وَجه الصَباح عليَّ لَيلٌ مُظلمُ
الشاعر: جعفر الحلي · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر جعفر الحلي، من العصر الحديث، وتقع في 71 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الميم.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
وَجه الصَباح عليَّ لَيلٌ مُظلمُ ... وَربــــيــــع أَيــــامي عَليَّ محرَّمُ
وَاللَيل يَشهد لي بِأَني ساهر ... مُذ طابَ لِلناس الرقادُ وَهوّموا
بي قَرحةٌ لَو أَنَّها بيَلملمٍ ... نَسفت جَوانبه وَساخَ يَلملم
قَلقاً تَقلِّبني الهُموم بمضجعي ... وَيَغور فكري في الزَمان وَيُتهم
مَن لي بِيَومِ وَغىً يَشب ضَرامه ... وَيَشيب فودُ الطفل مِنهُ فَيَهرم
يُلقِي العجاجُ بِهِ الجرانَ كَأَنَّهُ ... لَيــــلٌ وَأَطــــرافُ الأَسنة أَنجم
فَعَسى أَنال مِن الترات مَواضياً ... تُسدي عَليهن الدُهورُ وَتُلحِم
أَو مَوتة بَينَ الصُفوف أُحبُّها ... هِيَ دين معشريَ الَّذينَ تقدموا
ما خلت أن الدَهر مِن عاداته ... تَروى الكِلابُ بِهِ وَيَظمى الضَيغم
مثل اِبن فاطمةٍ يَبيت مُشَرّداً ... وَيَــــزيــــدُ فــــي لَذاته متنعِّم
يَرقى مَنابرَ أَحمَدٍ مُتأمراً ... في المُسلمين وَلَيسَ يُنكرُ مُسلم
وَيَضيِّقــ الدُنيا عَلى اِبن محمدٍ ... حَتّى تَقاذفه الفَضاء الأَعظَم
خَرج الحُسينُ مِن المَدينة خائِفاً ... كَخُروج مُوسى خائِفاً يَتكتَّم
وَقَد اِنجَلى عَن مَكة وَهوَ اِبنُها ... وَبَهِ تَشرَّفت الحَطيمُ وَزَمزَم
لَم يَدر أَينَ يريح بُدنَ ركابه ... فَكأنَّما المَأوى عَلَيهِ محرَّم
فَمشت تؤمُّ بِهِ العِراقَ نَجائبٌ ... مثل النَعام بِهِ تَخبُّ وَترسم
متعطفاتٍ كَالقسيِّ مَوائِلاً ... وَإِذا اِرتَمَت فَكأنما هِيَ أَسهم
حفته خَيرُ عصابةٍ مضريةٍ ... كَالبَدر حينَ تَحف فيهِ الأَنجُم
ركبٌ حجازيون بَينَ رحالهم ... تَسري المنايا أنجدوا أَو أتهموا
يَحدون في هزج التلاوة عيسَهم ... وَالكُلُّ في تَسبيحه يَترنَّم
متقلدين صَوارماً هنديةً ... مِن عَزمهم طُبعت فَلَيسَ تَكهَّم
بيض الصفاح كَأَنَّهن صَحائفٌ ... فيها الحِمام مُعنونٌ وَمُترجَم
إِن أَبرقت رَعدت فَرائصُ كُلِّ ذي ... باسٍ وَأَمطَر مِن جَوانبها الدَم
وَيَــــقــــوّمون عَوالياً خطيةً ... تَتَقاعد الأَبطال حينَ تُقوَّم
أَطرافها حمرٌ تزان بِها كَما ... قَد زانَ بِالكَف الخَضيبةِ معصم
إِن هَــــزَّ كُــــلٌّ مِــــنــــهُــــمُ يَزنيَّهُ ... بيديه ساب كَما يَسيب الأَرقَم
وَلَصــــبــــرُ أَيوب الَّذي ادَّرَعوا بِهِ ... مِــــن نَــــســــج داودٍ أَشَــــدُّ وَأَحكَم
نَزَلوا بِحومة كَربلا فَتطلَّبت ... مِنهُم عَوائدَها الطُيورُ الحُوَّم
وَتباشر الوَحشُ المثارُ أَمامهم ... أن سوف يَكثر شربُه وَالمطعم
طَمعت أُميةُ حينَ قلَّ عَديدُهم ... لِطليقهم في الفَتح أن يَستسلِموا
وَرَجوا مذلَّتهم فَقُلن رِماحهم ... مِن دُون ذَلِكَ أَن تُنال الأَنجُم
حَتّى إِذا اِشتَبك النِزالُ وَصرَّحت ... صيدُ الرِجال بِما تجنُّ وَتَكتم
وَقع العذابُ عَلى جُيوش أُميةٍ ... مِن باسلٍ هوَ في الوقايع مَعلَم
ما راعَهُم إِلّا تَقحُّمُ ضَيغمٍ ... غيران يَعجم لَفظه وَيدمدم
عبست وُجوه القَوم خَوف المَوت وَال ... عَباسُ فيهم ضاحكٌ متبسم
قَلب اليَمين عَلى الشَمال وَغاص في ال ... لأوساط يَحصد في الرُؤوس وَيَحطم
وَثَنا أَبو الفَضل الفَوارس نُكَّصاً ... فَرَأوا أَشدَّ ثَباتهم أَن يُهزَموا
ما كرَّ ذو بَأس لَهُ متقدِّماً ... إِلا وَفَــــــرَّ وَرَأسُهُ المــــــتـــــقـــــدِّم
صبغ الخُيولَ برمحه حَتّى غَدا ... سيان أَشقَر لَونها وَالأَدهم
ما شد غضَباناً عَلى مَلمومةٍ ... إِلا وَحلَّ بِها البَلاء المُبرم
وَلَهُ إلى الإِقــــدام سُــــرعةُ هاربٍ ... فَكأنَّما هوَ بِالتقدُّم يَسلم
بَطل تَورَّثَ مِن أَبيه شَجاعةً ... فيها أُنوف بَني الضَلالة ترغم
يَلقى السِلاح بِشدة مِن بأسه ... فَالبيض تُثلَمُ وَالرِماح تُحَطَّم
عرف المَواعظَ لا تُفيد بمعشرٍ ... صَمّوا عَن النَبأ العَظيم كَما عَموا
فَاِنصاعَ يَخطبُ بِالجَماجم وَالكلا ... فَالسَيف يَنثر وَالمثقَّفـ ينظم
أَو تَشتَكي العَطشَ الفَواطمُ عِندَه ... وَبصدر صعدته الفراتُ المُفعم
لَو سَدُّ ذي القرنين دُون وَرودِه ... نَسَفته همَّتُه بِما هوَ أَعظَم
وَلو اِستَقى نَهر المَجرة لارتقى ... وَطَــــويــــل ذابــــله إِلَيــــها سلَّم
حامي الظَعينة أَين مِنهُ رَبيعةٌ ... أَم أَين مِن عَليا أَبيهِ مكدم
في كَفِّهِ اليُسرى السَقاء يقلُّهُ ... وَبِكَفِّهِ اليُمنى الحسام المخذم
مثل السَحابة لِلفَواطم صَوبُه ... وَيَصيب حاصبُه العَدوَّ فَيُرجَم
بَطلٌ إِذا رَكب المطهمَ خلتَه ... جَبلاً أَشمَّ يَخفُّ فيهِ مطهَّم
قَسماً بِصارمه الصَقيل وَإِنَّني ... في غَير صاعقة السَما لا أقسم
لَولا القَضا لَمحى الوُجود بِسَيفه ... وَاللَه يَقضي ما يَشاءُ وَيحكم
حَسمت يَديهِ المرهفاتِ وَإِنَّهُ ... وَحــــســــامَهُ مِــــن حدهنَّ لَأَحسم
فَغَدا يَهمُّ بِأَن يَصول فَلَم يطق ... كاللَيث إِذ أظفاره تَتقلَّم
أَمن الرَدى مَن كانَ يَحذر بَطشَهُ ... أَمْنَ البُغاثِ إِذا أُصيبَ القشعم
وَهوى بِجَنبِ العلقميِّ فَلَيتَه ... لِلشاربين بِهِ يُدافُ العلقم
فَمَشى لمصرعه الحسين وَطَرفُه ... بَينَ الخِيام وَبَينه متقسِّم
ألفاه مَحجوب الجَمال كَأَنَّهُ ... بَدرٌ بِمنحطمِ الوَشيج مُلَثَّم
فَأكبَّ محنيّاً عَلَيهِ وَدَمعُهُ ... صبغ البَسيطَ كَأَنَّما هوَ عَندم
