أقامت كرومك في شهر آب
الشاعر: البحر النعامي · البحر: المتقارب
هذه القصيدة من شعر البحر النعامي، من العصر الفاطمي، وتقع في 122 بيتًا. نُظمت على بحر المتقارب، ورويّها حرف الباء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أقامت كرومك في شهر آب ... من الماء يفهق مثل الجوابي
فيا حبّذا طيبها في الخريف ... إذا قهقهت في أعالي الهضاب
يعاقيب تحسب أوجالها ... مع الصبح فيه تيوس تيابي
ويا حبذا هي في ذي معون ... إذا الصيف ساعدها بانسكاب
بنضح الدواجن بعد السيول ... فأبصرت فيها كوشي الزرابي
وفي غيرها من كروم السواد ... إلى حد حرفة تحت الذباب
من اللوز والورد والأقحوان ... ومن كل زوج من النبت رابي
فلا طيب أطيب من ريح ورد ... إذا بات يعلوه طل الضباب
وأصبح يأرج بين الكروم ... كريح القرنفل بين السخاب
فلا شئ أبهج منه إذا ما ... تداعت له الطير بين الشعاب
تداعت بوارع صفر البطون ... وغنَّتـــ أياطف حمر الرقاب
وصاحت جوالب جوف فناحت ... بطول الترنم بعد اكتئاب
ومنها أيارد تحكي الصنوج ... بأصواتها الباهيات العجاب
وخضر العدارج بين الغصون ... تراطن فيها كريح غضاب
إذا ما ترنّمن من فوقهن ... نفخن الحواصل مثل الكياب
وخــــوفهن بلحظ العيون ... وطول المناقر والانتصاب
إذا ما أتيت تزور البلاد ... طربت لأصواتهن الطراب
فلا تبرزن لكلب الشتاء ... فكلب الشتاء أضر الكلاب
تراهن ينظرن أطواق حمر ... حسان ليسلبنها باغتصاب
حسدن الأياطف حسن الغناء ... فــــصــــار بهنّ أشدّ الضراب
فلما تخوفن منهن طرن إلى ... كل غصن من الطلح نابي
يــــغــــردن فــــيــــه لألا فهنّ ... وأفراخهن فهيّجن ما بي
وذكرنني ما مضى من شبابي ... وأنا أدكارك بعد الخضاب
كــــأن تــــجــــاوب أصــــواتــــهــــن ... حكين المزامير في ذي الخشاب
فدع ذا وقل في شهور بداه ... الحمير والروم أهل الكتاب
إذا استقبل الناس وجه الربيع ... وقابلت تشرين في ذي الصراب
ففي ذي الصراب فكن طالباً ... للمــــس نــــســــائك لا للقحاب
لما تستحل ولا تطلبن ... حراماص فتجزى بسوء العقاب
وأكثر من القيء بعد الجماع ... وكل من كراثك أكل الغراب
بــــخل الدنان ودع ما حلا ... وما كان من صالح في تباب
وفــــيــــه زكــــام وما للزكام ... كماء الحميم ولا للقحاب
وتشرين ذو المهلة الحميري ... كصاحبه لا تكن ذا ارتياب
ســــمــــيّــــان حــــدهــــما واحد ... سوى ليلة نقصت في الحساب
ولبس العمائم فيه شفاء ... لدائهما فالتئم بالنقاب
وكانون ذو الآل يتلوهما ... ببرد يقد خوافي العقاب
إذا الليل أودى بطول النهار ... رأيت النهار سريع الذهاب
وكانون من بعده ذو الدباو ... فدارهما بالكسا والجباب
وبالدهن والتفهما بالجماع ... وقو الجماع بنهش الكباب
وأكثر من الثوم قي السيكباج ... وضع فيهما من فروع الشذاب
ومن كل ما يصلح الحر فيه ... فكله هنيئا بضرس وناب
فتلك شهور تثير القتير ... تهيج سما كستم الحباب
إذا هاج بالمرء شلّت يداه ... وأزبد مما به كالمصاب
وذو الحلة الفحل منها شباط ... وفيه إذا جاء نبذ المخابي
ويمتار ذو الزرع فيه الطعام ... إذا المحل أودى بما في العباب
وفيه لعمرك تسقي الكروم ... وترفع من بعد طول الخراب
هنالك تضرى ذئاب البلاد ... فتلهو الكلاب بسؤر الذئاب
وتنحل فيه المواشي كما ... يحلّ القلائص طول الهباب
ورفع الأحشة أعناقها ... إذا لبدت في صدور العقاب
وتهجيرها بعد إدلاجها ... إلى كعبة جعلت للمتاب
لكل امرىء محيت لم يزل ... إليها له قدم في الركاب
شــــبــــاط كــــذلك يــــزرى بها ... إلى أن تؤوب وقبل الإياب
ودر في شباط وكل ما حلا ... مع الأطلاء وكن ذا ارتغاب
تحل السمان وتبري العظام ... وتطوى البطون كطى الكتاب
فلا تمتنع فيه من مأكل ... سوى الملح أو حامص من شراب
ولا تترك الطيب تشتمه ... ولا الدأب واترك لزوم الوثاب
للَذعِ المشارط في ذي معون ... وقطع العروق لحدّ الشباب
إذا وازن الليل وزن النهار ... فميزان ساعته لا يحابي
فكل فيه من سمكات الصيود ... من البحر أو من عيون عذاب
وشرب العقاقير فاصبر لها ... فإن لأذار تخبّا الخوابي
ونيسان ذو الثاية المرتجا ... فنعم المرجا لما في الروابي
إذا أنــــزل الله رب العــــبــــاد ... على العرق في الترب ماء الرباب
