أيــا مــن تــجــلى فــي بـهـاء جـمـاله

الشاعر: محمد بن أحمد البوزيدي · البحر: الطويل

هذه القصيدة من شعر محمد بن أحمد البوزيدي، من العصر الحديث، وتقع في 364 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

أيــا مــن تــجــلى فــي بـهـاء جـمـاله — وســـــر كـــــمــــاله وعــــز ورفــــعــــة

تـــجـــليـــت بـــأســرار ســرك ظــاهــرا — وأخــفــيــتــهـا بـعـد الظـهـر لحـكـمـة

وأبــهــمــت أمـرهـا عـن الخـلق جـمـلة — ســـوى عـــارف صـــفـــى مـــن كـــل عــلة

له بـالمـعـانـي عـلم يـدريـهـا كيفما — تــجــلى بــهــاؤهــا عــلى كــل هــيــئة

مــحــوت ســواك عــنــه مــحــوا مـؤبـدا — وعــايــن حـضـرة المـعـانـي القـديـمـة

بـــأنـــوار عـــلمـــهــا بــدت لفــؤاده — وبــضــوء حــالهــا رأتــهــا السـريـرة

لهــا إدراك الكــمــال خــصــت بــســره — مـن بـيـن أسـرار الخـلق فـازت بـعـزة

فــلولا دنـا الوصـف ألبـسـت نـفـسـهـا — لمـا احـتجبت عنها الأسرار العالية

فــحــســنــك ظــاهــر ولكــن بــجــهـلهـا — خـــفـــى ســـره وهـــو فــي أقــوى شــدة

فــصــور وهــمــهــا الوجــود ولم يـكـن — ومـــا كـــان هـــذا قـــبــل إلا لعــلة

فـــلو درت حـــســـنـــه فـــي كـــل آيــة — لمــا التــفــت للبــعـض مـنـه بـنـظـرة

فـــكـــل جـــمـــال مــن جــمــالك أبــرز — عـلى تـرتـيـب المـراد بـألطـف حـكـمـة

ولمـــــا أردت للعـــــيـــــان بـــــروزه — تــجــليــت بــالكــمــال فـي كـل وجـهـة

فـــقـــلت لنـــفـــســـك لأعـــظـــم ســـرك — لمـا شـئت كـن يـبـدو مـن أسـرع لمـحة

فــهــي طــوع المــراد مــنــك حـقـيـقـة — وكــل مــراد يــقــضــى بــعــد الإرادة

تـــنـــزلت الأســرار مــن بــحــر ســرك — وأجـرى عـليـهـا مـنـك حـكـم الكـثـافة

وبـدا ظـلال السـر فـي الحـسـن جـهـرة — وهـــي التـــي كـــانـــت عـــليـــه أدلة

وصــورة فــي الظــهــور طــوت جـمـيـعـه — كـمـا طـوى سـرهـا مـعـانـي الحـقـيـقـة

وللروح أكـــبـــر العـــقـــول تـــنـــزل — وبــاكــبــر العــقــول صــارت كــبـيـرة

ومـن أربـاب الأذواق نـالت عـلومـهـا — وهــاجــت فــهــومــهــا وصــارت عـاليـة

ودرت مــا لم تــدره قــبــل فــنـائهـا — ومـنـهـا بـدت لهـا الأسـرار الغريبة

طـويـت فـي شـكـلهـا الأشـكـال جميعها — وإن كـانـت فـي التـجـلي مـالا نهاية

فـسـرهـا قـد أحـاط بـالأشـيـاء جـمـلة — وإن كـانـت بـالجـسـم الأشـياء محيطة

فــلو زال وصــفــهــا لزالت حـجـوبـهـا — ولبــدت شــمــســهــا بــنــور مــضــيــئة

ولا نـــكـــشـــف لســـر صــاحــب ســرهــا — حــقــائق أســرار الوجــود الخــفــيــة

ولكـــان كـــل الكــون عــنــده مــراده — يـــقـــلبــه حــقــا فــي أســرع لحــظــة

ولدرى ســر المــعــنـى فـي كـل مـظـهـر — ولبــدا وجــه الســر فــي كــل وجــهــة

ولأيــــقــــن الفــــؤاد بــــذاتــــهــــا — وأنـــهـــا وحــدة مــن غــيــر ثــنــيــة

فـــمـــن ســر الســرســره بــدا جــهــرة — بــذلك كــانــت كــل الأشـيـاء خـادمـة

فــنــقـطـة السـر بـحـر والحـرف بـرهـا — ومــن حــرفـهـا الحـروف بـدت بـحـكـمـة

وبـالقـنـط والاشـكـال زادت تـبـايـنا — لمــن له عـلم بـالمـعـانـي القـديـمـة

وقــد بــدت جـهـرة مـن بـعـد سـتـارهـا — وراء لامـــيـــن للظـــهـــور مــشــيــرة

وبـالنـطـق بـهـا تـدري إن كنت فاهما — وفـيـهـا انـتـهـت ريـاس بـحر الحقيقة

فــواصــل فـي بـحـر الألى غـاص فـكـره — وكـــامـــل زاد للمــعــانــي الجــليــة

ظــهــرت بــه ظــهــورا فــي كـل مـظـهـر — وليـس عـلى التـحـقـيـق سـوى الحـقيقة

أزالت كــل الأكــوان عــنـد ظـهـورهـا — ولم تــكـن قـبـل المـحـو إلا لحـكـمـة

بــهــا ثــبــت الإبـعـاد للورى عـامـة — تــوهــمــتــهـا غـيـر لجـهـل الطـريـقـة

فــلو ســلكــوا حـقـا بـدا لهـم سـرهـا — غــاب جــمــيــع الفــرق فـي كـل وجـهـة

ولو خــرجــت عــمــا بــه قــد تــعــودت — لنــالت شــفــاء الروح مــن كــل عــلة

ولصــح جـسـمـهـا السـقـيـم مـن كـل مـا — أصــابــه مـن عـشـق الأمـور العـاديـة

ولبــدت شــمــس ســرهــا فــي عــالمـهـا — ولأوضــحــت مــعــنــاه كــل الإضــاحــة

