وبعدُ فالتاريخُ علمٌ شرفُه
الشاعر: شمس الدين الباعوني · البحر: الرجز · الغرض: قصيدة دينية
هذه القصيدة من شعر شمس الدين الباعوني، من العصر المملوكي، وتقع في 287 بيتًا. نُظمت على بحر الرجز، ورويّها حرف الفاء، وغرضها قصيدة دينية.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
وبعدُ فالتاريخُ علمٌ شرفُه ... عاليةٌ بين الأنام غُرَفُه
وفيهِ ما فيهِ من المنافعِ ... حتى لقد قال الإمامُ الشافعي
في خبر قد صحَّ عنهُ نقلُهُ ... من حفظ التاريخ زاد عقلُهُ
وهو كلام ظاهرٌ لا شكَّ في ... صــــحــــتِه وســــرّهُ غــــيــــرُ خفي
وهــــــذه أرجـــــوزة لطـــــيـــــفـــــه ... ألفاظها رشيقة ظريفه
فيها تواريخ جميع الخلفا ... من بعد خير العالمين المصطفى
من حين بايعوا الإمام البرّا ... خــــــلّ النـــــبـــــي وهـــــلمَّ جـــــرَّا
إلى زمان المستعين بالله ... بـــــلَّغـــــهُ اللَه المـــــرادَ كُـــــلَّه
وبـــــعـــــدهُ إلى زمــــان الأشــــرفِ ... عاملَهُ الله بلطفهِ الخفي
بعد النبيِّ بايع الناس أبا ... بكرٍ إمام المسلمين المجتبى
فــــتــــم عــــامين وثلث عام ... وعمَّ بالفضل وبالانعامِ
وقــــام في قتال أهل الردَّه ... مجتهداً في كشف تلك الشدَّه
مجرداً مُرهفهُ اليماني ... حتى أعادهم إلى الإيمانِ
ثم مضى إلى سبيله ومر ... فبايع الناس أبا حفصٍ عمر
من بعده بعهدهِ فقاما ... به منارُ العدلِ واستقاما
وأحسن السيرة والسلوكا ... وأرهبت هيبتهُ الملوكا
وشــــاد أركــــان الهــــدى والحــــقِ ... وقام في قمع شرار الخلقِ
وبعثت البعوث والامدادا ... لغــــزوهــــم وجــــنَّد الأجــــنــــادا
وأخذ البلاد منهم قسرا ... وهــــدَّ ركــــنَ قــــيصر وكسرى
أقام عشر حجج تليها ... ستة أشهرِ يسير فيها
ســـــيـــــرة عــــدلٍ وصــــلاحٍ وهــــدى ... وحاز في الآخر أجر الشهدا
من بعدهِ قد أشرق الزمانُ ... لما ولي من بعدهِ عثمانُ
أقام عشر حجج تلتها ... ثنتان للمدّة أكملتها
وماتَ بعد عصرهِ شهيدا ... وكــــان طول عمرهِ سعيدا
فبايعوا من بعدهِ عليَّا ... فــــأصــــبــــح الحــــق بــــهِ جــــليَّا
وكيف لا وهو ابن عم الهادي ... وســـــيّـــــدِ العــــبــــادِ والزهَّاــــدِ
فسار فيها سيرةً جميله ... وتــــمَّ فــــيــــها مدة قليله
عدَّتها من السنين أربع ... وتسعة من الشهور تتبع
من بعد ما أبدى بها اجتهاده ... وفاز في المحراب بالشهاده
فبايعوا من بعدهِ ابنهُ الحسن ... سبط رسول اللَه ذا الوجهِ الحسن
فسار فيها مبدئاً عفافه ... وكــــمَّلــــ الله بــــهِ الخــــلافــــه
من بعد ما أقام نصف عام ... وصـــــحَّ قـــــول ســـــيـــــد الأنــــامِ
تكون من بعدي ثلاثين سنه ... خلافةً على السداد حسنه
وبعدها ملكاً عضوصاً وصدق ... وكلما قال النبيُّ فهو حق
وســــلَّم الأمــــر إلى مــــعاويه ... ولم يكن في شرف مساويه