وأصبحت ترمق فوق الكروم ... عوالي سرع كمثل القباب
فأكرم بنيسان من زائر ... إذا ما تكنفنا بانصباب
وإن اعتبته ليالي العجوز ... تدلت عناقيده كالمزابي
فمنها نفاد جرين الزبيب ... ويجمعها كالجبال الحوابي
وأيار ذو المبكر الفحل فيه ... ودبّاو وأشباهه كالضباب
فــــدع كــــل مــــخ وأكــــل الرؤوس ... فإنهما مثل سم وصاب
وفيه هواجر فيها سموم ... ووهجٌ من القيظ جارى السراب
وأقصر إذا ما أتى ذو القياظ ... وهمّت هواجرها بالتهاب
عن الشمس فيه وشرب الحليب ... ونهش اللحوم وأكل الثراب
حزيران فيه تثور المرار ... كما ثار قدرٌ بسمن مذاب
فاطف المرار بماء قراح ... على الريق فيه وكن ذا اجتناب
للمس النساء وشرب الدواء ... إلى منتهى الشمس عند الإياب
إذا ما انتهى فيه طول النهار ... فنمت الليالي كنوم الذئاب
وأعـــــدد لتـــــمــــوز ذي مــــذران ... من الطعم أبرده والشراب
وألقِ الجــــباب ولا تلبسن ... لتـــــمـــــوز إلا أرقّ الثــــيــــاب
ودع فـــــوق رأســـــك مـــــن حـــــرّه ... بنفسا ودع عنك دهن الملاب
ومثل الغوالي فدعها تدم ... ففي تركها أسّ علم عجاب
كل القرع والمالح العقّ فيه ... ورطب الثمار كذي الانتهاب
ولا تأكل السمن فيه ولا ... سمينا وكن منهما ذا اهتياب
ودافــــع نــــساءك في وقته ... إذا جئن في زينة الاعتراب
كما يدفع المرء عنه الغريم ... بلين الكلام وحسن الجواب
وجالس حكيما تزد حكمة ... ويلهك عن كل خودٍ كعاب
فإنك إن لم تصبهن فيه ... وما طلتهن بطول الغياب
تجنبت سقما طويل العلاج ... وأثبت علما بترك التصابي
فعلم الطبيب اللبيب الأريب ... كعلم الحكيم الذي لا يحابي
وتموز ذو اللب فيه حزين ... وذو الجهل من نفسه في عذاب
وفي ذي الخراف فلا تعدما ... فعلت بتموز في كل باب
فـــــآب كـــــتــــمــــوز فــــي حــــرّه ... فكن فيهما صابراً ذا احتساب
وغاد العناقيد في بردها ... مع الصبح فيه غدو الغراب
ففيه لعمري تطيب الكروم ... ويجلو السما ثمّ صوت السحاب
كل الثوم باللحم والسمن فيه ... وباللبن المخض غير المراب
نداوي سوادا من المرتين ... إذا آبَ آب فــــــــكـــــــله بـــــــآب
ففيه تهيج بأصحابها ... وتعلق يبوستها في الرضاب
وتبدو بهم عندها غبرةٌ ... ولون قــــبيح كلون التراب
فــــلا خــــير فيه لذى مرة ... توقد في الجوف مثل الشهاب
من الحر صفراء فاعرفهما ... يـــــلى ثـــــمـــــن مـــــن حــــجــــاب
ويأتيك أيلول من بعده ... بأيام علّان من بعد آب
إذا اعتدل الليل مثل النهار ... رأى فيه فضلا كفضل الحضاب
جديدان يقتسمان الشهور ... مطاعان فيه لرب مجاب
وفيه علاج من المرتين ... وما يتّقى من دم أو لعاب
دع البقل فيه وخذ بالذي ... مضى قبله من قواف صعاب
صعاب القوافي وإنشادها ... يليق بأفواه أهل الصواب
نعست الشهور لأني سبقت ... إليهن سبق جياد عراب
سبقتهم إذا كبا جربهم ... ومثلي إذا ما جرى غير كاب
ألم أرم فــــي نصل لم يكن ... رمى مثله أحد من صحاب
أصابَ المقرطس نزعى بسبع ... واتبعته بثلاث صباب
فأحمد ربي إله السماء ... على ما حباني به للصواب
حباني بحب وصي النبي ... وما لأمرىءٍ مثل باريه حابي
بطيب الولادة أحببته ... وباب السعادة والاحتساب
وخبث الولادة تبدى العيوب ... كماي ظهر الحرق مافي الجراب
أحــــب علياً كحب النبي ... على رغم ذي الشك والارتياب
وأبغض أعداءه الناكثين ... كبغض البنان لوجه الإباب
لأنّ عـــــــليّـــــــا له جــــــوهــــــر ... سما في الهدى فهو لب اللباب
يـــــزيـــــنــــه حــــســــبٌ فــــاخــــر ... وصــــدق وبر لذي الانتساب
كعود النضار إذا قسته ... إلى الناس كانوا لذي الانتساب
فإن عليّا أقام الصلاة وآتى ... الزكـــــاة بـــــصــــدق المــــثــــاب
وفرق فيه بين جد وهزل ... ببعد له مهما واقتراب
فأصبحت عند عداة الوصيّ ... بحبي له غرضا للسباب
لأنّـــــي أواليـــــه مـــــا غـــــرّدت ... مطوقة في فروع النوابي
وما عقل العصم في سامك ... من السر أو في أعالي ذباب
ولعنة ربي على المبغضين ... عليّا ولقوا شديد العقاب
البحر والقافية
القصيدة على بحر المتقارب. بحر سريع متلاحق التفعيلات، يصلح للحماسة والملاحم والقصص لتدفّق إيقاعه.