فــلولا الهــوى لمـا احـتـجـب نـهـاؤه — ومــا النــفــس إلا للهــواء مـطـيـعـة

فــلجــيــوش الهــواء كــن مــتــشــتـتـا — نـصـحـتـك فـاقـبـل يـا لبـيـب نـصـيـحـة

فــإن مــلت فــرت مــعــنـاك وتـبـاعـدت — وأقــــبـــل ليـــلك بـــرعـــد وظـــلمـــة

فـإن شـئت بـالمـعـانـي جـمـعـك دائمـا — فــلا تــمــل نـحـوه فـفـي المـيـل ذلة

ويــكــفــيــك سـجـنـك فـي قـفـص عـالمـك — ورؤيـــة كـــونــك بــعــيــن العــمــيــة

فـحـق البـصـيـر يـفـنـى مـا سـوى وجهه — وإلا فــلســت مــن أربــاب البــصـيـرة

فـمـن له عـيـن الجـمـع أعـلا حـقـيـقة — ومــن لا فــلا يـدري كـمـال الولايـة

وإن أبــــرزت عـــلى يـــديـــه خـــوارق — وظــاهــره عــلى مــنــهــاج الشــريـعـة

فــأحــوالهــا تــبــدو عـلى مـن تـوجـه — إليــهــا بــخــدمــة مـن أهـل الإرادة

وهـذا لبـعـض القـوم فـي حـال سـيـرهم — وتـبـدو لأقـوام فـي حـالة النـهـايـة

فــأكــثــرهـم عـلى اليـقـيـن بـنـاؤهـم — فــلا التــفــات لهــم مــن أول وهــلة

عـلت هـمـم الأرواح للعـالم الأسـنـى — بـــمـــحـــض تـــفـــضـــل وجـــود ومـــنــة

عـايـنـت أسـرار المـعـانـي بـعـيـنـهـا — ولولاهـا مـا رأتـهـا عـيـن السـريـرة

بـنـورهـا قـد بـدت عـن طـلعـة وجـهـها — إلى عــيــن مــرآة القـلوب الصـافـيـة

فــمــن كــنــت له بــالمــنـن مـقـابـلا — رفــعــت عــنـه تـلك الحـجـب السـاتـرة

وعــلمــتــه مــن العــلوم لطــيــفــهــا — وحـــقـــقــت ســره بــســر الحــقــيــقــة

وأشــهــدتــه الســر المــصــون بــســرك — وأيــــقــــن أن مـــا ســـواك لغـــفـــلة

وبــالقــهــر والقــضــا المـقـدر عـنـك — ســــتــــرت الأســــرار وهــــي جـــليـــة

ظـهـورهـا قـد تـغـطـى بـالكـشـف للغطا — وبـالكـشـف للغـطـا اسـتـدلوا البـرية

فـاقـوام بـالآيـات كـان اسـتـدلالهـم — وأنـــت لبـــعـــضـــهــم غــايــة الأدلة

هــنــيــئا لمــن كــنــت عــليـك دليـله — مـــلازم للأفـــراح فـــي كـــل ســاعــة

ومـــبـــســـوط بـــســواك حــده نــفــســه — وروحـه بـالتـحـقـيـق فـي أقـوى نـكـدة

فـمـبـسـوطـا مـن بـه ولا تـكن بالهوى — ولا بــســط إلا بــعـد مـحـو البـقـيـة

فـكـن سـالكـا حقيقا في الجدب تنتهي — ولا تـقـنـع ظـاهـرا بـأمـر الشـريـعـة

قــليــلا يــليـق بـالطـريـق لصـعـبـهـا — وجـــل عـــبـــاد الله أهـــل شــريــعــة

فـــإن ســـاوى الشـــيـــء فــيــك وضــده — تــيــقــن بــأكــمــل صــفــاء السـريـرة

وكـن بـرزخـا واحـذر من الميل دائما — ولازم مــقــام الحــد فــي كــل عـثـرة

وقــف عــلى حـد الشـرع والزم كـمـاله — وجــنــب مــن البــسـط المـؤدي لرخـصـة

فــمـن أطـلق العـنـان فـي حـال سـيـره — فــلا بــد أن يــعــود فـي حـال شـهـرة

ومـا التـذت بـه النـفـس حـتما يمدها — ســمـوم مـن أعـظـم السـمـوم القـاتـلة

وإن لم يـكـن فـي الشـيـء لذة طـبعها — فــلا بــأس إن كـان بـأمـر الشـريـعـة

تـــورع إن الورع أعـــظـــم بـــانــهــا — وأولى بـهـا حـقـيـقـا أهـل الحـقـيـقة

ولا تــلتــفــت لمــا جــرى بـه حـكـمـه — فــليــس ذلك مــن شــأن أهـل المـحـبـة

فـكـل مـحـبـوب بـالمـحـبـوب اشـتـغـاله — نــاســيــا لمــا ســواه فــي كـل حـالة

وإن جـــاءك مـــن المــحــبــوب تــعــرف — تــلقــاه بــالإجــلال فــي كــل دفـعـة

فــلولا شــيــء يــكـدرهـا فـي سـيـرهـا — لمــا صـارت مـن بـعـد الكـدر صـافـيـة

فــلا تــنـكـر حـكـمـه إذا بـدا قـهـره — فـعـن قـريـب يـحـلى مـن بـعد المرارة

مــن لم يــكــن بـحـال مـن مـات جـهـرة — فـــمـــيـــت عـــن حــيــاتــه الأبــديــة

ليــــس له عــــلم وإن كــــان لفـــظـــه — يــشـيـر الى التـحـقـيـق كـل الإشـارة

أكــثــرهــم فــيــهــا يــطـول كـلامـهـم — وليــس لهــم سـوى الألفـاظ العـاريـة

مــن كــان فــي كــل الهـوى مـتـمـكـنـا — فـكـيـف يـدري حـقـيـقـا عـلم الحـقيقة

عــلمـهـا نـور يـبـدي عـن سـر وجـهـهـا — وتــشــهــده مــنـك الأرواح الصـافـيـة

قــولهــا يــعــجــب النــفــوس ســمـاعـه — واولى بـــــه مـــــن أشــــد المــــرارة