لكــــنــــهُ آثــــر كــــشــــفَ الغــــمَّه ... بالصلح صوناً لدماءِ الأمه
وقـــــد جـــــرت بـــــذلك الأقـــــدارُ ... والله فــــعَّاــــلٌ لما يختارُ
ثم استمرَّ بعدهُ معاويه ... يردي بسيف عزمهِ مناويه
أقــــام عــــشــــرةً مــــن الأعــــوام ... وتسعةً يحكم في الأنامِ
وزال مــــلكــــهُ وولىَّ وانــــقضى ... وراح عنهُ مثل أمسٍ قد مضى
ثــــم تولاها ابنهُ يزيدُ ... والله فـــــعـــــال لمــــا يــــريــــدُ
أقام فيها نافذ الاحكام ... أربــــعــــةً تعدُّ في الأعوامِ
تــــزيــــد أياماً وجاءَ أجلُه ... فبان مما قد جناهُ خجله
وأصبحت منهُ البيوت خاويه ... فبايعوا لنجلهِ معاويه
فتمَّ فيها أربعين يوماً ... وعام في بحر المنون عوما
وبالحجاز والعراق بايعوا ... لابن الزبير بعدهُ وشايعوا
وكــــان ســــيداً رزين العقل ... سيرتهُ سيرة أهل العدل
عشر سنين ثم جا الحجاج ... فــــي عــــســــكرٍ جمٍّ لهُ عجاجُ
حــــاربــــهُ بــــمــــكــــةٍ وقــــتــــله ... ونقض الحبل الذي قد فتله
فبايعوا من بعدهِ مروانا ... بالشام إذا أضحوا لهُ أعوانا
فتمَّ فيها تسعةً من الشهور ... وباد فيمن قد أبادتهُ الدهور
وسار في طرق الهلاك وسلك ... ثم تولاها ابنهُ عبد الملك
فتمَّ في الملك الذي قد انقضى ... عشرين عاماً ثم خلَّى ومضى
ثم تولاها ابنه الوليد ... وهــــو مــــليــــك بأسه شديدُ
أقــــام تــــسعةً من الأعوام ... ســـــحـــــائب العــــزِّ له هــــوامــــي
وتسعة من الشهور بعدها ... وانجزت له المنون عهدها
فقام بالأمر سليمان أخوه ... وتمَّ في الملك على ما ورَّخوه
عامين كاملين ثم نصف عام ... وبعدها في لجة المنون عام
ثم أقام الله منزل الزمر ... فيها الأشج العادل البرَّ عمر
ذا الطلعة البهيَّةــ الوضيَّه ... فسار فيها السيرة المرضيه
وتمَّ عامين بها ونصفا ... وطاب نعتاً في الورى ووصفاً
ثــــم مــــضــــى وذكــــرهُ حــــميرُ ... فقام فيها بعدهُ يزيدُ
فتمَّ عامين وعامين ومر ... وزال عنهُ ملكهُ وما استمر
ثـــــم تـــــولى بــــعــــدهُ هــــشــــامُ ... فابتهجت مصر بهِ والشامُ
فتمَّ فيها نحو عشرين سنه ... وذهبت كأنها كانت سنه
وقــــام بــــعد موتهِ الوليدُ ... ابن يزيد الظالمُ العنيدُ
فظهرت منهُ أمورٌ شاعت ... عــــنــــهُ بــــكــــل بــــلدةٍ وذاعــــت
فنقموا عليهِ قبح فعلهِ ... وبــــادروا حينئذٍ بقتلهِ
وصــــرَّحــــوا قــــاطــــبــــةً بذمهِ ... ثم تولى بعدهُ ابن عمهِ
وهو يزيد بن الوليد الناقصُ ... وكان في أرزاقهم يحاصصُ
شحّاً فسموهُ بهذا الاسمِ ... وصار في الألقاب مثل الوسم
فتمَّ فيها آمراً وناهيا ... خمسة أشهرٍ وولى فانيا
فقام إبراهيمُ فيما بعدَهُ ... وهـــــو أخـــــوهُ ثــــمَّ حــــلَّ لحــــدَهُ
قتلاً بحدِ الصارم المهنَّد ... صــــارم مــــروان فــــتــــى محمَّد
