَنورُها ... صَنائِعُهُم فيها مَواقِعُ أَنجُم
مَضَوا وَهُمُ لِلنّاسِ في الدينِ قادَةٌ ... مَفاتيحُ لِلخَيراتِ في كُلِّ مَوسمِ
فَلَمّا غَشانا بَعدَهُم لَيلُ فِتنَةٍ ... بِهِ عَمَّ نَهبُ المالِ وَالسَفكُ لِلدَّمِ
أَغاثَ إلهُ العالَمينَ عِبادَهُ ... بِمَن شادَ رُكنَ الدينِ بَعدَ التَثَلُّمِ
إِمامُ الهُدى عَبدُ العَزيزِ بنُ فَيصَلٍ ... سِمامُ العِدى بَحرُ النَدى وَالتَكَرُّمِ
هُمامٌ أَقادَتهُ القَنا وَسُيوفُهُ ... وَهِمّاتُهُ أَن يَمتَطي كُلَّ مَعظَمِ
هُوَ القائِدُ الجُردَ العَناجيجَ شَزَّباً ... وَكُلَّ فَتىً يَحمي الحَقيقَةَ ضَيغَمِ
جَحافِلُ يَغشى الطَيرَ في الجَوِّ نَقعُها ... وَيُزعِجنَ وَحشَ الأَرضِ مِن كُلِّ مَجثَمِ
فَأَمَّنَها بِاللَهِ مِن أَرضِ جِلَّقٍ ... إِلى عَدَنٍ مُستَسلِماً كُلُّ مُجرِمِ
فَلا مُتهِمٌ يَخشى ظُلامَةَ مُنجِدٍ ... وَلا مُنجِدٌ يَخشى ظُلامَةَ مُتهِمِ
فَما أَعظَمَ النُغمى عَلَينا بِمُلكِهِ ... وَلكِنَّ بَعضَ الناسِ عَن رُشدِهِ عَمي
لَكَ الفَضلُ لَو تُرغِم أُنوفَ معاشِرٍ ... سَرَوا في دُجىً مِن حالِكِ الجَهلِ مُظلِمِ
يَعيبونَ بِالشَيءِ الذي يَأخذونَهُ ... فَوا عَجَباً مِن ظالِمٍ مُتَظَلِّمِ
تَنَزَّهتَ عَن فِعلِ المُلوكِ الذينَ هُم ... دُعوا أُمراءَ المُؤمِنينَ بِمَحكَمِ
فَلا شارِباً خَمراً وَلا سامِعاً غِنىً ... إِذا نُـــــقِـــــرَت أَوتـــــارُهُ لِلتَـــــرَنُّمِ
وَلا قَولَ مَأمونٍ نَحَلتَ وَلا الذي ... أَتى بَعدَهُ في عَصرِهِ المُتَقَدِّمِ
وَكُلُّهُمُ يُدعى خَليفَةَ وَقتِهِ ... وَطاعَتُهُ فَرضٌ عَلى كُلِّ مُسلِمِ
وَلكِن نَصَرتَ الحَقَّ جُهدَكَ وَاِعتَلَت ... بِكَ السُنَّةُ الغَرّاءُ في كُلِّ مَعلَمِ
فَأَصبَحَتِ الدُنيا وَريفاً ظِلالُها ... عَروساً تُباهي كُلَّ بِكرٍ وَأَيِّمِ
وَأَلَّفتَ شَملَ المُسلِمينَ وَقَد غَدَوا ... أَيادي سَبا ما بَينَ فَذٍّ وَتَوأَمِ
عَفَوتَ عَنِ الجاني وَأَرضَيتَ مُحسِناً ... وَعُدتَ بِإِفضالٍ عَلى كُلِّ مُعدِم
فَلَو أَنَّهُم أَعطوا المُنى في حَياتِهِم ... وَقَوكَ الرَدى مِنهُم بِكُلِّ مُطَهَّمِ
فَلَولاكَ لَم تَحلُ الحَياةُ وَلم يَكُن ... إِلَيهِم لَذيذاً كُلُّ شَربٍ وَمَطعَمِ
بَنَيتَ بُيوتَ المَجدِ بِالبيضِ وَالقَنا ... وَسُدتَ بَني الدُنيا بِفَضلِ التَكَرُّمِ
وَما الجودُ إِلّا صورَةٌ أَنتَ روحُها ... وَلَولاكَ أَضحى كَالرَميمِ المُرَمَّمِ
وَطابَ لِأَهلِ المَكَّتَينِ مَقامُهُم ... وَقَبلَكَ كانوا بَينَ ذُلٍّ وَمَغرَمِ
يَسومونَهُمُ أَعرابُهُم وَوُلاتُهُم ... مِنَ الخَسفِ سَومَ المُستَهانِ المُهَضَّمِ
فَأَضحَوا وَهُم عَن ذا وَذاكَ بِنَجوَةٍ ... مُحِلُّهُمُ في أَمنِهِ مِثلُ مَحرِمِ