فــر مــنــه النــفــوس كــلا بــأسـرهـا — ســوى نــفــس كــانــت بــالمـنـن مـمـدة

لى عــهــدهــا الأول لم تـنـقـض أمـره — ســبــقـت لهـا عـنـد الإلاه السـعـادة

ا عـــزم دائمـــا وحــزم بــيــن الورى — خـــادم لأهـــل الفـــن أشـــد خـــدمـــة

لى ســبــيــل الإجــلال والحـب دائمـا — وليــس لهــا اعــتــراض فــي كـل حـالة

عـــم التـــي كـــان مـــحــلهــا هــكــذا — تــنــال مــن الحــكــيـم أعـظـم حـكـمـة

يــا ســعــد مــن كــان إليــه مـجـاورا — عـلى بـسـاط التـعـظـيـم فـي كـل سـاعة

عـــضـــه قــد كــنــا إليــه ولم نــكــن — بــكــله ونــلنــا اقــتــرابــا ووصــلة

وأيــن هــم فــي الوجـود قـل وجـودهـم — فــأكــثــر أهــل الوقــت أربـاب دعـوة

وقــد ضــاع أدب المـريـد فـي وقـتـنـا — وواصـــلون لهـــا بــمــحــض الكــرامــة

فــلولا رجــالهــا يــمــد بــوصــفــهــا — حـقـيـقـا مـا نـلنـا مـنـهـا كقدر حبة

وقــد مــلئت كــل النــفــوس بـوصـفـهـا — وفـنـت عـن جـمـلة الأوصـاف العـاليـة

بــفــضــله قــد جــاد الإلاه بــجــوده — وليـــس للفـــضـــل مـــنــه وجــود عــلة

فـمـن لم يـزل عـنـه الحـجـاب بـفـضـله — يــعــوم فــي ســره وعــنــه فــي غـفـلة

ولا شــيــء غــيــر ســرك بــدا جــهــرة — لذلك صــارت مــعــانــيــه مــســتــتــرة

ظــهــرت بــأنــواع الجــمــال حـقـيـقـة — وســمــيــتــه كــلا بــاســم للخــليـفـة

فــكــان نــهــايــة اســتــتــار ظـهـوره — وهــذا مــن أعــظــم الحـكـم البـالغـة

وخـــصـــصـــت آدم بـــســـر عـــلومـــهـــا — وأعــجــزت ســكــان السـمـاء العـاليـة

وحـــقـــقــت أحــمــد بــكــل حــقــيــقــة — عـبـرت عـليـها منك الأسماء البديعة

لأنــــــه نـــــورك وســـــر جـــــمـــــالك — وبـــحـــر كــمــا لك وأعــظــم نــعــمــة

هـو المـظـهـر الأعـلى وسـر المـظـاهر — بــأنــواره كــل الأشــيــاء مــنــيــرة

بـعـيـن البـقـاء يـراه من كان فانيا — وهــذا لبـعـض القـوم بـعـد النـهـايـة

وليــس مــن الأحـوال مـا صـح عـنـدنـا — ولكــن شــريـعـة المـعـانـي القـديـمـة

وللقــبــضــة عــلم مــن أدرك عــلمـهـا — عـالمـا يـصـيـر بـالأسـرار الغـريـبـة

أفـاضـت مـن نـوره الأنـوار جـمـيـعها — ومـــن ســـره الأســـرار كـــلا مــمــدة

ومــن بـحـره العـلوم فـاضـت بـأسـرهـا — عـلى بـاطـن العـرفـان بـأعـلى حـكـمـة

ومـــن نـــور عــقــله عــقــول تــنــورت — لذلك صــارت أهــلا لنــيـل الطـريـقـة

وهــام كــل الأرواح مــنــهـم بـفـكـرة — وعــايــنـت أسـرار الأسـرار الخـفـيـة

وللروح قــــوة عــــلى حــــمــــل ســــره — مــن بـيـن نـفـوس الخـلق فـازت بـقـوة

عـلى الحـالة الأولى جاءت لنا أولا — ومــدهــا عـلم الفـرق فـي حـال فـطـرة

وقــبـل اجـتـمـاعـهـا بـعـالم جـسـمـهـا — كــانــت مــن عــلوم روحـهـا مـسـتـمـدة

لهـا عـلم بـالأسـرار تـدريـها دائما — بـــعـــقـــل وروح جـــوهــرة نــفــيــســة

وجـــســـم لحـــكـــمـــة وبـــه تــكــلمــت — وبــســره صــارت فــي الأرض خــليــفــة

وهـنـا بـدت مـعـانـي الذات لنـفـسـهـا — ولكــن بــعــد انـفـصـال عـن كـل عـادة

فــكــل حــقــيــقــة بــضــدهــا أظــهــرت — وليـسـت عـلى التـحـقـيق سوى الحقيقة

تــنــزلت الأســرار جــهــرا لحــكــمــة — وبــأســرار النــزول صـارت فـي رفـعـة

تــنــزل لهــا إن شـئت تـدري نـزولهـا — وإن كـانـت فـي المـعالي كانت عالية

فــمـن لم يـكـن عـبـدا لكـل عـبـيـدهـا — عـلى مـذهـب تـحـقـيـق أهـل الحـقـيـقـة

فــلا يــدري ســرهـا الذي بـدا جـهـرة — وإن كــانــت ألفــاظ المــقــال قـويـة

فــكـل عـلم لا يـصـحـب الفـعـل جـنـبـه — فـإنـه بـالتـحـقـيـق خـالي الحـقـيـقـة

وكــل صــورة الفـعـل يـبـقـى خـيـالهـا — تـشـاهـدهـا الأسـرار فـارحـل بـسـرعـة

وقـلد سـيـوف الجـمـع واركـب خـيـولها — وقــاتـل جـيـوش الوهـم فـي كـل سـاعـة

ولا تــقــنــع بـعـلم الفـروق قـنـاعـة — فــأكــثــر أهــله جــهــال الطــريــقــة

