بين نعمان منزل وكساب

الشاعر: أبو اليمن ابن عساكر · البحر: الخفيف · الغرض: قصيدة شوق

هذه القصيدة من شعر أبو اليمن ابن عساكر، من العصر المملوكي، وتقع في 154 بيتًا. نُظمت على بحر الخفيف، ورويّها حرف الباء، وغرضها قصيدة شوق.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

بين نعمان منزل وكساب ... جادت السحب رسمه بانسكاب

معهد للرباب سقيا لعهدي ... في رباهــ، سقته ذات الرباب

مربع للهوى ومرتبع الحبب ... قديما، ومجمع الأحباب

ومغاني العشاق يصبوا إليها ... كل صب فدمعه في انصباب

تربة تكحل النواظر منها ... من عماها وملعب الأتراب

ولديها الأرواح قد خوطبت قد ... ما فلبت طوعا لخير مجاب

وأقرت بالحب حقا لمحبوب ... بديع الصفات سامي الجناب

فاجتباها بقربه وسقاها ... من صفا حبه طهور الشراب

ثم آبت فألقيت ثم سكرى ... منه حتى تلقاه يوم المآب

وهي ترتاح كل عام إليها ... كلفا بالتذاذ ذاك الخطاب

أيها الساطر الفلا بحروف ... كحروف قد سطرت في كتاب

فهي تهوى إلى تهامة شوقا ... جاد تلك الرسوم هامي السحاب

أنت إما عرضت عرض بذكري ... في سراة النادي وبين صحاب

أهل ودي والنازلون بقلبي ... وإليهم في النازلات انقلابي

بــــيننا ذمة وعهد وداد ... قد صفا بالصفا من الأشواب

ما تناسيته لعمريـ، وظني ... أنهم في الهوى بهم مثل ما بي

بث شوقي إن أنت آنست منهم ... شرح شكوى أو نلت رجع جواب

ناد باسمي بين المشاعر وأنشد ... عن فؤادي ما بين تلك الشعاب

لا خلت منك مكة يا أبا اليمن ... تلقى رحبا بتلك الرحاب

حيث تضحى وأنت لله جار ... عــــائذ الله بين ركن وباب

ماسحا تارة وملتزما أخرى ... تمد الأستار بالأطناب

إن خلا منك مشعراها فقد كنت ... قطينا بها مدى أحقاب

طالما قد نعمت عينا بنعمان ... وشــــطــــي إلال بين الهضاب

ولكــــم عــــوارف حــــيــــن عرفت ... تــــعــــرفتها حسان عذاب

حيث تستنزل المواهب من بر ... رحـــــيـــــم ومـــــنـــــعـــــم وهـــــاب

بين شعث غبر أفاضوا عشاء ... قد أفاضوا دموعهم بانسكاب

فلكم نلت جمع شمل بجمع ... بجدا محسب بغير حساب

وبرمي الجمار وفيت نذرا ... بانقضاء الأتفاث والآراب

ثم وافيت فاستلمت وجددت ... مــــتــــابــــا للغــــافر التواب

ورقيت الصفا فأحرزت سعيا ... صالحا إذ سعيت سعي مثاب

ثم ودعت وانصرفت ترجي ... عــــودة فــــي تأسف واكتئاب

يا رعى الله عهد وصل تقضى ... بالغزال الربيب بين الروابي

إذ مصيفي على العذيب ونجعي ... بين ياج إلى صفاء السباب

وسقى ليلة على عذب السقيا ... سقينا بها كئوس عذاب

إذ تنص الركاب يجرين شوقا ... يتخللن بين بيض القباب

ثم زاحمن في المضيق إلى أن ... بعد لأي أجزن نجد الحقاب

يا ليالي منى لعمري لفيكن ... منال المنى ونيل المتاب

ولأنـــــــتـــــــن غــــــرة لليــــــالي ... في وجوه الأيام كالأذهاب

تتقضى بالذكر والشكر لله ... وجمع الأصحاب والأحباب

هل إلى عودة سبيل لنلقى ... ملطفات العتاب بالأعتاب

طال عهدي بها فهل لي إليها ... من معاد يطفي حريق التهاب

ظلت تشتاقها وأنت نزوح ... شــــوق صــــب إلى الأحــــبة صاب