فــــيــــا لهُ مــــن مــــلك ســــقــــوهُ ... كأس الردى ظلماً وما أبقوه
وغاب عند ذاك نجم سعدِه ... وقام مروان بها من بعدهِ
فــــتــــمَّ خمس حجج وشهرا ... وثــــلث شــــهر ثم ولى قهرا
ومات مقتولاً بسيف السفَّاح ... وشمَّ كافور الحمام النفَّاح
وذهــــــبــــــت دولتــــــهــــــم وزالت ... وأيّ حالٍ في الورى ما حالت
دانت لهم إحدى وتسعين سنه ... ثم انقضت كأنها كانت سنه
واقتعد السفَّاحُ تحتَ المُلكِ ... وأوردَ الأعــــدا بــــحارَ الهُلكِ
وسرَّ بالملكِ الجليل وابتهج ... وتمَّ فيهِ أربعاً من الحجج
وتسعةً من الشهور وانتقل ... فقام بالأمرِ أخوهُ واستقَل
وهو أبو جعفر المنصورُ ... يرعدُ منه الأسدُ الهصورُ
ذو هيبةٍ عظيمةٍ وباسَ ... ساد بها مُلكُ بني العبَّاسِ
فتمَّ ثنتين وعشرين سنه ... تنقص شهراً أورثتهُ الألسنه
وانتصب المهديُّ لما أن مضى ... والدهُ وكان سيفاً منتضي
أبــــاد كــــل كــــافــــرٍ زنــــديــــق ... وكان مهديّاً على التحقيقِ
فتمَّ عشر حجج مع شهرِ ... ونصف شهر وثوى في القبرِ
فاسبلوا الدمع عليهِ وبكوا ... إذ مات مسموماً على ما قد حكوا
وبــــايــــعــــوا لأكبر الأولاد ... موسى ابنهِ ولقبوهُ الهادي
فتمَّ عاماً واحداً وثلث عام ... وبعدها بلجة المنونِ عام
وبايعوا من بعدهِ أخاهُ ... فــــنــــال إذ بويع ما وخَّاهُ
وهو الرشيد المرتضي هارونُ ... أمــــوالهُ لم يــــحــــوها قارونُ
بالإرث حاز الملك من أبيهِ ... وأخــــذ الســــريــــر عــــن أخيهِ
وتـــــمَّ بـــــعــــد هــــذه الوراثــــه ... عشرين عاماً بعدها ثلاثه
يتبعها شهران ثم نصف شهر ... وكان سلطاناً لهُ باسٌ وقهر
فلم يطق أن يدفع الحماما ... لما سقاه كأسهُ الحماما
وبايعوا من بعدهِ الأمينا ... وقــــلَّدوهُ عقدهُ الثمينا
وهو ابنهُ محمد فدانت ... له الرعايا كلها وكانت
مــــدتهُ من السنين أربع ... وتسعة من الشهور تتبع
وثلث شهرٍ وانقضت وزالت ... وآلت الحـــــــــال إلى مـــــــــا آلت
من منعهِ وخلعهِ وحصرهِ ... وقتلهِ بالسيف وسط قصره
وبويع المأمون بعد ذلك ... فاستبشرت بعدلهِ الممالك
وكان عالماً غزير العلمِ ... والفضلِ موصوفاً بفرط الحلمِ
لهُ تعزت في الأنام حسنه ... فتمَّ ثنتين وعشرين سنه
وهــــطــــلت لمــــوتــــهِ المدامعُ ... كأنها السحائب الهوامعُ
واسفوا لمَّاــ بقبرٍ قد ثوى ... حزناً على الفضائل التي حوى
فيا لها فضائلاً ما عابها ... إلا اعتزالٌ شانها وشابها
زال بها عن وجهه الجمالُ ... وللإلهِ وحــــــــدهُ الكــــــــمــــــــالُ
وبايعوا من بعدهِ المعتصم ... وهو بالاعتزال أيضاً قد وُصم
وامتحنِ الحبر الجليل أحمدا ... ولم يكن في رأيهِ على هُدى
إذ جعل القرآن مخلوقاً كما ... قــــال أخــــوهُ قــــبــــلهُ وأثما
وبــــعــــدت بــــغزوهِ مسالكه ... واتسعت لأجل ذا ممالكه
وتمَّ في إمرتهِ ثمانيه ... مستوفياً أعوامهُ كما هيه
ولم تــــغــــثــــهُ خــــيلهُ ورجلهُ ... وبايعوا الواثق وهو نجلهُ
هارون كان عالماً بالحسبِ ... وكــــان عــــارفــــاً بعلم الأدب
وكان في اعتزالهِ شديدا ... ولم يــــكن مذهبهُ سديدا
أذى الإمام أحمد بن حنبلٍ ... وأظهر البدعة لما أن ولى
وقام يرجو نصرها ويبتغي ... وقال في القرآن ما لا ينبغي
لمــــا رواهُ مــــثلهُ مخلوقاً ... فمات في تنّورهِ محروقاً
أيامهُ خمس ينين عدَّها ... وتسعة من الشهور بعدها
ستة أيامٍ وفاضت نفسهُ ... وأفلت بعد الشروق شمسهُ
المتوكلُ المسمَّى جعفرُ ... أقام بنهى بعدهُ ويأمرُ
وهو أبو الفضلِ أخوهُ قُتلا ... في مجلس اللهو الذي فيهِ خلا
مدتهُ عشر سنين قد مضت ... وأربعٌ من بعدها قد انقضت
وبايعوا المنتصر ابنهُ فتمّ ... ستة أشهرٍ بها العمر ختم
ولم يـــــراعِ واجـــــب الحـــــقـــــوقِ ... ولا استحى من وصمة العقوقِ
فلم يمُتَّعـــ بعدهُ بالمُلكِ ... لكن تردَّى في مهاوي الهلكِ
ولم يقم من بعدهِ فيهِ سوى ... ستة أشهرٍ وفي اللحد ثوى
وذهب الملك العضوض من بده ... وبايعوا للمستعين ولده
فتمَّ فيها مدةً وخُلعا ... ومات مخلوعاً نهار الأربعا
كـــــانـــــت له إمــــرتــــهُ وارثــــه ... أعــــوامــــهُ مــــدتها ثلاثه
تتبعها من الشهور تسعه ... وذاق من وصل المنايا لسعه
وبعدهُ الخليفة المعتزُّ ... فــــسلبوهُ ملكهُ وابتزّوا
بــــعــــد ثلاثةٍ من الأعوامِ ... ونــــصــــف عــــامٍ مــــرَّ مع أيام
جملتها في عددٍ إحدى عشر ... وواجــــهــــوهُ بــــعنادٍ وبشرّ
وخــــــلعــــــوهُ ثــــــم عــــــذَّبــــــوهُ ... ظلماً وفي الحمَّام أكربوهُ
فمات فيهِ عطشاً ووهجا ... وســــلك المــــوت إليه نهجا
وبايعوا من بعدهِ للمهتدي ... خير إمام بالأشجِّ يقتدي
في نسكهِ ودينهِ وخيرهِ ... وعــــدلهِ وفي جميع سيرهِ
يسدي إلى الأنام كل حسنه ... فـــــقـــــتـــــلوهُ ولهُ دون ســـــنــــه
وهو على فعل الجميل مجتهد ... وبايعوا من بعدهِ للمعتمد
فاضطربت أيامهُ واختلَّت ... لضعفهِ وسقمت واعتلَّت
فانتهكت حرمتهُ الموالي ... وأحجمت عن ظعنها العوالي
واستأسد الأتراك والعلوجُ ... وهــــاجمت جيوشهُ الزنوجُ
فانتدب الموفق السعيدُ ... أخوهُ وهو الفارس الصنديدُ
وقام بالأمر قياماً حسنا ... كسا بهِ المُلك بهاءً وسنا
فانصلحت حينئذٍ أحواله ... جميعها ونفذت أقواله
وصار ملكهُ عظيم الشان ... مــــشــــيد الأركان للسلطانِ
فــــضــــاق ذرعــــاً بــــاخيهِ لمَّا ... شــــاركــــهُ فــــيه فمات غمَّا
وقيل مسموماً وقيل غير ذا ... وما صفى موردهُ من القذا
وتمَّ ثنتين وعشرين سنه ... ونصف عام ثم خلَّى وطنه
وبويع المعتضد الإمام ... وهو الشجاع البطل الهمامُ
والدهُ المـــــوفّـــــقُ المـــــذكـــــورُ ... وعمهُ المعتمدُ المشكورُ
فانصلت به الأمور الفاسده ... وأرغــــم الله تعالى حاسده
وكان سيداً كثير الفضل ... أحيا البلاد كلها بالعدلِ
تم على سريره عشر حجج ... وتــــســــعةً من الشهور ودَرَج
وبايعوا ابنهُ الإمام المكتفي ... وفضلهُ بين الورى لا يختفي
فطهَّر الدنيا من الزنادقه ... وكفرهم بالعزمات الصادقه
وقـــــهـــــر الخــــوارج الطــــغــــاةَ ... ودمَّر العــــــصــــــاةَ والبـــــغـــــاةَ
وفتحت بسيفهِ أنطاكيه ... وانتصفت بهِ وكانت شاكيه
من جور أهل الجور رهزا واستمر ... في ملكهِ ست سنين ثم مرّ
من بعد نصف سنة لها تلي ... ونصف شهرٍ راحلاً ثم ولي
من بعده المقتدر الزاكي كما ... قد قالهُ أهل التواريخ فما
أقام إلا ثلث عام واعتزل ... وعن سرير ملكهِ قهراً نزل
وبايعوا من بعدهِ للمنتصف ... وهو الذي بالعلم والفضل وصف
والدهُ الخــــليــــفة المعتزُّ ... كان إلى نيل العلى يهتزُّ
وكان شاعراً رقيق الحاشيه ... أشعارهُ بين الأنام فاشيه
يصيب فيها غاية الصوابِ ... فـــــأدركـــــتــــهُ حــــرفــــة الآدابِ
فانحلَّ أمرهُ وما استقاما ... وغــــدروا بــــهِ فــــمــــا أقاما
غير نهار واحد ثم قُتل ... ونصبوا المقتدر الذي عزل
وأبــــرزوهُ كــــالهــــلال الزاهــــرِ ... وخلعوهُ بعد ذا بالقاهرِ
ثم أعادوهُ إليها ثالثا ... وجرَّعوا القاهر هذا الكارثا
فتمَّ فيها آمراً وناهيا ... وقتلوهُ بعد هذا لاهيا
وكــــان مــــقــــدار الذي أقاما ... فيهِ إلى أن لقي الحماما
خمساً وعشرين وقام القاهرُ ... وفضلهُ بين الأنام باهرُ
فتمَّ فيها سنةً ونصفا ... ورصــــفــــوا لهُ أذاهــــم رصــــفــــا
فقبضوا عليهِ ثم سلموه ... وفعلو به الذي قد فعلوه
وبويع الراضي أبو العباسِ ... وفضلهُ مشتهرٌ في الناسِ
فضرب الدراهم المعروفه ... وبث فيما بينهم معروفه
وعــــمــــهــــم لجــــودهِ بــــالطــــولِ ... وكان شاعراً بليغ القولِ
أيامهُ تقرب من سبع حجج ... أقام فيها حاكماً ثمَّ درج
ومــــا تــــولَّى قطُّ والٍ فبقي ... وبايعوا من بعدهِ للمتقي
وهو أبو اسحق إبراهيم لم ... يزل على نهج صلاحِ مذ حكَم
وكــــان ذا عــــبــــادة مــــذكــــوره ... وصــــورةٍ صــــالحــــةٍ مــــشــــكــــوره
متصفاً بين الأنام بالتقى ... فــــغــــدروا بهِ ضلالاً وشقا
وخــــلعــــوهُ بعد ذا وكحلوه ... واللَه يجزيهم بما قد فعلوه
مــــدتــــهُ أربــــعةٌ أعوامها ... تنقص شهراً وانقضت أيامها
بخلعهِ فاللَه فيهم يكفي ... وبايعوا من بعدهِ المستكفي
فلقي الأقدار فيها حين ... وتمَّ عاماً واحداً وثلث عام
فقبضوا عليهِ ثمَّ سملوه ... ومات في سجن إليهِ حملوه
وبايعوا المطيع بعد ذلك ... وأبهجوا بنصبهِ الممالك
فتمَّ في القيام بالاحكامِ ... نحو الثلاثين من الأعوامِ
وطـــــال فـــــي إمـــــرتـــــهِ مــــداهُ ... وقويت في ضبطها يداهُ
وظــــنَّ أن الدهــــر قــــد سالمه ... ثــــــم اعــــــتـــــراهُ فـــــالجٌ آلمَهُ
فترك الخلافة اختيارا ... من بعد ما استشار واستخارا
ونصبَ الطائعَ فيها ولدَه ... وأحـــــــكـــــــم الأمــــــر لهُ وَوّطَّدَه
فــــتــــمَّ عــــشــــرة من الأعوامِ ... وسبعةً منها على التمامِ
وتسعة من الشهور واعتُقل ... من بعد ما قد خلعوهُ ونقل
مــــن حبسهِ لرمسهِ ذليلا ... وكــــان حقّاً ملكاً جليلا
وبويع القادر وهو أحمدُ ... وفضلهُ بين الوري لا يجحد
يوصف بالزهدِ وبالعباده ... ويــــتــــجــــلَّى بــــحلى الزهاده
مسددٌ بعدل في الأحكامِ ... ويــــبــــذل الإحــــســــان للأنــــامِ
ذو راحــــة من الغمام أندى ... وهيبة ترهب كل الأعدا
أقام فيها أربعين عاماً ... وســــنــــةً ثــــم مــــضــــى وقاما
من بعدهِ القائم عبد الله ... خــــيــــر إمــــامٍ آمــــرٍ ونــــاهــــي
يعدلُ في الأحكام والقضايا ... ويفعل الخير مع الرعايا
أربــــعــــة وأربــــعين عاما ... كــــاملةً في ملكهِ أقاما
ومــــاتَ مذكوراً بكل خير ... وسار للأخرى جميل السريِ
فبايعوا للمقتدي من بعدهِ ... ونــــصــــبــــوهُ في مكان جدِّهِ
فلم يكن لهُ سوى الاسم فقط ... وبعد ذا في هوَّة الموت سقط
وكــــانــــت المدة في أيامهِ ... تقارب العشرين من أعوامهِ
وبايعوا المستظهر ابنهُ فقام ... في أمرها مجتهداً حتى استقام
وكــــان ذا ســــيــــاســــة وعــــقــــل ... وفــــطــــنــــة كــــامــــلة وفــــضــــل
سيرتُهُ بين الأنام حسنه ... وملكهُ خمس وعشرون سنه
دامَ بــــهِ حــــتــــى أتــــاهُ هُــــلكُهُ ... فــــجــــلَّ مــــولى لا يزول ملكُهُ
وبايعوا المسترشد ابنهُ أبا ... منصور ذا الفضل الإمام المجتبى
كــــان جــــواداً جودهُ مشهورُ ... وبـــــطـــــلاً عـــــدوّهُ مـــــقــــهــــورُ
وشــــاعــــراً لســــانــــهُ فــــصيحُ ... وشــــعــــرهُ مستظرفٌ مليحُ
سنوُّهُ عدُّتها منذ ملك ... وقلّد الأمر إلى أن قد هلك
سبعٌ وعشرٌ وشهور خمسه ... وأصبحت حياتهُ منبسَّه
وبويع ابنه الإمام الراشدُ ... والدهر بالبلوى عليه حاشدُ
تقلَّبت فيهِ بهِ الأحوالُ ... وشـــــيَّبـــــت عــــارضــــهُ الأهــــوالُ
فــــخــــلعوهُ لا لذنب قارفه ... واستأصلوا تالدهُ وطارفه
فلم يمنع بسرورٍ وهنا ... ولم ينل بسعيهِ غير العنا
وبعد هذا قتلوهُ فتكاً ... وبتكوا منهُ الحياةَ بتكا
ولم يقم في الملك إلا عاما ... وأيُّ مـــــلكٍ ونـــــعـــــيـــــم دامــــا
وبايعوا من بعدهِ للمقتفي ... محمد بن أحمدٍ فقام في
تدبيرها مجتهداً بنفسه ... حتى ثوى من بعد ذا في رسهِ
مــــدتهُ عشرون عاماً عدَّه ... وبعدها أربعة ممتدَّه
وثلث عام أو قريباً منهُ ... وما بقي سوى الحديث عنهُ
وحـــــلَّ فـــــي تـــــربٍ له مـــــعــــفَّرِ ... فبايعوا ابنهُ أبا المظفَّر
وهو الإمام العادل المستنجدُ ... ومن لكن مسغيثٍ منجدُ
يوسفُ ذو المحاسن المشهوره ... والسيرة الجميلة المذكوره
مات قتيلاً بعد أن أقاما ... عشرين حجةً تزيد عاما
أضف لها شهراً وقام المستضي ... لسيفهِ بعد أبيه ينتضي
وهو الإمام الكامل الفضل حسن ... ومــــن لهُ قــــولٌ بــــليــــغ ولســــن
بــــهِ أضــــاءَ أفــــقُ ذاك العصرِ ... وقــــرنت أعلامهُ بالنصرِ
له السلاطين بمصر خطبوا ... وباسمهِ سكتها قد ضربوا
من بعد ما كانت بها قد بطلت ... مــــن مــــدةٍ طــــويــــلةٍ وعُــــطــــلَت
فنالَ لما جدّدت ما أملا ... ثم توفي بعد ما قد كملا
تــــسعة أعوامٍ ونصف عامٍ ... يتبعها نزرٌ من الايَّام
وبويع الناصر لما أن قضى ... وهو ابنهُ المولى الإمام المرتضى
فسرَّ كلُّ الناس منهُ أجمعين ... وتمَّ فيها ستةَ وأربعين
من السنين كملت بعشرَه ... من الشهور عدةً مشتهره
يتبعها بثُلثي شهر سوى ... بنقص يومٍ واحدٍ ثم ثوى
بقبرهِ سقتهُ سحب هامله ... من رحمة اللَه دواماً شامله
وبايعوا من بعدهِ المستنصر ... وهو إمام عادل مستبصر
أيام ملكهِ الذي بها ابتهج ... عشر سنين بعدها ست حجج
يتبعها من الشهور عشره ... وبعض أيام وخلى معشرَه
لمــــوتهِ يبكون بالدموعِ ... والدهر كم فرَّق من جموعِ
وبايعوا المستعصم ابنهُ أبا ... أحمد عبد الله شهماً ذا إبا
دانت لهُ مع غيرها الأملاكُ ... حتى أتى التتارُ مع هولاكو
فــــأخــــذوا مــــديــــنة السلامِ ... منتهكين حرمة الإسلامِ
وبالغوا في الظلم والعنادِ ... وسفكوا بغياً دمَ العبادِ
من بعدما والاهمُ ابن العلقمي ... وكان ذا طبع كطبع الأرقمِ
من أكبر الطغاة والعتاة ... وأخـــــبـــــث الروافـــــض الغـــــلاةِ
يكرهُ أهل السنة الشريفه ... ويضمر البغضاءَ للخليفه
فأطمع التتار في بغدادِ ... ومــــكَّنــــ الأعــــدا من البلادِ
حتى رموها بالأمور الفادحه ... لكفرهم فذهبت كالبارحه
وقتلوا هذا الإمام صبرا ... وأخذوا البلاد منهُ قهرا
وكــــان هــــذ الرافضيُّ يرجو ... بعد الذي أحدثهُ أن ينجو
فعكس الدهرُ عليهِ قصدهُ ... وعــــجَّلــــ اللَه تعالى حصدهُ
من بعد ما أذاقهُ الهوانا ... وقــــد رأَى من هونهِ ألوانا
ولقـــــي المـــــذلة الكــــثــــيــــره ... من بعد تلك الحظوة الأثيره
فمات فيها أسفاً وغمّا ... ونــــــال لعــــــنــــــات الورى وذمَّا
وبــــوأَ الله العظيم الشانِ ... هــــذا الإمــــام غــــرف الجنانِ
معوَّضاً عن السرير الفاني ... بسررٍ تبقى مدى الأزمان
مدتهُ عشر سنين بعدها ... خمس فحرّز ضبطها وعدَّها
وعشرة من الشهور معها ... وثلثا شهراتي فأجمعها
وبايع المستنصر العباسي ... بــــمصر إذ ذاك وجوهُ الناسِ
ونـــــصـــــبـــــوهُ للورى إمـــــامــــا ... وكان شهماً بطلاً هماما
فــــفوَّض الأمر إلى السلطانِ ... وسار في قوم من الشجعانِ
من مصر قاصداً إلى بغدادِ ... بــــنــــيــــة الجــــهادِ للأعادي
فلقي التتارَ قبل أن يصل ... إلى مدينة السلام فقتل