وفــي عــلوم المـعـانـي كـن مـتـبـحـرا — ولا تـزد مـن سـواهـا فـوق الكـفـايـة

فـكـم عـارف نـال المـعـالي بـبـعـضـها — ونـــال مـــراده فـــي أقـــرب ســـاعـــة

وكــم تــالف له الكـثـيـر مـن أمـرهـا — وقـــلبـــه مـــعـــلوم بـــأعـــظــم عــلة

فــعــلم فــي القــلب يــهــديــك نــوره — ويــرشــدك إلى الطــريــق النــاجــيــة

وجــهــل له ظــلام فـي النـفـس دائمـا — يــســيــرهــا إلى البــلاد الخــاليــة

فــمـن له عـيـن العـلم يـرى بـنـورهـا — ومـن له عـيـن الجـهـل أعـمى البصيرة

ســـتـــر رداء الوهـــم مـــرآة قــلبــه — وأغـــشـــاه ليـــله بـــأقــبــح ظــلمــة

وأبـــرز خـــيــال الأكــوان تــوهــمــا — وأثــبـتـهـا العـقـل القـصـيـر لغـفـلة

أبــصــر ظــاهــر الأكــوان بــعـيـنـهـا — وصـــارت كـــلا فــي لبــه مــســتــقــرة

فــنــاظــر للأشــيــاء بــعـيـن ذاتـهـا — جـــاهـــل وإن قــام بــرســم الشــرعــة

ومــبــصــرهــا بـنـورهـا عـيـن صـفـاتـه — له عــلم بــبــعـض الأسـرار العـاليـة

ونـــاظـــرهـــا بـــعــيــن ذات جــمــاله — ولايـــتـــه أعـــلا مـــن كـــل ولايـــة

فــإنـه فـي أقـصـى الكـمـال إذا صـحـا — إلا فــمــغــروق فــي بـحـر الحـقـيـقـة

وواقــف بــيــن العــالمـيـن ولم يـمـل — كــثــيــرا هــو الإمـام عـنـد الأئمـة

له رؤيـــة فـــي الشـــيـــء لم يـــكـــن — ســوى لفــظــه المــشــيــر بـه لحـكـمـة

فــرؤيــة الكــون بـالمـعـانـي عـزيـزة — ومـــن عـــثــر عــليــهــا فــاز بــعــزة

فــكــن مــتــم الســلوك إن شـئت وصـلة — وجــنــب دســائس النــفــوس الخــفــيــة

وإن غــفـلت نـفـس جـالت فـي عـالمـهـا — وأهـواهـا حـسـنـهـا المجازي في لمحة

وتــعــظــم ظــلمــة النــفـوس بـليـلهـا — وتــأتــي لك الأوهــام مـن كـل وجـهـة

وتـــبـــدو لك صــورة ظــاهــر نــفــســك — وتـنـطـبـع فـيـهـا الأشـيـاء الفـانية

فـالمـعـنـى إن كـانـت صـافـيـة للمـرا — وإن كـــانـــت بــالكــدر للحــس مــرآة

فـــكـــل شـــىء تـــقـــابـــله بــســرهــا — يــقــابــلهــا والمــعـنـى أشـرف حـالة

وهـمـة مـع أسـبـاب تـقـتـضـي جـميع ما — فــي الوقــت تـريـده فـي أسـرع لمـحـة

بــتــلك الســريــرة قــام ســر وجــوده — بـــقـــدرتـــه وحـــكــمــتــه العــاليــة

فـــكـــن جــامــعــا لشــأن هــمــة ســرك — عـلى مـحـبـوب القـلوب تـعطى الولاية

وتـأتـي عـلوم النـفـس كـالسيل نازلا — فـلم يـحـصـهـا سـوى كـبـيـر العـنـايـة

وتــلك عــلامــة تــجــلى مــعــانــيـهـا — بــوجــه جــمــالهــا لعــيــن السـريـرة

وقـد بـدا فـي الأزل للروح كـيف شاء — كــذلك يــبــدو فــي الأبــد لحــكــمــة

فـــكـــل أوجـــه إذا صـــفـــا مـــرآهــا — لذاك يــبــدو إليــهــا فـي كـل وجـهـة

فــأنــت بــهــا عـظـيـم الجـاه ولكـنـي — أراك عــن ســرهــا فــي أعــظــم غـفـلة

فـإن كـنت في الصورة خلقا فيما يرى — فــأنــت فــي غــيــرهـا أمـور عـظـيـمـة

تـكـل عـنـهـا الأفـهـام فـي شرح سرها — تـحـيـر فـي فـهـمـهـا العقول الراشحة

فـــكـــل واصــل كــل عــنــهــا لســانــه — وكــامــلنــا يــأتــي بــلفـظ الأشـارة

فــلو صــح لك العــلم بــامــر ســرهــا — لكــنــت بــقــدرهــا عــظــيــم المـزيـة

فـلازم خـمـولهـا بـيـن الجـنـس دائما — فــفــيــه صــفــاء الســر مــن كـل عـلة

فــبــقــدر دفـنـهـا فـي عـالم فـرقـهـا — يــتــجــلى أمــرهــا لعــيـن البـصـيـرة

فـلازم وصـف العـبـيـد وكـن عُـبـيـدهـم — ودع عــنــك جــمـلة الأوصـاف العـليـة

بــهــا بــعــدت عــن الإلاه حــقــيـقـة — ولو دنـــت للأدنـــى لصــارت عــاليــة

فــلولا قـمـيـيـص الذل مـا صـح عـزهـا — ولولا رداء الفــقــر مــا طـابـت لذة

فــخــذهــا الى الثـرى بـألطـف حـكـمـة — تـأتـيـك مـن المـعـالي بـأعـلى حـكـمة

فــلا عــلم لمــن كــان يــوصـف نـفـسـه — فــنــور نــهــاره مــحــجــوب بــظــلمــة

