رَضِيتُ مِنَ الدُّنْيَا بِمَا لا أَوَدُّهُ
الشاعر: محمود سامي البارودي · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة حزينة
هذه القصيدة من شعر محمود سامي البارودي، من العصر الحديث، وتقع في 56 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الدال، وغرضها قصيدة حزينة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
رَضِيتُ مِنَ الدُّنْيَا بِمَا لا أَوَدُّهُ ... وَأَيُّ امْرِئٍ يَقْوَى عَلَى الدَّهْرِ زَنْدُهُ
أَحَــــاوِلُ وَصْــــلاً والصُّدُودُ خَــــصِيمُهُ ... وَأَبْغِي وفَاءً والطَّبِيعَةُ ضِدُّهُ
حَسِبْتُ الْهَوَى سَهْلاً وَلَمْ أَدْرِ أَنَّهُ ... أَخُو غَدَرَاتٍ يَتْبَعُ الْهَزْلَ جِدُّهُ
تَخِفُّ لَهُ الأَحْلامُ وَهْيَ رَزِيْنَةٌ ... وَيَعْنُو لَهُ مِنْ كُلِّ صَعْبٍ أَشَدُّهُ
وَمِنْ عَجَبٍ أَنَّ الْفَتَى وَهْوَ عَاقِلٌ ... يُطِيعُ الْهَوَى فِيمَا يُنَافِيهِ رُشْدُهُ
يَفِرُّ مِنَ السُّلْوَانِ وَهْوَ يُرِيحُهُ ... وَيَأْوِي إِلى الأَشْجَانِ وَهْيَ تَكدُّهُ
وَمَا الْحُبُّ إِلَّا حاكِمٌ غَيْرُ عَادِلٍ ... إِذا رامَ أَمْراً لَم يَجِدْ مَنْ يَصُدُّهُ
لَهُ مِنْ لَفِيفِ الْغِيدِ جَيْشُ مَلاحَةٍ ... تُغِيرُ عَلى مَثْوى الضَّمائِرِ جُنْدُهُ
ذَوَابِــــــلُهُ قَـــــامَـــــاتُهُ وسُـــــيُـــــوفُهُ ... لِحَــــاظُ الْعَــــذَارَى والْقَلائِدُ سَرْدُهُ
إِذَا مَاجَ بِالْهِيفِ الْحِسَانِ تَأَرَّجَتْ ... مَسَالِكُهُ واشْتَقَّ فِي الْجَوِّ نَدُّهُ
فَـــــأَيُّ فُـــــؤادٍ لا تَــــذُوبُ حَــــصــــاتُهُ ... غَرَاماً وَطَرْفٍ لَيْسَ يُقْذِيهِ سُهْدُهُ
بَلَوْتُ الْهَوَى حَتَّى اعْتَرَفْتُ بِكُلِّ مَا ... جَهِلْتُ فَلا يَغْرُرْكَ فالصَّابُ شَهْدُهُ
ظَــــلُومٌ لَهُ فــــي كُــــلِّ حَــــيٍّ جَرِيرَةٌ ... يَضِجُّ لَهَا غَوْرُ الْفَضَاءِ وَنَجْدُهُ
إِذَا احْتَلَّ قَلْباً مُطْمَئِنَّاً تَحَرَّكَتْ ... وَسَاوِسُهُ في الصَّدْرِ واخْتَلَّ وَكْدُهُ
فَإِنْ كُنْتَ ذَا لُبٍّ فَلا تَقْرَبَنَّهُ ... فَغَيْرُ بَعيدٍ أَنْ يُصِيبَكَ حَدُّهُ
وَقَدْ كُنْتَ أَوْلَى بِالنَّصِيحَةِ لَوْ صَغَا ... فُؤَادِي وَلَكِنْ خَالَفَ الْحَزْمَ قَصْدُهُ
إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْءِ عَقْلٌ يَقُودُهُ ... فَيُوشِكُ أَنْ يَلْقَى حُسَاماً يَقُدُّهُ
لَعَمْرِي لَقَدْ وَلَّى الشَّبَابُ وَحَلَّ بِي ... مِنَ الشَّيْبِ خَطْبٌ لا يُطَاقُ مَرَدُّهُ
فَأَيُّ نَعِيمٍ فِي الزَّمَانِ أَرُومُهُ ... وَأَيُّ خَـــــــلِيـــــــلٍ لِلْوَفَــــــاءِ أُعِــــــدُّهُ
وَكَيْفَ أَلُومُ النَّاسَ فِي الْغَدْرِ بَعْدَمَا ... رَأَيْتُ شَبابِي قَدْ تَغَيَّرَ عَهْدُهُ
وَأَبْعَدُ مَفْقُودٍ شَبَابٌ رَمَتْ بِهِ ... صُرُوفُ اللَّيَالِي عِنْدَ مَنْ لا يَرُدُّهُ
فَمَنْ لِي بِخِلٍّ صَادِقٍ أَسْتَعِينُهُ ... عَلَى أَمَلِي أَوْ نَاصِرٍ أَسْتَمِدُّهُ
صَحِبْتُ بَنِي الدُّنْيا طَوِيلاً فَلَم أَجِدْ ... خَلِيلاً فَهَلْ مِنْ صَاحِبٍ أَسْتَجِدُّهُ
فَأَكْثَرُ مَنْ لاقَيْتُ لَمْ يَصْفُ قَلْبُهُ ... وَأَصْــــدَقُ مَنْ وَالَيْتُ لَمْ يُغْنِ وُدُّهُ
أُطَالِبُ أَيَّامِي بِما لَيْسَ عِنْدَها ... وَمَنْ طَلَبَ الْمَعْدُومَ أَعْيَاهُ وجْدُهُ
فَمَا كُلُّ حَيٍّ يَنْصُرُ الْقَوْلَ فِعْلُهُ ... وَلا كُلُّ خِلٍّ يَصْدُقُ النَّفْسَ وَعْدُهُ
وَأَصْعَبُ مَا يَلْقَى الْفَتَى فِي زَمَانِهِ ... صَحَابَةُ مَنْ يَشْفِي مِنَ الدَّاءِ فَقْدُهُ
وَلِلنُّجْحِ أَسْبَابٌ إِذَا لَمْ يَفُزْ بِها ... لَبِيبٌ مِنَ الْفِتْيَانِ لم يُورِ زَنْدُهُ
وَلَكِنْ إِذَا لم يُسْعِدِ الْمَرءَ جَدُّهُ ... عَلَى سَعْيِهِ لَمْ يَبْلُغ السُّؤْلَ جِدُّهُ
وَمَا أَنَا بِالْمَغْلُوبِ دُونَ مَرامِهِ ... وَلَكِنَّهُ قَدْ يَخْذُلُ الْمَرْءَ جَهْدُهُ
ومَا أُبْتُ بِالْحِرْمَانِ إِلَّا لأَنَّنِي ... أَوَدُّ مِـــــنَ الأَيَّاـــــمِ مَــــا لا تَــــوَدُّهُ
فَإِنْ يَكُ فَارَقْتُ الرِّضَا فَلَبَعْدَمَا ... صَحِبْتُ زَماناً يُغْضِبُ الْحُرَّ عَبْدُهُ
أَبَى الدَّهْرُ إِلَّا أَنْ يَسُودَ وَضِيعُهُ ... وَيَمْلِكَ أَعْنَاقَ الْمَطَالِبِ وَغْدُهُ
تَدَاعَتْ لِدَرْكِ الثَّأْرِ فِينَا ثُعَالُهُ ... وَنَامَتْ عَلى طُولِ الْوَتِيرَةِ أُسْدُهُ
فَحَتَّامَ نَسْرِي فِي دَيَاجِير مِحْنَةٍ ... يَضِيقُ بِهَا عَنْ صُحْبَةِ السَّيْفِ غِمْدُهُ
إِذَا المَرءُ لَمْ يَدْفَعْ يَدَ الجَوْرِ إِنْ سَطَتْ ... عَلَيْهِ فَلا يَأْسَفْ إِذَا ضَاعَ مَجْدُهُ
وَمَنْ ذَلَّ خَوْف الْمَوْتِ كَانَتْ حَيَاتُهُ ... أَضَــــرَّ عَــــلَيْهِ مِــــنْ حِــــمَــــامٍ يَــــؤُدُّهُ
وَأَقْتَلُ دَاءٍ رُؤْيَةُ العَيْنِ ظَالِماً ... يُسِيءُ وَيُتْلَى في الْمَحَافِلِ حَمْدُهُ
عَلامَ يَعِيشُ الْمَرءُ فِي الدَّهْرِ خَامِلاً ... أَيَفْرَحُ فِي الدُّنْيَا بِيَوْمٍ يَعُدُّهُ
يَرَى الضَّيْمَ يَغْشَاهُ فَيَلْتَذُّ وَقْعَهُ ... كَذِي جَرَبٍ يَلْتَذُّ بِالْحَكِّ جِلْدُهُ
إِذَا الْمَرءُ لاقَى السَّيْلَ ثُمَّتَ لَمْ يَعُجْ ... إِلَى وَزَرٍ يَــــحْــــمِــــيــــهِ أَرْدَاهُ مَــــدُّهُ
عَفَاءٌ عَلَى الدُّنْيَا إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يَعِشْ ... بِهَا بَطَلاً يَحْمِي الْحَقِيقَةَ شَدُّهُ
مِنَ الْعَارِ أَنْ يَرْضَى الفَتَى بِمَذَلَّةٍ ... وَفِي السَّيْفِ ما يَكْفِي لأَمْرٍ يُعِدُّهُ
وَإِنِّيـــ امْرُؤٌ لا أَسْتَكِينُ لِصَوْلَةٍ ... وإِنْ شَدَّ سَاقِي دُونَ مَسْعَايَ قِدُّهُ
أَبَتْ لِيَ حَمْلَ الضَّيْمِ نَفْسٌ أَبِيَّةٌ ... وقَلْبٌ إِذَا سِيمَ الأَذَى شَبَّ وَقْدُهُ
نَمَانِي إِلَى الْعَلْيَاءِ فَرْعٌ تَأَثَّلَتْ ... أَرُومَتُهُ فِي الْمَجْدِ وافْتَرَّ سَعْدُهُ
وَحَسْبُ الْفَتَى مَجْداً إِذَا طالَبَ الْعُلا ... بِــــمَــــا كَانَ أَوْصَاهُ أَبُوهُ وَجدُّهُ
إِذَا وُلِدَ الْمَـــــوْلُودُ مِـــــنَّاــــ فَــــدَرُّهُ ... دَمُ الصِّيدِ والْجُرْدُ الْعَنَاجِيجُ مَهْدُهُ
فَإِنْ عاشَ فَالْبِيدُ الدَّيَامِيمُ دَارُهُ ... وإِنْ مَاتَ فَالطَّيْرُ الأَضَامِيمُ لَحْدُهُ
أَصُدُّ عَنِ الْمَرْمَى الْقَريبِ تَرَفُّعَاً ... وأَطْلُبُ أَمْرَاً يُعْجِزُ الطَّيْرَ بُعْدُهُ
وَلا بُدَّ مِنْ يَوْمٍ تَلاعَبُ بِالْقَنَا ... أُسُودُ الْوَغَى فيهِ وتَمْرَحُ جُرْدُهُ
يُــــمَــــزِّقُ أَسْتَارَ النَّواظِرِ بَرْقُهُ ... وَيَقْرَعُ أَصْدَافَ الْمَسَامِعِ رَعْدُهُ
تُــــدَبِّرُ أَحْــــكَــــامَ الطِّعــــَانِ كُهُــــولُهُ ... وَتَمْلِكُ تَصْرِيفَ الأَعِنَّةِ مُرْدُهُ
قُلُوبُ الرِّجَالِ الْمُسْتَبِدَّةِ أَكْلُهُ ... وَفَيْضُ الدِّماءِ الْمُسْتَهِلَّةِ وِرْدُهُ
أُحَمِّلُ صَدْرَ النَّصْلِ فِيهِ سَرِيرَةً ... تُـــــعَـــــدُّ لأَمْـــــرٍ لا يُـــــحَــــاوَلُ رَدُّهُ
فإِمَّاـ حَيَاةٌ مِثْلُ ما تَشْتَهِي الْعُلا ... وإِمَّاــ رَدىً يَشْفِي مِنَ الدّاءِ وَفْدُهُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الدال، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الهزل: هزل: الهَزْل: نَقِيضُ الجِدّ، هَزَلَ يَهْزِلُ هَزْلًا؛ قَالَ الْكُمَيْتُ: أَرانا عَلَى حُبِّ الحياةِ وطُولِها ... تَجِدُّ بِنَا فِي كُلِّ يَوْمٍ ونَهْزِلُ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: الَّذِي فِي شِعْرِهِ. يُجَدُّ بِنَا؛ قَالَ: … (لسان العرب)
- تكده: كده: الكَدْهُ بِالْحَجَرِ ونحوهِ: صَكٌّ يؤَثِّرُ أَثراً شَدِيدًا، وَالْجَمْعُ كُدُوهٌ. وَقَدْ كَدَهَه وكَدَّهَهُ. وكَدَهَ الشيءَ وكَدَّهَهُ: كَسَّره؛ قَالَ رُؤْبَةُ: وخافَ صَقْعَ القارعاتِ الكُدَّهِ وسقطَ مِنَ السَّطْح ف … (لسان العرب)
- خصيمه: خصم: الخُصومَةُ: الجَدَلُ. خاصَمَه خِصاماً ومُخاصَمَةً فَخَصَمَهُ يَخْصِمهُ خَصْماً: غَلَبَهُ بِالْحُجَّةِ، والخُصومَةُ الِاسْمُ مِنَ التَّخاصُمِ والاخْتِصامِ. والخَصْمُ: مَعْرُوفٌ، واخْتَصَمَ القومُ وتَخاصَموا، وخَصْمُك … (لسان العرب)
- رشده: رشد: فِي أَسماء اللَّهِ تَعَالَى الرشيدُ: هُوَ الَّذِي أَرْشَد الْخَلْقَ إِلى مَصَالِحِهِمْ أَي هَدَاهُمْ وَدَلَّهُمْ عَلَيْهَا، فَعِيل بِمَعْنَى مُفْعل؛ وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي تَنْسَاقُ تَدْبِيرَاتُهُ إِلى غَايَاتِهَا عَ … (لسان العرب)
- زنده: زند: الزَّنْدُ والزَّنْدَةُ: خشبتان يستقدح بهما، فالسفلى زَنْدَةٌ والأَعلى زَنْدٌ؛ ابن سيده: الزَّنْدُ العود الأَعلى الذي يقتدح به النار، والجمع أَزْنُدٌ وأَزْنادٌ وزُنودٌ وزِنادٌ، وأَزانِدُ جمع الجمع؛ قال أَبو ذؤيب: أَق … (لسان العرب)