شمت برقا يمانيا من شام ... من تهام على نوى واغتراب

بت تستنشق الجنوب وقد هبت ... بـــــليـــــل بـــــليـــــلة الأثــــواب

كيف جانبتها وأنت محب ... هل محب رأيته ذا اجتناب

فاحمد الله إذ بطيبة طابت ... أنت ثاو فكنت طاب ابن طاب

بين قبر ومنبر أنت منها ... غاديا رائحا بلا إغباب

في رياض من جنة الخلد تمشي ... في ممر من رسمها وذهاب

جار خير الأنام والمصطفى الهادي ... إلى الله الكــــريــــم والنصاب

أفضل المرسلين حقا بلا شكك ... وخير الورى بغير ارتياب

صفوة المصطفين أفرد بالحب ... وبــــالقــــرب فــــهو لب اللباب

مــــخــــلص مــــن شــــوائب وحظوظ ... معرق الخيم طاهر الأنساب

حين قدرا فلم يكن من سفاح ... بل نكاح مؤكد الأسباب

من خيار القرون قرنا فقرنا ... وكــــــرام الأرحـــــام والأصـــــلاب

في الصبا قد حمي نهى عن تعريه ... وعــــن وقــــفــــة لدى الأنــــصــــاب

غصن ماد بين غصنين حسنا ... أتلع الحيد أوطف الأهداب

وجبين كأنه فلق الصبح ... يــــجــــلي حــــنادس الغيهاب

وله مــــنطق ألذ إلى السمع ... من المسمعات بالإطراب

بــــخطاب جزل وقول بليغ ... منه فصل من غير ما إغراب

وإذا ساقط الحديث حسبت الدر ... حسنا تساقطت من سخاب

من فم أشنب اللثات ضليع ... بارد الظلم واضح الأنياب

وثنايا كاللؤلؤ الرطب منظوما ... عـــــذاب مـــــعـــــســـــلات الرضــــاب

شيم قدست وتمم منها ... كل نقص للعنصري التراب

وخــــلال مــــا شــــانــــهــــا خــــلل ... لا في اكتهال ولا بحال شباب

فهو بدر في جنح ليل تجلى ... وهو شمس بدت خلال سحاب

وهو نور في لمعة قد تراءى ... قد توارى من ظله في حجاب

شرح الصدر منه فهو مصفى ... قد تزكي من كل ذام وعاب

أول الناس عنه تنحسر الأرض ... وأولاهــــــم بــــــقــــــرع البــــــاب

عقدت في يديه ألوية الحمد ... لأمر فأعجب لأمر عجاب

فعلى جاهه أولو العزم جمعا ... قد أحالوا في المعضلات الصعاب

وإلى ظـــــله أووا فـــــتـــــراهـــــم ... في جنوح إلى جناح العقاب

والمقام المحمود ما قام فيه ... غــــيــــره مــــن أولئك الأنجاب

كاشفا كل كرب خطب عن الناس ... بــــــرجــــــع لربــــــه وخــــــطــــــاب

وبشير عند الإياس بفضل ... وخطيب لهم بفضل الخطاب

وإلى الله صحبة الروح أسرى ... فــــحباه بزلفة واقتراب

كم محي له وكم من ملاقــ! ... إذ سما في السماء بالترحاب

كم مراق إلى العلا قد ترقى! ... فتحت بالمنى له كل باب

فانتهى منتهى به قد تناهى ... بالقضايا مطالب الطلاب

ثم أدنى حبا وأزلف حتى ... كان أدنى إليه من قدر قاب

وله البــــــدر شــــــق إذ ســــــألوه ... آيــــة جهرة بنص الكتاب

ليس فيها للخلق صنع فتلفي ... شبهة ما لمنكر الحق آب

شاهدته قريش والسفر أنيا ... أنهم شاهدوه عند الإياب

وله الكوثر الروي من معين ... سلسبيل يمد في ميزاب

وعداد الكواكب الزهر فيه ... مــــن أبــــاريقه ومن أكواب

طينه المسك حف من حافتيه ... بــــقــــصــــور مــــن لؤلؤ وقباب

رب أبرد ظما أبي اليمن ريا ... بــــورود مــــن شرب ذاك الشراب