ولا جــهــل لمــن زالت ظــلمــة ليــله — وبـــدت شـــمـــوســـه بــنــور مــضــيــئه

إذا شئت معنى السر فأدر الى الثرى — ولا تـرفـع مـنـك عـضـوا فـوق البـرية

فـلو كـنـت تـدري مـعـنـى سـر وجـودهـم — لكــنــت لهــم مــجــلا فــي كــل حــالة

فـعـلم عـلى التـحـقـيـق يـخـرق كـونهم — ويــفــنــي وجــودهــم فـي أسـرع لمـحـة

وتــبــدو لك حــقــيــقــة كــل مــظــهــر — وتـدري بـعـد التـحـقـيق معنى مقالتي

فـــكـــل عـــلم لا يـــأتـــي بـــك لذلة — فــلا بــد أن تــأتــيـك مـنـه المـذلة

فـكـن كـالذي صـارت نـفـوسـهـم كالفضا — وهــامـت كـل الأرواح مـنـهـم بـفـكـرة

وأظـــهـــرت لهــم مــنــه أعــظــم آيــة — فــي بـاطـنـهـم فـاسـتـجـمـعـت كـل آيـة

ولنــفــســهــم بــدت حـقـيـقـة نـفـسـهـا — وطــوت عــلى التــحـقـيـق كـل حـقـيـقـة

بـــأعـــظـــم عـــلمـــك ظـــهــرت لأهــلك — بـــأكـــمـــل ســـرك لعــيــن الســريــرة

أزلت وجـــــودهـــــم بــــســــر وجــــودك — وليـــس لهـــم وجـــود قـــبــل الإزالة

فــكــنــت ولم يــكــن ســواك حــقــيـقـة — ســوى تــلويــن الجـمـال زاد فـي عـزة

تــعــاليــت عــمــا لا يــنــاسـب حـالك — لأنـــك مـــفـــرد بـــالذات العــاليــة

فـــلله مـــا أظـــهـــر ســر جــمــالهــا — ولله مـــا أخـــفــى بــألطــف حــكــمــة

حـكـمـت عـلى الأسرار بالستر والخفا — وهــي كــشــمــس الأفــق حــيــن تــجــلت

لشــدة كــشــفــهــا أخــفــيـت ظـهـورهـا — سـتـرهـا عـن أهـل انـطـمـاس البـصـيرة

يـرونـهـا والعـقـل القـصـيـر يـظـنـهـا — ســـواهـــا وهـــي عـــيـــن كـــل آنــيــة

فــبــســر اســمــك القــهــار سـتـرتـهـا — لك الحــمــد أنــعــمــت بــأعـظـم مـنـة

رفــعـت رداء القـهـر عـن عـيـن سـرنـا — نــظــرنــا بـهـا إليـهـا أحـسـن نـظـرة

تــمـتـعـنـا فـي بـهـاء حـسـن جـمـالهـا — رأيــنـاهـا عـيـانـا بـعـيـن العـاليـة

فــرؤيــتــهــا شــرع لأهــل كــمـا لهـا — بــعــيــن مـعـانـيـهـا تـفـهـم إشـارتـي

وغـــايـــة ســـرهـــا وأعــظــم أمــرهــا — لقــطــب جــمــالهــا وخــيــر البــريــة

لأنـــه شـــمــســهــا ونــور بــهــائهــا — وعــيــن كــمــالهــا وبــحـر النـهـايـة

فـــلا أحـــد يـــحـــوم حــول مــقــامــه — لقــوة أنــوار التــجــلي العــظــيـمـة

وجـبـريـل فـي الإسـراء لو زاد خـطوة — لأحــرقــت جــســمـه الأنـوار القـويـة

فـــذلك مـــقــامــه فــي القــرب وحــده — وأحــمــد زاد فــوق مــا لا نــهــايــة

فـلو بـدا مـا بـدا إلى الورى جـمـلة — لأفــنــى وجــودهــم فــي أســرع لمـحـة

ويـكـفـيـك فـي الجـبـل حـكـم سـلطـانـه — ولو بـــدا بـــأشـــيـــاء كـــلا لدكـــت

ولمـــا راى الكـــليــم أعــظــم أمــره — صــار داهــشــا وغــاب أعــظــم غــيـبـة

ويــكــفــيــك فـي الجـبـل مـحـو وجـوده — مــمــا بـدا له مـن تـجـلي الحـقـيـقـة

حــرام عــلى مـخـلوق أن يـرى وجـهـهـا — ولكـن بـهـا تـرى الأسـرار العـظـيـمة

فــعــيــنــهــا عـلمـهـا وبـه البـصـائر — تــشــاهــده عــيــانــا فــي كــل حــالة

وإن بـدا فـي الأشـيـاء أفنى وجودها — ولم يـبـق غـيـر اللفـظ مـنـهـا لحكمة

وبـــقـــدرة قـــوة الأرواح لشـــهــوده — لو زاد لهـــا فـــي التـــجـــلي لدكــت

وذلك شــــيــــء فــــي الأزل مــــقــــدر — وإن شـاء زاد شـاء ربـنـا في العطية

ولأقــــوم تــــجــــلى لو بــــدا ســــره — لمــن دونــهــم لامــتــحــت كــل آنـيـة

وذاك لهــم بــقــدر ســر اقــتــرابـهـم — وقــربــهــم بــقــدر صــفــاء المـرايـة

ومــرآتــهــم تــجــلى بــحــســب زهـدهـم — وزهــدهــم بــقــدر الهــمــم العـاليـة

وأجـــنـــحــة الأرواح ســر هــمــمــهــا — وإن عـــلت الهـــمـــة صـــارت عــاليــة

فــمــن كــان رافــعـا لمـقـدار نـفـسـه — فــلا شــيــء له فـي الرتـب العـاليـة

وإن كــان عــلمــه كــثــيــرة وصــومــه — فــهــذا طــريــق لا يــنــال بــرفــعــة