فبايعوا الحاكم بعد ذلك ... ونــــوروا بــــه الظلام الحالك
فــــفــــوَّض الأمر إلى بيبرسِ ... الظاهر الجالس فوق الكرسي
فقام بالتدبير للممالك ... وأمــــن الدروب فــــي المــــســــالك
وصــــار بالأمور مستبداً ... وســــلَّ للجهاد سيفاً حدا
وجــــهــــز البــــعوث والامدادا ... وقــــهــــر الأعــــداء والأضــــدادا
وبــــســــط العــــدل على الرعيَّة ... ولازم الخليفةُ الجمعيَّة
وآثر الأمن على المخافه ... وما بقي لهُ من الخلافه
شيءٌ يسرُّ قلبهُ سوى اسمها ... بين الأنام لدروس رسمها
وصار كلُّ من يليها بعدهُ ... لا يــــتــــعــــدَّى رســــمــــهُ وحــــدّهُ
وقــــامــــت المــــلوكُ والاحكامُ ... دونــــهــــمُ والنــــقض والأبرام
واللَه جــــلَّ مــــلكــــهُ حــــكــــيــــمُ ... وهو بتدبير الورى عليمُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرجز. يُلقّب بـ«حمار الشعراء» لسهولته، ويُستعمل في المنظومات العلمية والارتجال.
تفعيلاته: مستفعلن مستفعلن مستفعلن.
القافية: رويّها حرف الفاء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- البرا: برأ: البارئُ: مِن أَسماءِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، وَاللَّهُ البارئُ الذَّارِئُ. وَفِي التنزيلِ العزِيزِ: الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ. وقالَ تعَالى: فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ. قَالَ: البارئُ: هُوَ الَّذِي خَلَقَ الخَلْقَ لَا عَنْ … (لسان العرب)
- الشافعي: شفع: الشَّفْعُ: خِلَافُ الوَتْر، وَهُوَ الزَّوْجُ. تَقُولُ: كانَ وَتْراً فَشَفَعْتُه شَفْعاً. وشَفَعَ الوَتْرَ مِنَ العَدَدِ شَفْعاً: صيَّره زَوْجاً؛ وَقَوْلُهُ أَنشده ابْنُ الأَعرابي لِسُوَيْدِ بْنِ كُرَاعٍ وإِنما هُوَ … (لسان العرب)
- المستعين: ستع: حَكَى الأَزهري عَنِ اللَّيْثِ: رَجُلٌ مِسْتَعٌ أَي سريعٌ ماضٍ كَمِسْدَعٍ. (لسان العرب)
- المنافع: نفع: فِي أَسماء اللَّهِ تَعَالَى النافِعُ: هُوَ الَّذِي يُوَصِّلُ النفْعَ إِلى مَن يَشَاءُ مِنْ خلْقه حَيْثُ هُوَ خالِقُ النفْعِ والضَّرِّ والخيْرِ والشرِّ. والنفْعُ: ضِدُّ الضرِّ، نَفَعَه يَنْفَعُه نَفْعاً ومَنْفَعةً؛ ق … (لسان العرب)
- بايعوا: بيع: البيعُ: ضِدُّ الشِّرَاءِ، والبَيْع: الشِّرَاءُ أَيضاً، وَهُوَ مِنَ الأَضْداد. وبِعْتُ الشَّيْءَ: شَرَيْتُه، أَبيعُه بَيْعاً ومَبيعاً، وَهُوَ شَاذٌّ وَقِيَاسُهُ مَباعاً. والابْتِياعُ: الاشْتراء. وَفِي الْحَدِيثِ: لَا … (لسان العرب)
- بلغه: بلغ: بَلغَ الشيءُ يَبْلُغُ بُلُوغاً وبَلاغاً: وصَلَ وانْتَهَى، وأَبْلَغَه هُوَ إِبْلاغاً وبَلَّغَه تَبْلِيغاً؛ وقولُ أَبي قَيْسِ بنِ الأَسْلَتِ السُّلَمِيِّ: قالَتْ، ولَمْ تَقْصِدْ لِقِيلِ الخَنى: ... مَهْلًا فَقَدْ أَبْ … (لسان العرب)