فَسَمعاً بَني الإِسلامِ سَمعاً فَما لَكُم ... رَشادٌ سِوى في طاعَةِ المُتَيَّمِ
أَديموا عِبادَ اللَهِ تَحديقَ ناظِرٍ ... بِعَينَي فُؤادٍ لا بِعَينِ التَوَهُّمِ
وَقوموا فُرادى ثُمَّ مَثنى وَفَكِّروا ... إِذا ما عَزَمتُم فِكرَةَ المُتَفَهِّمِ
إِذا لَم يَكُن عَقلٌ مَعَ المَرءِ يَهتَدي ... بِه رَبُّهُ في الحادِثِ المُتَغيهِمِ
وَيَنظُرُ في عُقبى العَواقِبِ عارِفاً ... مَصادِرَهُ في المَورِدِ المُتَقَحَّمِ
وَلا يَحمَدُ المَرقى إِذا ما تَصَعَّبَت ... مَسالِكُهُ عِندَ النُزولِ فَيَندَمِ
فَإِنَّ الفَتى كُلَّ الفَتى مَن إِذا رَأى ... لهُ فُرصَةً أَهوى لها غَيرَ محجِمِ
فَإِن خافَ بِالإِقدامِ إيقاظَ فِتنَةٍ ... تُغِصُّ بريقٍ أَو تَجيءُ بِمُؤلِمِ
تَرَقَّبـــ وَقتَ الإِقتِدار فَرُبَّما ... يُغاثُ بِيَومٍ لِلمُعادينَ أَشأَمِ
فَما كَلَّفَ اللَهُ اِمرءاً غَيرَ وُسعِهِ ... كَما جاءَ نَصّاً في الكِتابِ المُعَظَّمِ
وَما العَقلُ إِلّا ما أَفادَ تَفَكُّراً ... بِمُستَقبَلٍ أَو عِبرَةً بِالمُقَدَّمِ
لَكُم زائِدٌ عَنكُم بِسَيفٍ وَمُنصَلٍ ... وَرَأيٍ كَمَصقولِ الجُزازِ المُصَمِّمِ
قِفي رَأيِهِ إِصلاحُ ما قَد جَهِلتُمُ ... وَفي سَيفِهِ سُمٌّ يَدافُ بِعَلقَمِ
أَلَيسَ الذي قَد قَعقَعَ البيضَ بِالقَنا ... وَخَضَّبَها مِن كُلِّ هامٍ وَلَهذَمِ
وَأَنعَلَ جُردَ الخَيلِ هامَ عِداتِهِ ... كَأَنَّ حَواميها خُضِبنَ بِعَندَمِ
دَعوا اللَيثَ لا تَستَغضِبوهُ فَرُبَّما ... يَهيجُ بِدَهيا تَقصِمُ الظَهرَ صَيلَم
فَما هُوَ إِلّا ما عَلِمتُم وَما جَرى ... بِأَسماعِكُم لا بِالحَديثِ المُرَجَّمِ
وَقائِعُ لا ما كانَ بِالشِعبِ نِدُّها ... وَلا يَومُ ذي قارٍ وَلا يَومُ مَلهَمِ
يُحَدِّثُ عَنها شاهِدٌ وَمُبَلِّغٌ ... وَيَنقُلُها مُستَأخرٌ عَن مُقَدَّمِ
لَها أَخواتٌ عِندَهُ إِن تَصَعَّرَت ... خُدودٌ بِتَسويلِ الغَرورِ المُرَجِّمِ
جَوادٌ بِما يَحوي بخيلٌ بِعِرضِهِ ... وَإِن ضَرَّسَتهُ الحَربُ لَم يَتَأَلَّمِ
أَخوها وَما أَوفَت عَلى العَشرِ سِنُّهُ ... يَحُشُّ لَظاها بِالوَشيجِ المُقَوَّمِ
إِلَيكَ إِمامَ المُسلِمينَ زَفَفتُها ... لَها بِكَ فَخرٌ بَينَ عُربٍ وَأَعجُمِ
إِذا أُنشِدَت في مَحفِلٍ قالَ رَبُّهُ ... أَعِدها بِصَوتِ المُطرِبِ المُتَرَنِّمِ
يَقولُ أُناسٌ إِنَّما جاءَ مادِحاً ... لِيَحظى بِسَجلٍ مِن نَداكَ المُقَسَّمِ
وَما عَلِمَ الحُسّادُ أَنّي بِمَدحِكُم ... شَرُفتُ وَعِندي ذاكَ أَكبَرُ مَغنَمِ
وَكَم رامَهُ مِنّي مُلوكٌ تَقَدَّموا ... وَقَبلَكَ ما عَرَّضتُ وَجهي لِمُنعِمِ
