اِنهِلالُ الدُموعِ يَشفي الكَئيبا
الشاعر: أبو الحسن الحصري · البحر: الخفيف · الغرض: قصيدة حزينة
هذه القصيدة من شعر أبو الحسن الحصري، من المغرب والأندلس، وتقع في 64 بيتًا. نُظمت على بحر الخفيف، ورويّها حرف الباء، وغرضها قصيدة حزينة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
اِنهِلالُ الدُموعِ يَشفي الكَئيبا ... إِن هِلالُ العُلا أَطالَ المَغيبا
كانَ فَألُ الهِلالِ فيهِ اِقتِراباً ... فَمِنَ الحَقِّ أَن نعيبَ النَعيبا
غابَ في آبٍ عَن مَصلّاهُ مضنى ... فَتَفاءَلتُ طامِعاً أَن يَؤوبا
تَعس الفَألُ في تَغَرُّبِهِ كا ... نَ صَدوقاً وَفي الإِيابِ كَذوبا
ما حَسِبتُ القُبورَ تَستَودِعُ الأَق ... مارِ فيها حَتّى دَفَنتُ الحَبيبا
يا غروبَ الدُموعِ فيضي إِذا ما ... الشَمسُ مَطلَعاً وَمَغيبا
كانَ عَبد الغنيّ لِلعَينِ نوراً ... وَلِقَلبي هُدىً وَلِلعَيشِ طيبا
كانَ شيبي بِهِ شَباباً فَلَمّا ... بانَ عَنّي رَدَّ الشَبابَ مَشيبا
كُنتُ في غُربَتي كَأَنّي بِهِ في ... وَطَني فَاِنقَضى فَعُدتُ غَريبا
لَم يَدَع فَقدُهُ لِمَغنايَ مَعنىً ... فَخَلا آهِلاً وَضاقَ رَحيبا
أَخَطَأَتني الخُطوبُ ما أَخطَأَتهُ ... ثُمَّ أَنّي أُصِبتُ لمّا أُصيبا
لَستُ أَنسى مَقامَهُ وَمَقامي ... وَكِلانا مِثلُ القَتيلِ خَضيبا
أَنفُهُ يَنثُرُ العَقيقَ وَعَيني ... تَنثُرُ الدَمعَ بِالعَقيقِ مَشوبا
ضَمَّني شاكِياً إِلَيَّ وَقَلبي ... كُلَّما يَشتَكي يَطيرُ وَجيبا
فَكَأَنّي قَبَّلتُ مِنهُ هِلالا ... وَكَأَنّي عانَقتُ مِنهُ قَضيبا
وَبِــــوُدّي لَو اِحــــتَــــمَــــلتُ فِــــداءً ... عَنهُ ذاكَ الضَنى وَتِلكَ الكُروبا
لَم أطِق فيهِ حيلَةً غَيرَ أَنّي ... مُذ قَضى نَحبَهُ أَلفتُ النَحيبا
إِنَّ تَــــأبينَهُ الَّذي هُوَ دَأبي ... حَرَّمَ المَدحَ بَعدَهُ وَالنَسيبا
قُل لِصيدِ المُلوكِ أَنقَضتُ ظَهري ... في رِضاكُم مِمّا أَقولُ ذُنوبا
وَعَسى اللَهُ أَن يَتوبَ عَلى المُذ ... نِبِ مِن قَبلِ مَوتِهِ لِيَتوبا
فَصِلوني لِحُرمَةِ العِلمِ أَو لا ... تَصِلوني لا مَدحَ لا تَشبيبا
ماتَ مَن كُنتُ أَقطَعُ البيدُ جَرّا ... هُ وَأَرجو المُنى وَأَخشى الخُطوبا
وَعَظَتني الدُنيا مَواعِظَ شَتّى ... وَأَقَلُّ العِظاتِ تَكفي اللَبيبا
فُصحاء الخِطاب في الخَطبِ تَعيا ... وَكَفى أَعجَمُ الخُطوب خَطيبا
أَبلغُ الوَعظِ أَن تَرى اليَومَ عَيني ... خَلِقاً مَن رَأَتهُ أَمس قَشيبا