ولكــن بــخــلع النــفــس عــن كــل لذة — وتــغــيــيـبـه عـنـهـا وعـن كـل غـيـبـة

وأنــفــع عــلم يـدنـو بـك إلى الثـرى — وغـــيـــره يـــرفـــعــك أقــبــح رفــعــة

فـكـن مـبـصرا في السير إن شئت وصلة — ولا وصــل إلا بــعــد مــحـو البـقـيـة

ولا مـــحـــو إلا بــعــد دفــن وجــودك — ولا دفــــن إلا بـــعـــد فـــقـــر وذلة

ولا حـــقـــا إلا مــن طــيــب نــفــســك — ولا ذل إلا جــهــرا بــيــن الأحــبــة

فــمــن كــان للعــز مــحــبــا وللغـنـى — فــمــعــبــوده الهــوى عــلى أي حــالة

فــجــانــب كــل مـا مـال قـلبـك نـحـوه — ســـوى حـــبــه الصــفــي مــن كــل عــلة

ولا رخــصــة للقـوم فـي حـال سـيـرهـم — لأنــهــا لأهــل الهــمــم الضــعــيـفـة

وأنــت مــقــام القــوم تــريــد وصــلة — فــهــو يــعــد الصــفــاء مــن كـل عـلة

فـخـذ مـنـهاج العرفان واسلك سبيلهم — ولا تــقــتــدي بــأكــثــر أهـل نـسـبـة

حـكـمـوا عـلى الأسرار بالقول دائما — وحــلوا قـيـود النـفـس فـي كـل شـهـوة

وزال خــصــيــم النـور وأفـنـى وجـوده — وجـــاء رضـــاء النـــفـــس بــكــل عــلة

فــلا عــلم لمــن كـان عـنـهـا راضـيـا — أحــاطــت بـه الأهـواء مـن كـل وجـهـة

ولا جــهــل كــان عــليــهــا ســاخــطــا — مــن أجــل عــصــيــانـهـا لرب البـريـة

وقــد كـانـت بـحـر السـر وهـي أمـيـرة — وجــاءت لتــدري مــعـنـى سـر الإمـارة

فــمــلكــهــا الهــوى وصــارت مـأمـورة — عـليـهـا أمـيـر الكـون بـأعـلى سـطـوة

لهــا صــفـة الإنـسـان والطـبـع أغـلظ — وأقــوى مــن الحــمـار فـي حـال زفـرة

فـأيـن حـقـيـقـة الإنـسـان التي كانت — عــليــهــا عـنـد الإيـجـاد أول نـشـأة

فــــكــــن مــــخــــلصــــا وأخــــلص الذي — وكـــن بـــريــئا مــن كــل حــول وقــوة

وكــن بــالإلاه مــعــتــصــمـا بـقـلبـك — وقــل يــا ســلام سـلم مـن كـل فـتـنـة

ولازم كــتــاب الله واحـكـم بـحـكـمـه — وســــنــــة أحــــمــــد إمـــام الأئمـــة

وعــــالم وارع فـــي دنـــيـــاه زاهـــد — فــكــن عــنــه آخــذ لأمــر الشــريـعـة

ومــن كــان سـالكـا ومـجـدوبـا دائمـا — ولا أخــذ إلا عــن شــيـوخ الطـريـقـة

كـــمـــثـــل أســـتـــاذي لقـــوم مــثــله — وفــخــري بــه طــرا عــلى أهـل نـسـبـة

وبـــه عـــلى الورى أصــول حــقــيــقــة — وأخــــشـــى إلا مـــن إلاه البـــريـــة

فــجــمــلة أهــل الوقــت تــحــت لوائه — عــارف بــأحــكــام النــفـوس الخـفـيـة

له هــمــه إن قــال للشــيـء كـن يـكـن — يـــعـــز إذا شـــاء يـــذل فــي لحــظــة

تــــمـــد مـــدد الخـــلق هـــمـــة ســـره — جــمــيــع هــمـم الخـلق فـي كـل حـاجـة

يــقــلد فــي الأمــور كــلا بــأسـرهـا — فـي حـكـم الحـقـيـقـة وأمـر الشـريـعة

فــمــن لم يـدر مـعـنـى سـلوك طـريـقـه — حــقــت له جـمـلة الأحـمـال الظـاهـرة

لمـثـله كـن عـبـدا تـنـال كـل المـنـى — وتــبـلغ مـنـتـهـى الأسـرار العـاليـة

وكــن لأهــل عـلم المـعـانـي مـجـاورا — تــمــد مــن الأســرار فــي كــل دفـعـة

فـعـن رجـال الأفـكـار تـروي عـقـولهم — عــلى صــفـة التـلقـيـن فـي كـل سـاعـة

ويــكــفـيـك بـعـد الفـرض مـا هـو آكـد — لأنـــك حـــامـــل لحـــمــل الطــريــقــة

وقــل مــن كــان للجــهــتــيــن عـامـرا — فـــأكـــثــر أهــل الله لإحــدى جــهــة

تــوجــه إلى المـعـانـي حـيـث تـوجـهـت — ودر مــعــهــا ســريــعــا فـي كـل دورة

وكـن حـريـصـا عـلى الأنـفـاس جـميعها — فــمــطــلوبــهــا كــلا بــفـكـر ونـظـرة

وذكــر بــجــمــع القـلب جـاء حـقـيـقـة — وبـه اسـتـقـام حـبـال أهـل الطـريـقـة

وإن كــبــر العــيــان بــحــكــم قـهـره — عــلى ســائر الأحــوال فـي كـل سـاعـة

ومـــالك للأحـــوال هـــو إمـــامـــنـــا — بــه يــقـتـدي الجـمـيـع فـي كـل حـالة

تـــعـــلق بـــســـره تـــخـــلق بــوصــفــه — تــحــقـق بـوصـف الفـقـر تـحـظـى بـعـزة