وَكَم جَأجَاوا بي لِلوُرودِ فَلَم أَكُن ... لِأَشـــــرَبَ مِـــــن مــــاءٍ وَبٍ مُــــتَــــوَخِّمِ
وَلَولاكَ أَمضَيتُ الرِكابَ مُبادِلاً ... عَلَيهِنَّ أَو سُفنٍ عَلى البَحرِ عوَّمِ
وَصَلِّ عَلى المُختارِ رَبّي وَآلِهِ ... وَأَصحابِهِ وَالتابِعينَ وَسَلِّم
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الميم، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من مفردات الراغب، لسان العرب، مقاييس اللغة:
- الساق: سَوْقُ الإبل: جلبها وطردها، يقال: سُقْتُهُ فَانْسَاقَ، والسَّيِّقَةُ: ما يُسَاقُ من الدّوابّ. وسُقْتُ المهر إلى المرأة، وذلك أنّ مهورهم كانت الإبل، وقوله: ﴿إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ﴾ [القيامة : 30] ، نحو قوله: ﴿و … (مفردات الراغب)
- الصعيد: صعد: صَعِدَ المكانَ وَفِيهِ صُعُوداً وأَصْعَدَ وصَعَّدَ: ارْتَقَى مُشْرِفاً؛ وَاسْتَعَارَهُ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ للعرَض الَّذِي هُوَ الْهَوَى فَقَالَ: فأَصْبَحْنَ لَا يَسْأَلْنَهُ عنْ بِما بِهِ، ... أَصَعَّدَ، فِي عُلْوَ، … (لسان العرب)
- المركم: ركم: الرَّكْمُ: جَمْعُكَ شَيْئًا فَوْقَ شَيْءٍ حَتَّى تَجْعله رُكاماً مَرْكُومًا كَرُكَامِ الرَّمْلِ وَالسَّحَابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْءِ المُرْتكِم بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ. رَكَمَ الشَّيْءَ يَرْكُمُه إِذا جَمَعه وأ … (لسان العرب)
- الناعم: نعم: النَّعِيمُ والنُّعْمَى والنَّعْمَاء والنِّعْمَة، كُلُّهُ: الخَفْض والدَّعةُ والمالُ، وَهُوَ ضِدُّ البَأْساء والبُؤْسى. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُ؛ يَعْنِي فِ … (لسان العرب)
- بالربوع: ربع: الأَربعة والأَربعون مِنَ الْعَدَدِ: مَعْرُوفٌ. والأَربعة فِي عَدَدِ الْمُذَكَّرِ والأَربع فِي عَدَدِ الْمُؤَنَّثِ، والأَربعون بَعْدَ الثَّلَاثِينَ، وَلَا يَجُوزُ فِي أَربعينَ أَربعينُ كَمَا جَازَ فِي فِلَسْطِينَ وَب … (لسان العرب)
- بالفم: (فَمَّ) الْفَاءُ وَالْمِيمُ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُ الْفَمِ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعُهُ، لَكِنْ حُكِيَ فُمٌّ بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيدِ. قَالَ: يَا لَيْتَهَا قَدْ خَرَجَتْ مِنْ فُمِّهْ (مقاييس اللغة)
- بحائب: حأب: حافِرٌ حَوْأَبٌ: وَأْبٌ مُقَعَّبٌ؛ ووادٍ حَوْأَبٌ: واسِعٌ. الأَزهري: الحَوْأَبُ: وادٍ فِي وَهْدةٍ مِنَ الأَرضِ واسِعٌ. ودَلْوٌ حَوْأَبٌ وحَوْأَبَةٌ، كَذَلِكَ، وَقِيلَ: ضَخْمةٌ. قَالَ: حَوْأَبةٌ تُنْقِضُ بالضُّلُّوعِ … (لسان العرب)