قَد رامَ يَلثمُهُ فَلم يَرَ موضعاً ... لَم يَدمِه عَضُّ السِلاح فَيَلثَم
نادى وَقَد مَلأ البَوادي صَيحةً ... صمُّ الصُخور لِهَولِها تَتَأَلَّم
أَأُخيَّ يَهنيك النَعيم وَلَم أَخل ... تَرضى بِأَن أَرزى وَأَنتَ منعَّم
أَأُخيَّ مَن يَحمي بَنات محمد ... إِن صُرنَ يَسترحمنَ مَن لا يَرحَم
ما خلت بُعدَك يَستَسرُّ سَواعدي ... وَيَكفُّ باصِرَتي وَظهري يقصم
لِســــواك يُــــلطم بِالأَكُفِّ وَهَذِهِ ... بيضُ الظُبا لك في جَبيني تلطم
ما بَينَ مصرعك الفَظيع وَمَصرعي ... إلا كَما أَدعوك قَبلُ وَتنعم
هذا حسامك من يَذب بِهِ العِدى ... وَلِواك هـــــذا مَـــــن بِهِ يَــــتــــقــــدَّم
هوَّنت يا اِبن أَبي مصارعَ فتيتي ... وَالجَرح يُسكِنُهُ الَّذي هُوَ أَأْلَم
يا مالِكاً صَدر الشَريعة إِنَّني ... لِقليل عُمري في بُكاكَ مُتَمِّم
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الميم، قصائد أخرى على القافية نفسها.
من شروح القرّاء
وصف الشاعر هنا خروج الإمام الحسين بن علي (ع) كخوف النبي موسى أي إن خروج الحسين كخروج موسى وهو الخوف الممدوح الذي يكون خوفًا على الدين.
هُنا تظهر بلاغة الشاعر في التشبيه حيث شبه الصباح بالليل المظلم وبأن أفضل أيامه محرمةً عليه من شدة الوجد
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:
- الجران: جَرَنَ: الجِرانُ: بَاطِنُ العُنُق، وَقِيلَ: مُقدَّم الْعُنُقِ مِنْ مَذْبَحِ الْبَعِيرِ إِلَى مَنْحَرِهِ، فَإِذَا برَك البعيرُ وَمَدَّ عنُقَه عَلَى الأَرض قِيلَ: أَلقى جِرانَه بالأَرض. وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، رَضِيَ الله … (لسان العرب)
- الصفوف: صفف: الصَّفُّ: السَّطْرُ المُسْتَوي مِنْ كُلِّ شَيْءٍ معروفٌ، وَجَمْعُهُ صُفُوفٌ. وصَفَفْتُ الْقَوْمَ فاصْطَفُّوا إِذَا أَقمتهم فِي الْحَرْبِ صَفّاً. وَفِي حَدِيثِ صَلَاةِ الخَوْفِ: أَن النَّبِيَّ، ﷺ، كَانَ مُصَافَّ العَ … (لسان العرب)
- العجاج: عجج: عَجَّ يَعِجُّ ويَعَجُّ عَجّاً وَعَجِيجًا، وضجَّ يَضِجُّ: رَفَعَ صَوْتَهُ وصاحَ؛ وقيَّده فِي التَّهْذِيبِ فَقَالَ: بالدعاءِ وَالِاسْتِغَاثَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ: أَفضل الْحَجِّ العَجُّ والثَّجُ؛ العجُّ: رَفَعُ الصَّوْ … (لسان العرب)
- بمضجعي: ضجع: أَصل بِنَاءِ الْفِعْلِ مِنَ الاضْطِجاعِ، ضَجَعَ يَضْجَعُ ضَجْعاً وضُجُوعاً، فَهُوَ ضاجِعٌ، وقلما يُسْتَعْمَلُ، وَالِافْتِعَالُ مِنْهُ اضْطَجَع يَضْطجِعُ اضْطِجاعاً، فَهُوَ مُضْطَجِعٌ؛ قَالَ ابْنُ الْمُظَفَّرِ: كَانَ … (لسان العرب)
- بيلملم: (يَلَمْلَمَ) وَهُمَا مَوْضِعَانِ، وَ (مقاييس اللغة)