عـلى مـنـهـاج الكـمـال امـش ولا تـخف — وخـــل عـــصــاة الخــلق وأهــل طــاعــة

وجـنـب جـمـيـع النـاس واحـذر غـرورهم — ومــدعــي الفــقــر جــهـرا أكـبـر غـرة

ومـــن عـــلمـــه فـــوق الورى جـــمـــلة — وفــهــمــه أعــلى مـن جـمـيـع البـريـة

فــهــذا اجــهـل النـاس كـلا بـأسـرهـم — فــنــظــرة مــنــه تــأتـي بـألف ظـلمـة

وعـــالم بـــه كــل مــا ازداد عــلمــه — وفـــهـــمـــه عـــنــه زاد فــقــرا وذلة

فــخــل ســوى مــن كــان لك مــوافــقــا — حــقــيــرا فــقــيـرا راض بـكـل مـحـنـة

ضـعـيفا عاجزا خامل الذكر في الورى — وجــل جــمـيـع النـاس عـنـه فـي غـفـلة

فـــواضـــعـــه ورافـــعـــه كـــلاهـــمـــا — لشــغــله بــالمــحـبـوب فـي كـل سـاعـة

وأيــن هــذا فــي النــاس قــل مـثـاله — فـــســـيـــدهـــم مـــعـــلول بــكــل عــلة

إذا مـــدح أو بـــالعــطــاء وجــهــتــه — أتــاك ســريــعــا مــظــهــرا للمــحـبـة

وإن كـــنـــت له بـــالمـــذلة واجــهــا — عــلى حــذر كــن مــنــه فـي كـل طـرفـة

فــيــا أســفــا عــلى الذيـن تـقـدمـوا — كــانــت له نــفـس بـالمـجـاري راضـيـة

يـرونـهـا مـن عـيـن المـعـانـي حـقيقة — يــحــبــونــهـا إجـلالا أشـد المـحـبـة

إذا وجـــهـــوا بــالذم تــرى وجــوهــم — بـــنـــور كـــأنـــهــا شــعــاع الأهــلة

وإن مــنــعــوا زادوا فــرحــا ونـشـوة — فــهــكــذا حـالهـم فـي أمـر البـدايـة

كــانــت لهـم أخـلاق كـرام مـع الورى — وأوقــاتــهــم بــيــن حــضــور وغــيـبـة

ووقـتـنـا بـالتـحـقـيـق قـد سـار جلنا — يــطــوف عــلى الدرهــم فـي كـل سـاعـة

ويـسـعـون عـنـد الخـلق رفـعـه قـدرهـم — ويــطـمـع فـي درك العـلوم النـفـيـسـة

هــيــهــات مــا كـان هـكـذا مـن تـقـدم — وقـد كـانـوا أصـحـاب الهـمم العالية

نــظــرهــم للمــحــبــوب نــحــو جـمـاله — تـــيـــقــنــوا أن مــا ســواه لغــفــلة

فــليــس شــيـء سـوى الجـمـال حـقـيـقـة — ظــهـر مـنـه مـا كـان مـخـبـى بـحـكـمـة

ومــا زاد فــيــه شــيــء ســوى بــروزه — عــلى حــســب تــرتــيــب حـكـم الإرادة

ومــا نــقــص وإن أخــفــى الأمـر سـره — وصـــور وهـــمـــك وجـــود الخـــليـــقــة

فــلقــلة التــحــقــيــق مــنــك بــحـقـه — ولفـقـد العـلم غـابـي عـنـك الحـقيقة

ولو جـاءك عـلم المـعـانـي التـي بدت — لكـــنـــت مــن أعــظــم هــنــاء وراحــة

وقـد كـان كـل سـر مـنـها لسرنا منها — ولكـــن أخـــفــاه الوهــم لأجــل عــلة

عــلى مــرآة القــلوب بــدت ســحــابــة — إثـــر ريـــاح الوصــف أتــت بــظــلمــة

إذا شـئت أن تـحـيـى فـمـت فـي حـياتك — ولا خـيـر فـيـمـن حـتـى تـأتي المنية

فـمـن حـيـا قـبـل المـوت مـاتت حياته — ومـن حـيـا بـعـد المـوت حـيـا حـقـيقة

وأصـــعـــب شـــيـــء فـــقـــر ثــم مــذلة — فــلذ بــهــمــا تـكـن كـبـيـر الولايـة

فـمـن لم يـكـن بـالفـقر والذل راضيا — فــأســرار أهــل الله عــنــه بــعـيـدة

فـتـسليط الجنس فرض في السير فادره — ويـبـلى ذاك البـلاء عـنـد النـهـايـة

فــمــا مــن صـادق إلا قـامـوا بـحـجـة — عـــليـــه ولكـــن أذنـــه قــد تــصــمــت

له هـــمـــه عــليــا بــالله تــعــلقــت — وروح مــنــه اشـتـاقـت إلى سـر حـضـرة

وأكــبــر عــقــل مــنــه للعـلم مـقـبـل — وقـــلب إلى مـــحـــل نـــزول حـــكـــمــة

وســـر لعـــيـــن بـــحـــر ذات جـــمــاله — لهــا نــاظــر بـنـور عـيـن الحـقـيـقـة

ونـفـسـه فـي المـثـال صـارت كـأرضـنـا — ســوت تــحــت أقــدام جــمـيـع البـريـة

فـلا زال يـدنـوهـا ويـنـسـى حـظوظها — حــتــى زال وصــفــهــا وصــارت عـاليـة

تــغـوص فـي بـحـر السـر يـسـر فـكـرهـا — وتــأتــي بــأشـرف العـلوم النـفـيـسـة

فــلم تــروهـاهـنـاك إلا عـن نـفـسـهـا — فـــي عـــالم ســرهــا بــصــح الروايــة

فــواســطــة الإلهــام أمــيـن وحـيـهـا — يـأتـي لهـا بـالتـبـليـغ فـي كل ساعة

فــإنــهــا نــقــطــة الجـمـال حـقـيـقـة — مـن النـقـطـة الكـبـرى بـرزت لحـكـمـة

تــقــدم ولا تــخــف فــنــارهــا سـاعـة — ونــورهــا دائم مــن شـمـس الحـقـيـقـة