تفعيلاته: فعولن فعولن فعولن فعولن.
القافية: رويّها حرف الباء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الجوابي: جوب: فِي أَسماءِ اللَّهِ المُجِيبُ، وَهُوَ الَّذِي يُقابِلُ الدُّعاءَ والسُّؤَال بالعَطاءِ والقَبُول، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَهُوَ اسْمُ فَاعِلٍ مِن أَجاب يُجِيبُ. والجَوابُ، معروفٌ: رَدِيدُ الْكَلَامِ، والفِعْل: أَجاب … (لسان العرب)
- الذباب: ذبب: الذَّبُّ: الدَّفْعُ والمَنْعُ. والذَّبُّ: الطَّرْدُ. وذَبَّ عَنْهُ يَذُبُّ ذَبّاً: دَفَعَ وَمَنَعَ، وذَبَبْت عَنْهُ. وفُلانٌ يَذُبُّ عَنْ حَريمِه ذَبّاً أَي يَدْفَعُ عَنْهُمْ؛ وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه: … (لسان العرب)
- الزرابي: زرب: الزَّرْبُ: المَدْخَلُ. والزَّرْبُ والزِّرْبُ: موضعُ الْغَنَمِ، وَالْجَمْعُ فِيهِمَا زُرُوبٌ؛ وَهُوَ الزَّرِيبَةُ أَيضاً. والزَّرْبُ والزَّرِيبةُ: حَظيرةُ الْغَنَمِ مِنْ خَشَبٍ. تَقُولُ: زَرَبْتُ الغنمَ، أَزْرُبُها ز … (لسان العرب)
- السيول: سيل: سالَ الماءُ والشيءُ سَيْلًا وسَيَلاناً: جَرَى، وأَسَالَه غيرُه وسَيَّله هُوَ. وَقَوْلُهُ عز وجل: وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ؛ قَالَ الزَّجَّاجُ: القِطْرُ النُّحاس وَهُوَ الصُّفْر، ذُكِر أَن الصُّفْر كَانَ لَا ي … (لسان العرب)
- اللوز: لوز: اللَّوْزُ: مَعْرُوفٌ مِنَ الثِّمَارِ، عَرَبِيٌّ وَهُوَ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ كَثِيرٌ، اسْمٌ للجنس، الواحدة لَوْزَة. وأَرض مَلازَة: فِيهَا أَشجار مِنَ اللَّوْزِ، وَقِيلَ: هُوَ صِنْفٌ مِنَ المِزْجِ، والمِزْجُ: مَا لَم … (لسان العرب)
- النبت: نبت: النَّبْتُ: النَّباتُ. اللَّيْثُ: كلُّ مَا أَنْبَتَ اللَّهُ فِي الأَرض، فَهُوَ نَبْتٌ؛ والنَّباتُ فِعْلُه، ويَجري مُجْرى اسمِه. يُقَالُ: أَنْبَتَ اللهُ النَّبات إِنْباتاً؛ وَنَحْوَ ذَلِكَ قَالَ الفرَّاءُ: إِنَّ النَّ … (لسان العرب)
- الهضاب: هضب: الهَضْبَةُ: كلُّ جَبَلٍ خُلِقَ مِنْ صخرةٍ واحدةٍ؛ وَقِيلَ: كلُّ صخرةٍ راسيةٍ، صُلْبةٍ، ضَخْمةٍ: هَضْبةٌ؛ وَقِيلَ: الهَضْبةُ والهَضْبُ الجَبَل المنْبَسِطُ، يَنْبَسِطُ عَلَى الأَرض؛ وَفِي التَّهْذِيبِ الهَضْبَةُ؛ وَقِ … (لسان العرب)