لا تحلئه باقتراف لسوء ... عن ورود من مائه واكتساب

وحمام على فم الغار عششن ... فأعشين عين المرتاب

وكــــذا الراه إذ تــــولج فــــيــــه ... نبتت ثم فهي ذات انشعاب

قد توارى من كيدهم ثاني اثنين ... فكانا عن مكرهم في حجاب

واسأل المدلجي سراقة عنهم ... آب عنهم وحد عداوة ناب

إذ يَقُولُ الصديق إنا أتينا ... فانبرى عنه طرفه وهو كاب

جاء يسطو فعاد قد عاذ منه ... بأمان لنفسهـــ، وكتاب

وإليه الأشجار مما دعاها ... قد أتته تخد خد التراب

ثم عادت إلى المنابت سعيا ... ســــاريات العروق في أسراب

وبكفيه سبحت حصيات ... أسمعتهم فهن ذات اصطخاب

نبع الماء من أنامله الخمس ... غزيرا مدغفقا ذا عباب

وبتصديقه قد اعترف الضبب ... مــــقــــرا فــــآمــــن الأعــــرابــــي

وبصاع وبهمة أشبع الألف ... فشادوا نقاب تلك الجوابي

زود الجيش مرملين حييسا ... فضل تمر أحصوه ملء جراب

وعلى فقده فقد ردد الجذع ... حنينا لبعده بانتحاب

وحقيق لأعين فارقته ... أن تسح الدموع سح السحاب

فعلى فرقة الأحبة يبكي ... كل ناء المزار بعد اقتراب

فانثنى نحوه يسكن منه ... باحتضان له جوى الأوصاب

أين منا النشيج خوف نواه ... من أنين الجماد والأخشاب

فض جمع الأعداء يوم حنين ... إذ رماهم بقبضة من تراب

وإذا مــــا نــــوى قــــتــــال عــــدو ... قذفوا في القلوب بالإرعاب

وثلاث في أمر زينب آيات ... عظام منها نزول الحجاب

جاءها فابتنى بها حكمة الله ... بــــــلا شـــــاهـــــد ولا خـــــطـــــاب

بل خصوصية بها خصه الله ... فكانت تسمو على الأتراب

ولكــــم آيــــة وكــــم مــــن دليــــل ... قد أزالت عماية الارتياب

ذاكم الفخر لا ممالك سابور ... ولا الهرمزان في الأحقاب

فأطل أو فأقصر لمدح فيه ... بارتجال للنظم أو باقتضاب

وصـــــفـــــه بــــيــــن لكــــل رســــول ... نعته مثبت بكل كتاب

خصه الله بالمحبة والخلة ... مع رفع ذكره المستطاب

ورؤوف بالمؤمنين رحيم ... غــــيــــر فــــظ جــــاف ولا صحاب

وهــــدانــــا بــــه الإله فــــجــــلى ... ظلم الظلم فهي ذات انجياب

فعلا دينه على كل دين ... مذهبا باقيا بغير ذهاب

وحــــبيب مدلل بالأماني ... ورســــول مــــظــــلل بــــالســــحــــاب

ذاكم المصطفى المحب ومن ذا ... لسواه في فضله بالمحاب

أو حـــــبـــــا له ســـــلام مـــــحــــب ... شــــفــــه شوقه إلى الأحباب

غض صوتا لدى السلام وكن منه ... لرد عــــليــــك فــــي الارتــــقــــاب

لا تطأ أرضه بنعل وطأها ... بجفون العيون والأهداب

انتشق تربه وقبله واخضع ... وتوسد شريف تلك القباب

وتضرع والصق به القلب كيما ... ينثني عن ولوعه ذا انقلاب

لا تضمخ منك الترائب طيبا ... بل تضمخ بطيب ذاك التراب

وتشفع به إلى الله تسلم ... مــــن عــــذاب خــــزي وخزي عذاب

عذ به في النجاة فهو معاذ ... وتــــوســــل ولذ بــــذاك الجناب

وتأدب فلا يكن منك إخلال ... وزم الخــــــــــــلال بــــــــــــالآداب

إن حــــــــبـــــــي له لزام ولمـــــــا ... يـــــزل الحـــــب لازم الأحــــبــــاب

