أرى المـلة البـيـضـاء جـل مـصـابـها
الشاعر: محمد بن حنبل الحسني · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر محمد بن حنبل الحسني، من العصر الحديث، وتقع في 51 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الباء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أرى المـلة البـيـضـاء جـل مـصـابـها — فـفـاضـت مـئاقـيـهـا وطـال انتحابها
وقـاسـت بـفـقـد الشـيـخ وجـد مـصـابة — بــواحــدهــا لمــا تــولى شــبــابـهـا
وضــاق له عــرض البـسـيـطـة والتـفـى — عـلى أهـلهـا ظـفـر الخـطـوب ونـابها
وأظــلم وجــه الأرضــحــتــى كــأنـمـا — تــردّت مــدادا غــوطــهــا وحــدابـهـا
وزلزل أقــطــار البــلاد فــأصــبـحـت — شــواهــقــهــا مــهــتــزّة وهــضــابـهـا
وقــمــصـت السـبـع الطـبـاق بـزهـرهـا — فـمـا راع أهل الأرض إلا انقضابها
وزعـــزع ءاطـــام الهــدى وحــصــونــه — وقــوض فــســطــاط العــلى وقـبـابـهـا
وغــيــض مــن الأيــام مـاء وجـوهـهـا — فــلم يــبــق الا مــرهــا وابــابـهـا
فـبـعـد كـمـال الديـن ما نقع الصدى — رواء ولامــد الصــحــاب صــحــابــهــا
ولا طــاب مــشــمـومٌ ولا راق مـنـظـر — ولا لذّ مـن غـر الثـنـايـا عـذابـهـا
الا رب مـن يـبـكـي الكـمـال بـعـبرة — حـرام عـلى غـيـر الكـمـال انصبابها
وخــود تــلقــت بــالبــنـان دمـوعـهـا — تــشــابــه لونـا دمـعـهـا وخـضـابـهـا
ويـسـبـقـهـا طـورا مـن الدمـع سـابـقٌ — قـد ابـتـل مـنـه عـقـدهـا ونـقـابـهـا
تـخـاطـبـنـي وهـنـا وفـي الصـدر غـصّة — فــلأيـاً بـلأي مـا يـبـيـن خـطـابـهـا
تـقـول أبـعـد الشـيـخ تـنـعـم عـيـشـة — ويــهــنــأ أرضــا أن يـثُـجّ سـحـابـهـا
أليــس الذي أحــيـى بـه اللّه خـلقـه — ولولاه لم تــحـمـل رؤوسـا رقـابـهـا
ومــن فـي حـمـاه المـسـلمـون كـأنّهـم — رغـاثٌ مـن الأروى حـمـتـهـا صـعـابها
ومــن كـان يـرعـانـا بـعـيـن بـصـيـرةٍ — سـواءٌ عـليـنـا بـعـدهـا واقـتـرابُهـا
وهـل نـحـن الا كـالدعـامـيـص أعـصفت — بـهـا الريـح هـيفا حين نشّت ثغابها
فـقـلت لهـا والنـفـس تـغـلى ومـقلتي — شـبـيـهٌ بـمـنـثـور الجـمان انسكابها
ثـــقـــى بـــإله لا يـــمــوت ورحــمــة — مـن اللّه مـقـصـور عـليـهـا حـجـابـها
وان شــمــوس الديــن تــطــلع خــلفــةً — سـريـعـاً عـلى مـر العـصور اعتقابها
وان الســيــول المـكـفـهـرات تـنـزوي — فــعــتــقـبـهـا أخـرى يـعـب عـبـابـهـا
وكـم روضـة تـخـضـرّ بـعـد اصـفـرارهـا — فـتـصـبـح مـبـثـوثـا عـليـهـا رضـابها
ونــحــن بـنـي الاسـلام أبـنـاء مـلة — قـد أصـبـح مـحـروس الجـنـاب جـنابها
فــهــذا بــحــمـد اللّه مـنـه خـليـفـةٌ — بـه انـزاح عـنـهـا بـثّها واغترابها
ومــاســت بــه أغــصـانـهـا وريـاضـهـا — فــرجــع لحــنــا طــيــرهـا وذبـابـهـا
وأقـبـل مـا ءافـاقـهـا الصبح طالعا — وفــي أثــره شــمــس ثـقـوبٌ شـهـابـهـا
ووافــى بــإحــراز المــؤمّـل ركـبـهـا — وجــاءت بــألوان النــجـاح ركـابـهـا
وأرســت أواخــيـهـا وأرخـت سـتـورهـا — والقــت عــصـاهـا واسـتـقـر غـرابـهـا
وردت أنــوف الشــامــتــيــن رواغـمـاً — عـليـهـا جـمـيـعـا ذلهـا واكـتـئابها
ليـهـنـأك ان قـد قـام بـالأمر بعده — فـتـى هـو بـيـت المـكـرمـات وبـابـها
تـضـلع مـن عـلم الشـريـعـة وانـتـهـى — إليـه مـن اسـرار الطـريـق لبـابـهـا