مَن صَحا عَقلهُ وَصَحَّ سَلا عَن ... حُبِّ دُنياهُ إِنَّهُ كانَ حوبا
زاهِدٌ في الحَياةِ أَفضَلُ عِندَ ال ... لَهِ مِمَّنــ يَكونُ فيها رَغيبا
ما أَغَرَّ الحَياةَ لِلمَرءِ ما أَب ... عَــــدَ آمــــالَهُ وَأَدنى شَعوبا
ما أَقَلَّ الوَفاءَ ما أَضعَفَ الطا ... لِبَ في ذا الزَمانِ وَالمَطلوبا
هَل تَرى أَيُّها الشَموتُ بِرُزئي ... آمِناً مِن زَمانِهِ أَن يَنوبا
قَدكَ هَب كُربَتي عِقاباً بِديني ... أَبِتَقواكَ لَم تَمُت مَكروبا
بَل عِبادُ الإِلهِ نَحنُ يُعافي ... مُحسِناً ذا وَيَبتَلي ذا مُثيبا
عَـــــلِمَ اللَهُ كَـــــيــــفَ عــــيــــشــــي ... قَدَراً مِنهُ وَاِبتَلى أَيّوبا
وَاِبتَلى يوسُفاً لِيَملِكَ مِصراً ... وَشَفى بَعدَ حُزنِهِ يَعقوبا
با حَبيبُ الإِلهِ لَولا المَنايا ... لَشَفى مِنكَ ما أعلَّ الطَبيبا
يَومَ نادَيت فَرَّجَ اللَه كَربي ... إِنَّني اِشتَقتُ مَسجِدي وَالأَديبا
وَلِدات سَبَقتهُم لَحِقوني ... صارَ مَن كانَ غالِباً مَغلوبا
طالَ سُقمي فَاِرفَع دَواتي وَأَقلا ... مي وَلا تَمحُ لَوحِيَ المَكتوبا
فَإِذا ما أَفَقتُ أَدرَكتُ مَن فا ... تَ وَعادَت عَنقاؤُهُم عَندَليبا
وَلدي كَيفَ نَستَوي أَنا في حر ... رِ الرَزيا وَأَنتَ في ظِلِّ طوبى
أَنتَ حَيثُ المُقَرَّبونَ فَأَبشِر ... وَسَــــل اللَهَ أَن أَراكَ قَــــريــــبــــا
وَاِسقِني الماءَ يَومَ تروى وأصدى ... نَصباً مِن خَطيئَتي وَلُغوبا
كَبِدي أَشفعُ لِسائِرِ الجِسمِ أَسلَم ... مِن لَظى يَوم يَستَطيرُ لَهيبا
ما أَظُنُّ الكَريمَ يَرضى إِذا أَن ... عَمَ بَعضي لِبَعضي التَعذيبا
كَم تَلَقَّيتُ في العروبَةِ ثَكلى ... فَتَلَقَّيتَ أَنتَ بِكراً عَروبا
رُقتَها وَالسَقام قَد فضَّ تَفضي ... ضَ المحيّا وَأَذهَبَ التَذهيبا
ثُمَّ قالَت دَعَوتَنا فَأَجَبنا ... كَ وَلَسنا نُجيبُ إِلّا النَجيبا
فَتَبَوَّأ في الخُلدِ حَيثُ تَرى اللَ ... هَ وَتَلقى نَبِيَّكَ المَحبوبا
حَيثُ وَفى نَصيبَكَ اللَه فَوراً ... وَالمُنى أَن نُصيبَ فيكَ نَصيبا
لَهف نَفسي عَلَيكَ يا غُصنَ بانٍ ... خَرَّ يَبساً لمّا تَثنّى رَطيبا
سَمتُهُ سَمتُ ذي تقىً وَعَفاف ... لَو دَرى ما الهَوى أَنامَ الرَقيبا
مِن بَني القَومِ مَن يَشُبُّ عَفيفاً ... وَمِــــــنَ القَــــــومِ مَــــــن يَـــــشُـــــبّ