واشتياقي إليه شوق معنى ... مفرط في صبابة واكتئاب

رب أنعم عيني برؤياه لا عن ... جنب منه بل بغير اجتناب

واشف بالقرب منه غلة شوقي ... فلبعدي عنه لقد جل ما بي

يا شفيع العصاة كن لي إلى الله ... شفيعا من الأليم العذاب

فبحسبي بأن تكون شفيعي ... عند رب العباد يوم الحساب

جئت أشكو بثي لعلك تشكي ... لمــــرزا فــــي ديــــنــــه ومصاب

قد توالت إلى الخطايا خطاه ... وأقل الأعباء من كل عاب

مسرفا في ارتكابها ومصرا ... والجا في الذنوب من كل باب

فأعنه بعطفه لتقوي منه ... عزما على التقى باحتساب

عله أن ينيب منها إلى الله ... بصدق مستعصما بمتاب

وحنان برأفة منك تهديه ... وتنجيه من شديد العقاب

أرتــــجي وصلة لديك وما لي ... ســــبب موصل من الأسباب

غير حبي له وأرجو بحبي ... ولآل النــــــبــــــي والأصـــــحـــــاب

فاسأل الله لي صلاح فسادي ... وادع لي بالهدى دعاء مجاب

صــــلوات الإله تــــتــــرى عليه ... باقيات على مدى الأحقاب

وعــــــــلى آله الذي تـــــــزكـــــــوا ... ليس فيهم لعائب من معاب

حبهم مذهبي بغير غلو ... وإليهم إما دعيت انتدابي

ورضـــــاه ورحـــــمــــة مــــن لدنــــه ... تتوالى على جميع الصحاب

يا آلهي وأنت ربي وحسبي ... بك ربا أحسن إليك مآبي

وأجزني على الصراط برحمي ... منك أنجو بها ويسر حسابي

لا كتابي تنشره إي رب واصفح ... عن طوايا صحائف الكتاب

فذنوبي كثيرة ليس تحصى ... وعيوبي شتى ملأن عيابي

فأقل عثرتي وثبت فؤادي ... لا يزغ في مواطن الإرهاب

واعف عني وارحم وسامح وأعتق ... ني من النار يوم فك الرقاب

البحر والقافية

القصيدة على بحر الخفيف. من أعذب البحور وأكثرها شيوعًا بعد الطويل والكامل، خفيف على السمع يصلح لأغراض كثيرة.

تفعيلاته: فاعلاتن مستفعِ لن فاعلاتن.

القافية: رويّها حرف الباء، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:

  • الحبب: حبب: الحُبُّ: نَقِيضُ البُغْضِ. والحُبُّ: الودادُ والمَحَبَّةُ، وَكَذَلِكَ الحِبُّ بِالْكَسْرِ. وحُكِي عَنْ خَالِدِ بْنِ نَضْلَة: مَا هَذَا الحِبُّ الطارِقُ؟ وأَحَبَّهُ فَهُوَ مُحِبٌّ، وَهُوَ مَحْبُوبٌ، عَلَى غَيْرِ قِيَ … (لسان العرب)
  • الرباب: ربب: الرَّبُّ: هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، هُوَ رَبُّ كلِّ شيءٍ أَي مالكُه، وَلَهُ الرُّبوبيَّة عَلَى جَمِيعِ الخَلْق، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَهُوَ رَبُّ الأَرْبابِ، ومالِكُ المُلوكِ والأَمْلاكِ. وَلَا يُقَالُ الربُّ فِي غَي … (لسان العرب)
  • بقربه: قرب: القُرْبُ نقيضُ البُعْدِ. قَرُبَ الشيءُ، بِالضَّمِّ، يَقْرُبُ قُرْباً وقُرْباناً وقِرْباناً أَي دَنا، فَهُوَ قريبٌ، الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ وَالْجَمِيعُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِ … (لسان العرب)
  • تكحل: كحل: الكُحْل: مَا يُكْتَحَلُ بِهِ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: الكُحْل مَا وُضِع فِي الْعَيْنِ يُشتَفى بِهِ، كَحَلَها يَكْحَلها ويَكْحُلها كَحْلًا، فَهِيَ مَكْحُولة وكَحِيل، مِنْ أَعين كُحْلاء وكَحَائِل؛ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ؛ و … (لسان العرب)
  • خوطبت: خطب: الخَطْبُ: الشَّأْنُ أَو الأَمْرُ، صَغُر أَو عَظُم؛ وَقِيلَ: هُوَ سَبَبُ الأَمْر. يُقَالُ: مَا خَطْبُك؟ أَي مَا أَمرُكَ؟ وَتَقُولُ: هَذَا خَطْبٌ جليلٌ، وخَطْبٌ يَسير. والخَطْبُ: الأَمر الَّذِي تَقَع فِيهِ المخاطَبة، … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة