خليليَّ ما بال النسيم الذي سرى
الشاعر: شرف الدين الحلي · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر شرف الدين الحلي، من العصر الأيوبي، وتقع في 87 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
خليليَّ ما بال النسيم الذي سرى ... تعرض مكيّ الشذا متعطرا
أحدَّث عن دارين أم مرَّ ركبه ... بليل على أرض العراق وما درى
فهل فيه لي من نفحة بابليّة ... تبرد من حرّ الجوى ما تَسَعَّرا
أجل باشر الترب العراقيّ لاثم ... فعبقة هذا العَرْف من ذلك الثرى
ولو لم يكن فيه إِلَيَّ تحية ... لما بات من نشر العبير معبرا
ولم يدر قولي ما روى غير قوله ... سما لك شَوْقٌ بعد ما كان أقصرا
فلله ما أهدى وإن هو لم يهج ... بــــمــــسراه إلا لوعة وتذكرا
حمى الله من ريب الحوادث بالحمى ... وُجُوهاً تروق العين حسناً ومنظرا
وذي هَيَفٍ في البان منه وفي النقا ... مــــشــــابــــهة يضم ويهصرا
تأوّد غضّاً فاجتنيت صبابة ... وصِدْت غراماً إذ تَلَفَّتَ جؤذرا
وأرخى على ديباجة الخدّ صدغه ... فسبحان كاسيه الجمال مشهرا
هتفت به إذ أظهر الصبح شخصه ... وقد كان سرّاً في حشا الليل مضمرا
وقد لاح برق فوق أعلام جوشن ... توهمه نارا فخف إلى القِرا
أمامك ردْ روض المحامد مخصباً ... أريضاً وَرِدْ حوض الندى متفجِّرا
وناد غياث الدين غازي بن يوسف ... يغثك وحدث بعد ذاك بما ترى
وقل نصب الناس الخطوب وبايعوا ... لها فاخلع الجور الذي شمل الورى
تجد ملكاً لو لامس الطَّوْد عزمه ... تزلزل أو مس النسيم تسعرا
سما بالندى كعباً وبالحلم أحنفاً ... وبالحكم لقماناً وبالبأس عنترا
فيا متحف الدنيا بعز محاسن ... غدت من جبين الشمس أبهى وأنورا
إليك مآل الأمر والله كافل ... بما سيرى عمّا قليل ميسرا
فلا بد من يوم إذا صَلَّت الظُّبا ... ونامت خطيباً كانت الهام منبرا
وتنكشف الغمّاء والملك لائذٌ ... بعفوك يستجدي رضاك لتغفرا
هنالك ما بيني وبين سعادتي ... أمامك إلا أن أقوم مبشّرا
فدمت لما أرجو وترجو لك العلا ... من الملك ممتدّ البقاء معمرا
وهنئتها من ليلة سترى لها ... نظائر تغنيها دهوراً وأمصرا
وأولاهمُ بالملك أصيد ما بدت ... له فــــــرص الإقـــــدام إلا وشَـــــمَّرا
هو الظاهر الغازي الغياث الذي غدت ... به هضبات الملك شامخة الذُّرى
فتى لو يحوز الأرض قالت سعوده ... وإنا لنبغي فوق ذلك مظهرا
مليك إذا عُدَّتْ مساعيه في العلا ... رأيت جبين المجد أبلج أزهرا
وإن جردت أسيافه وتعثرت ... بهام أعاديه كسا الجو عِثْيرَا
فيا غامري بالجاه والمال بعدما ... رأيت بعيني أيمن الحظ أيسرا
يميناً لقد أبديت كل عجيبة ... يراع لها من كان مثلي مبصرا
تباينت إعطاءً وحلماً وبهجةً ... وبأساً فسبحان الذي لك صوَّرا
تجود وتعفو ثم تندى طلاقة ... وتسطو فقد أكثرت فيك التفكرا
فبينا أرى بحراً أرى الطَّوْدَ راسياً ... وبينا أرى بدراً أرى الليث مخدرا
أجل هذه أوصاف أبلجَ لم يزل ... إذا صال منصور اللواء مظفَّرا
تقدم بالسعي الذي نال إرثه ... ومن لم تقدمه المساعي تأخرا
وذي أمل في البيد طال سفاره ... فلم ير صبحاً من أمانيه مسفرا
إذا قطعت أوصال أرض ركابه ... فقد وصلت ذيل الهواجر بالسرى
ترامت به الآمال في كل فدفدٍ ... من الأرض حتى عاد أشعث أغبرا
كأنَّ ابن حُجْرٍ قد عناه بقوله ... نحاول ملكاً أو نموت فنقبرا
فلما براه الوجد حتى أعاده ... شبيهاً بأرسان النوافح في البُرا
فقم إلى اللهو يا نديمي ... فــــإنما العمر مستعار
واخــــل هــــمــــومــــي بــــبــــنــــت دَن ... فــــي مــــثــــلها يخلع العذار
فــــقــــد تــــولى الصــــيــــام عنا ... يـــــتـــــبــــعــــه النُّســــْكُ والوقــــار
وآن أن تــــــــرتــــــــوي نـــــــفـــــــوس ... إلى لذاذاتــــــــــهــــــــــا حِــــــــــرَار
ودولة الورد حــــكــــمــــا لا تُجِي ... زُ أن تُـــــــحْـــــــبَــــــسَ العُــــــقــــــار
أمــــــا تــــــرى الجـــــو والغـــــوادي ... قــــــد مــــــدّ فــــــيـــــه لهـــــا إزار
والشــــمــــس تــــبدو كوجه خَوْد ... للغــــيــــم مــــن فــــوقــــه خــــمــــار
والبــــرق يــــحــــكــــي مــــهــــنــــداتٍ ... فــــي هــــبــــواتٍ لهــــا اشــــتهار
والرعـــــد يـــــعــــلو له حــــنــــيــــن ... فــــيــــه كــــمــــا حنَّتـــ العشار
وفــــوق درع الغــــديــــر يــــهــــفــــو ... لواء دوح له انــــــــــتـــــــــشـــــــــار
فــــاء عــــلى مــــثــــنه فخلنا ... مـــــاويّـــــة مـــــســـــهـــــا غـــــبــــار
تــــطــــلق خــــيــــل الريــــاح فيه ... ســــنــــابــــكــــاً ما لها عثار
إذا المــــذاكــــي أثــــرن نــــقعاً ... فــــإنما نقعها البحار
فَــــصْــــلٌ له فــــي الزمــــان فَــــضْــــلٌ ... عــــلى الأحــــايــــين وافتخار
كـــــــأنـــــــه الغـــــــيـــــــاث خــــــلق ... طــــابــــت مــــجــــاريــــه أو نجار
الظــــاهــــر المــــرتــــجــــى نــــوالاً ... تــــغــــرق في جنبه البحار
مــــــلك بـــــه تـــــفـــــرح الرزايـــــا ... كــــمــــا تــــجــــلى بــــه الغــــمــــار
ســــعــــى فــــأفــــضــــى إلى مــــنــــار ... أشــــــم مــــــا فـــــوقـــــه مـــــنـــــار
وحــــــل مــــــن مـــــلكـــــه مـــــحـــــلاً ... ليـــــس عـــــلى فـــــخـــــره فـــــخـــــار
لو جــــــرت الهُــــــوج فــــــي مــــــداه ... حـــــاق كَـــــلاَلاً بـــــهـــــا البــــوار
أو طــــار نَسْرُ النجوم فيه ... أســـــــقـــــــطــــــه ذلك المــــــطــــــار
طــــود نــــهــــى مــــاله انــــتهاء ... بــــــحــــــر نــــــدى مــــــاله قــــــرار
شـــــمـــــس هـــــدى مـــــاله كـــــســـــوف ... بــــــــدر عُــــــــلاً مـــــــاله سَـــــــرَار
للنـــــــاس مـــــــن نـــــــائل وبـــــــأس ... فـــــــي يـــــــده جـــــــنـــــــة ونــــــار
لا خـــــلق إلا بـــــه احـــــتـــــيــــاج ... إلى أيــــــاديــــــه وافــــــتـــــقـــــار
حـــــيـــــاتـــــنـــــا فــــي ذراه ربــــح ... والعـــــيـــــش مــــن دونــــه خــــســــار
للمــــجــــد أنــــس بــــجــــانــــبيه ... وفـــــيـــــه عــــن غــــيــــره نــــفــــار
القــــــائد الجـــــيـــــش كـــــل قـــــلب ... مــــن وقــــع أســــيــــافــــه مــــطــــار
نـــــهـــــاره بـــــالعـــــجـــــاج ليـــــل ... وليـــــله بـــــالظّـــــبـــــا نـــــهـــــار
يــــشــــرع فــــيــــه قــــنــــا طــــوالاً ... أعـــــمـــــار أعـــــدائهـــــا قــــصــــار
فـــــكـــــل ذي ثـــــعـــــلب خــــضــــيــــب ... مـــــــن صـــــــدر ليـــــــث له وجـــــــار
تــــظــــلّ خُــــرصــــانــــهــــا قــــيــــام ... حـــــكـــــى دخـــــانـــــاً بـــــه شـــــرار
لم نر من قبلها نجوماً ... فــــي شــــجــــرات لهــــا اســــتجار
إذا ســــــقــــــاهــــــا دم الأعــــــادي ... فــــهــــامــــهم فوقها نثار
يــــزأر فــــي جــــانــــبــــيــــه ليــــث ... له القــــــنــــــا والســــــيــــــوف دار
يــــجــــيــــر مــــن حــــادث الليــــالي ... إذا المــــلوك اعــــتــــدوا وجــــاروا
أقــــصــــى غناهم لديه فقر ... وعــــــزهــــــم عــــــنــــــده صَـــــغَـــــار
مــــا اقتدروا حاكمين إلا ... كـــــان عـــــليــــهــــم له اقــــتــــدار
يــــــا مــــــن لآمــــــالنـــــا طـــــواف ... بــــبيت نعماه واعتمار
أغنيتني أن أجوب بِيداً ... يضمر شخصي بها القفار
أشــــيــــم للبــــاخــــليــــن بــــرقــــاً ... ليــــــــس لأنــــــــوائه قِــــــــطَــــــــار
فــــــدونــــــك الحــــــمـــــد مـــــن وَلِيٍّ ... بـــــه إلى عـــــطـــــفـــــك اضــــطــــرار
فــــمــــن إذا أنــــت لم تــــجــــزنــــا ... عــــلى المــــلمــــات يــــســــتــــجــــار
فانعم بفضل أتى فأضحت ... زيــــنــــتــــه مــــنــــك تستعار
فـــــلا خـــــلا مــــنــــك دســــت مــــلك ... أنــــــــت له التــــــــاج والســــــــوار
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مفردات الراغب:
- الشذا: شذا: شَذا كلِّ شيءٍ: حَدُّه. والشَّذاةُ: الحِدَّةُ، وَجَمْعُهَا شَذَواتٌ وشَذاً. التَّهْذِيبُ فِي تَرْجَمَةِ شَدا بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ قَالَ: قَالَ أَبو بَكْرٍ الشَّدا حَدُّ كلِّ شَيْءٍ، يُكْتَبُ بالأَلف. قَالَ: والش … (لسان العرب)
- العراقي: عرق: العَرَق: مَا جَرَى مِنْ أُصول الشَّعْرِ مِنْ مَاءِ الْجَلْدِ، اسْمُ لِلْجِنْسِ لَا يَجْمَعُ، هُوَ فِي الْحَيَوَانِ أَصل وَفِيمَا سِوَاهُ مُسْتَعَارٌ، عَرِق عَرَقاً. وَرَجُل عُرَقٌ: كَثِيرُ العَرَق. فأَما فُعَلَةٌ فَ … (لسان العرب)
- باشر: أشر: الأَشَرُ: المَرَح. والأَشَرُ: البَطَرُ. أَشِرَ الرجلُ، بِالْكَسْرِ، يَأْشَرُ أَشَراً، فَهُوَ أَشِرٌ وأَشُرٌ وأَشْرانُ: مَرِحَ. وَفِي حَدِيثِ الزَّكَاةِ وَذِكْرِ الْخَيْلِ: ورجلٌ اتَّخَذَها أَشَراً ومَرَحاً؛ الأَشَرُ … (لسان العرب)
- بمسراه: سرأ: السِّرْءُ والسِّرْأَةُ، بِالْكَسْرِ: بَيْضُ الجَراد والضَّبِّ والسَّمَك وَمَا أَشْبَهه، وَجَمْعُهُ: سرْءٌ. وَيُقَالُ: سِرْوةٌ، وأَصله الْهَمْزُ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ الأَصبهاني: السِّرْأَةُ، بِالْكَسْرِ: بَ … (لسان العرب)
- تبرد: برد: البَرْدُ: ضدُّ الْحَرِّ. والبُرودة: نَقِيضُ الْحَرَارَةِ؛ بَرَدَ الشيءُ يبرُدُ بُرودة وَمَاءٌ بَرْدٌ وَبَارِدٌ وبَرُودٌ وبِرادٌ، وَقَدْ بَرَدَه يَبرُدُه بَرْداً وبَرَّدَه: جَعَلَهُ بَارِدًا. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: فأَ … (لسان العرب)
- دارين: الدَّار: المنزل اعتبارا بدورانها الذي لها بالحائط، وقيل: دارة، وجمعها ديار، ثم تسمّى البلدة دارا، والصّقع دارا، والدّنيا كما هي دارا، والدّار الدّنيا، والدّار الآخرة، إشارة إلى المقرّين في النّشأة الأولى، والنّشأة الأخرى … (مفردات الراغب)
- ركبه: ركب: رَكِبَ الدابَّة يَرْكَبُ رُكُوباً: عَلا عَلَيْهَا، وَالِاسْمُ الرِّكْبة، بِالْكَسْرِ، والرَّكْبة مرَّةٌ واحدةٌ. وكلُّ مَا عُلِيَ فَقَدْ رُكِبَ وارْتُكِبَ. والرِّكْبَةُ، بِالْكَسْرِ: ضَرْبٌ مِنَ الرُّكوبِ، يُقَالُ: ه … (لسان العرب)