أغــر وســيــم يــغـبـط الشـهـد خـلقـه — عــلى أنــه طــلق اليـمـيـن رحـابـهـا
له هـمـة يـهـوى بـهـا النـسـر واقعا — ويــهــبـط مـن جـو السـمـاء ربـابـهـا
فـتـى مـا نـجـت نـجـب المـطـى بـمثله — ولا حــمــلتــه بــخــتــهـا وعـرابـهـا
ولا نــيــطــت الآمــال إلّا بــفـضـله — ولا فــاض إلا مــن يــديـه تـرابـهـا
ولا ضــاء وجــه الأرض الا بــوجـهـه — ولا طــاب إلا مــن شــذاه تــرابـهـا
عــلا فــوق أعــلام البــريــة رتـبـة — تـقـاصـر عـنـهـا شـيـبـهـا وشـبـابـهـا
وأصــبــح مــحـتـلا مـن المـجـد سـورةً — عـلىكـل ذي مـجـد قـد أعـيـى طـلابُها
له حــضــرة جــابــت بـه حـلل السـنـا — فــطــابــت بــه اكــنـافُهـا ورحـابُهـا
تــرى حـولهـا المـسـتـضـعـفـيـن أعِـزّةً — كــمــا كــنّ آســاداً بــبـيـئة غـابُهـا
وتــلفــى بـهـا المـسـتـكـبـريـن أذلّةً — كـمـا ظـلّ فـي أيـدي الرعـاء ذئابها
هــمــت مــزن جــدواه ومــزن عــلومــه — بــمـا شـاء جـهـال الورى وسـغـابـهـا
هـمـت فـكـفـى الجـاديـن واكـف جودها — واذهـــب لوح الوارديـــن ذهــابــهــا
ويــعــتــقــب المـدلون أعـداد فـضـله — مدى الدهر لا يوذى الدلاء عقابُها
ســقـى اللّه أيـام الخـليـفـة طـحـمـةً — مـن الرحـمـة الوسـعى طموحا أبابها
ولا عــطــلت أزمـانـه بـعـد مـا غـدت — مـنـوطـاً عـليـهـا شـنـفـهـا وسـخـابها
ولا عــريــت مـنـه عـصـورٌ بـه ازدهـت — وأســبــغ مـن نـور عـليـهـا ثـيـابُهـا
وتــم له بــالمــصــطـفـى كـلّ مـرتـجـىً — وءاب مــرجــوه حــمــيــدا مــئابــهــا
عــليــه صــلاة لا تــغــيــب ورحــمــة — وفــيــضــات تــســليــم مـرب ربـابـهـا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الباء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الطباق: الطِّبَاقُ : مصـ.-: المواففة والمساواة؛ حجم هذا المكعَّب طِباقُ حجم الآخر.-: مفـ طَبَقٌ أو طبقة؛ السَّمَاوات الطِّباق، هي المكوّنة من طبقة فوق طبقة.- في البديع: الجمع بين معنيين متقابلين؛ في قولنا، يُحْيِى ويُمِيت طباق.
- انتحابها: [ن ح ب]. (مصدر اِنْتَحَبَ). "اِسْتَمَرَّ انْتِحابُ النِّساءِ النَّهارَ كُلَّهُ" : البُكاءُ الشَّديدُ والْمُسْتَمِرُّ وَقْتاً.
- بزهرها: زهر: الزَّهْرَةُ: نَوْرُ كُلِّ نَبَاتٍ، وَالْجَمْعُ زَهْرٌ، وَخَصَّ بَعْضُهُمْ بِهِ الأَبيض. وزَهْرُ النَّبْتِ: نَوْرُه، وَكَذَلِكَ الزهَرَةُ، بِالتَّحْرِيكِ. قَالَ: والزُّهْرَةُ الْبَيَاضُ؛ عَنْ يَعْقُوبَ. يقال أَزْهَرُ …
- بفقد: فقد: فَقَدَ الشيءَ يَفْقِدُه فَقْداً وفِقْداناً وفقُوداً، فَهُوَ مَفْقُودٌ وفَقِيدٌ: عَدِمَه؛ وأَفْقَدَه اللَّهُ إِياه. والفاقِدُ مِنَ النساءِ: الَّتِي يموتُ زَوْجُها أَو ولدُها أَو حَمِيمُهَا. أَبو عُبَيْدٍ: امرأَة فاقِ …
- بواحدها: الوَاحِدُ : من صفات الله تَعالى، معناه أنّه لا ثاني له، وهو ذو الوحدانية والتوحّد وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ.-: أوَّل عدد الحساب.-: الجزءُ من الشيء؛ أخذ مَوزةً واحدة.-: المت …
- شبابها: الشَّبَابُ : مصـ. ـ: الفَتاءُ والحَداثةُ؛ أَلاَ لَيْتَ الشَّبَابَ يعودُ يَوْماً ** فأُخبِرَهُ بما فَعَلَ المَشيبُ. ـ الشّيءِ: أَوَّلُهُ؛ لَقيتُهُ في شباب النّهار. ـ: التّشبيبُ؛ كان عمر بن أبي ربيعة أَرَقَّ النّاسِ شباباً …