يَــــقِــــظٌ عَــــدَّتِ العُــــقول ذُكاءً ... قَبَساً مِن ذكائِهِ مَشبوبا
قَبلَ أَن يَكتُبَ العُشورَ يَعيها ... فَيَرى الناسُ مِنهُ أَمراً عَجيبا
وَلَقَد صُنتُهُ وَأَمسَكتُ عَن كُت ... تــــابِهِ خَوفَ أَن يُعانَ دَؤوبا
فَإِذا العَينُ أَثَّرَت فيهِ مِن قَب ... لُ لِكَي يَظفَرَ العِدى وَأخيبا
وَعَزيز عَلى العُلا أَن تَراهُ ... أَنشَبَت فيهِ النائِباتُ نُيوبا
كَم سَأَلتُ الأَديبَ رِفقاً وَكَم لُم ... تُ عَلَيهِ فَقالَ لا تَثريبا
إِنَّ أَتــــرابَهُ اِهــــتَــــدوا بِهُــــداهُ ... فَتَحَلَّت أَخلاقُهُم تَهذيبا
لا تَلُمني فَما ضَرَبتُ وَمَن ذا ... يَضرِبُ الطائِرَ الذَكيّ الأَريبا
خَــــضَــــعَــــت بَــــعدَهُ رِقاب لِدات ... كانَ فيهِم مُعَظَّماً وَمَهيبا
كــــانَ يَهدي قُلوبَهُم ثُمَّ وَلّى ... فَعَموا الآنَ أَعيُناً وَقُلوبا
يا اِبنَ تِسع يَحكي اِبنَ تِسعينَ رَأياً ... وُنهوضا يَفوتهُ وَوُثوبا
حُقَّ لي أَن أَشُقَّ قَلبي ثُكلاً ... لا أُوَفّيكَ إِن شَقَقتُ الجُيوبا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الخفيف. من أعذب البحور وأكثرها شيوعًا بعد الطويل والكامل، خفيف على السمع يصلح لأغراض كثيرة.
تفعيلاته: فاعلاتن مستفعِ لن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف الباء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الكئيبا: يَبَا: ابْنُ بَرِّيٍّ خَاصَّةً: يَبةُ[[. قوله [يبة] ضبطت الياء بالفتح في الأصل، والذي في معجم ياقوت بسكونها، ورسمت التاء فيه مجرورة فمقتضاه أنه من الصحيح لا من المعتل.]] اسْمُ مَوْضِعٍ وَادٍ بِالْيَمَنِ؛ قَالَ كَثِيرٌ: إ … (لسان العرب)
- المغيبا: غبأ: غَبَأَ لَهُ يَغْبَأُ غَبْأً: قَصَدَ، وَلَمْ يَعْرِفْهَا الرِّياشي بالغين المعجمة. (لسان العرب)
- النعيبا: عبأ: العِبْءُ، بالكسرِ: الحِمْل والثِّقلُ مِنْ أَي شيءٍ كَانَ، وَالْجَمْعُ الأَعْباء، وَهِيَ الأَحْمال والأَثْقالُ. وأُنشد لِزُهَيْرٍ: الحامِل العِبْء الثَّقِيل عَنِ الجاني، ... بِغَيرِ يَدٍ وَلَا شُكْرٍ وَيُرْوَى لِغَيْ … (لسان العرب)
- تعس: تعس: التَعْسُ: العَثْرُ: والتَّعْسُ: أَن لَا يَنْتَعِشُ العاثِرُ مِنْ عَثْرَتِه وأَن يُنَكَّسَ في سِفال [سَفال]، وَقِيلَ: التَّعْسُ الِانْحِطَاطُ والعُثُورُ. قَالَ أَبو إِسحاق فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَتَعْساً لَهُمْ وَأَ … (لسان العرب)