فـطـهـرهـا تـطـهـيـرا ظـاهـرا وبـاطـنا — وخــذهــا ولا تــخـف مـن هـول وفـتـنـة

فـــإنـــهــا ســر الله قــطــب جــمــاله — فــمــنــهـا نـال الوجـود عـزا ورفـعـة

عــليــهــا تــدور أفــلاكـه جـمـيـعـهـا — وأنـــواره مـــنـــهـــا تـــلوح بـــقــوة

فــلولا الهــوى لضــاء نـور بـهـائهـا — عــلى ســائر الأقـطـار فـي كـل سـاعـة

فــشــمـس عـالمـنـا مـن نـورهـا أبـرزت — وأنــجــمــه مــنــهــا كـلا مـسـتـنـيـرة

وأنـــوار أفـــلاك الأفــق بــأســرهــا — ومــنــهــا مــدد الكــل فـي كـل لمـحـة

وبـــهـــا عــلوا الإلاه جــمــيــعــهــم — وصـاروا مـلوك الكـل فـي أعـلى رتـبة

يــجــروا ذيــول العـز حـيـث تـوجـهـوا — وحـــالهـــم الغـــنـــى بــرب البــريــة

عــظــم اكــتـفـاؤهـم وكـفـاهـم كـل مـا — يـــهـــمـــهـــم بــفــضــل وجــود ومــنــة

وإن أصـيـبـوا فـالحـفـظ حـال قـلوبهم — ومـن أولى مـنـهـم بـالأمـور العظيمة

فــهــم مــعــه مــعــيــة الحـال دائمـا — وذاك فــوق طــور العــقــول الرشــحــة

فـلم يـدر حـالهـم فـي القـرب سـواهـم — وكـل جـمـيـع الخـلق عـنـهـم فـي غـفلة

فـلو نـادتـهـم كـل الأشـيـاء بـصوتها — لمـا التـفـتـوا إليـهـا بـأدنـى لمحة

يـبـاشـرونـهـا والقـلب عـنـهـا بـمعزل — مــليــء حــقــيــقــة بـنـور الحـقـيـقـة

مــن أجـلكـم أكـرم الإلاه كـل الورى — وصــار عــصــاة الخــلق فـي ظـل رحـمـة

تــطــيــب الأمــاكــن بـذكـر سـمـاعـهـم — وتـعـلو فـوق الإمـكـان وقـتـا بـجلسة

وإن دامـوا صـار فـي المـعالي مقامه — كــأنــه كــوكــب مــنــيــر فــي رفــعــة

فـــبـــســـرهـــم دار الفــلك لحــكــمــة — وحــرك أقــطــار الوجــود فــي لمــحــة

فـمـفـتـاح أبـواب العـلوم بـأيـديـهـم — وســر العــطــاء مـوهـوب بـلمـح نـظـرة

وكــل مــدد الخــلق مــنــهــم جـمـيـعـه — بــأنــعــم فــضــله أو بــعــدل نــغـمـة

فــمـن نـار قـبـضـهـم لظـى صـار حـرهـا — عــذابــا لأقــوام مــجــانــا مــع ذلة

ومــن نــور بــسـطـهـم جـنـان تـزخـرفـت — بــهــاء وأنــوار ســرورا مــع بــهـجـة

وأنــهــارهــا بــســرهــم فـاض خـمـرهـا — وأغــصــانــهــا نــادت بــألطـف نـغـمـة

وبـــنـــورهــم حــور العــيــن تــنــورت — وولدانـــهـــا المـــســـخـــرة لخـــدمــة

وزيــنــة عــرش الله بــعــض جــمـالهـم — ولو بـــدا ســـرهــم للأشــيــاء لدكــت

وســرهــم نــقـطـة مـن بـحـر حـبـيـبـنـا — ومــولانــا أحـمـد العـظـيـم العـطـيـة

فـــمـــن بـــحـــر ســر عــليــه صــلاتــه — ســقـاهـم صـفـاء الشـرب مـن طـيـب لذة

ومـــــن نـــــور عـــــليـــــه ســــلامــــه — كــســاهــم حــال العــز أشــرف لبــســة

ومــن عــقــله عــقــولهــم قــد تـنـورت — ومـــن روحـــه أرواحــهــم مــســتــمــدة

ومــن عــلمــه الأعــظــم لهــم مـواهـب — تــفــوق لجــج البــحــرفــي أقـوى شـدة

وبــه نــجــوا مـن الهـمـوم جـمـيـعـهـا — وبـــه كـــانـــت حـــيــاتــهــم أبــديــة

وخــصــوا بــســره الخـفـي بـيـن الورى — وأعـطـاهـم مـنـه قـربـا فـوق الخليقة

ولا زالوا فـي ارتـقـاء نـحـو كـماله — حــتــى بـدت صـورة الحـبـيـب البـهـيـة

كــأن سـواهـا فـي المـظـاهـر لم يـكـن — وهــذه رتــبــة مــن أقــصــى الولايــة

فــلهــم عــيــنـان للجـمـاليـن نـاظـرا — فـــــهـــــذي لحــــالة وهــــذي لحــــالة

فـــواحـــدة تــطــوي الوجــود بــأســره — وأخــرى له بــالنــشــر فـي كـل سـاعـة

فــيــاله مــن مــقـام مـا أعـلى أمـره — لبــعــض رجــالنــا مــن أهــل طــريـقـة

وهــذاعــلمــي وفــوق عــلمـي عـلومـهـم — فـلم أدر سـوى البـعـض مـنـهـا لغـفلة

فـكـن مـثـلهم في السير إن شئت سرهم — ولا تــكــن كـالعـوام مـن أهـل غـفـلة

ظـــاهـــرا بـــأمـــر الشـــرائع قـــائم — وبــاطــن مــنــك بــالأســرار العـليـة

فـصـل صـلاة الجـمـع فـي الفرق أينما — تــوجــهــت لتــلك الآيــة العــظــيـمـة

وإليــه بــالتــحــقــيـق وجـهـك دائمـا — وهــــذي إشــــارة ونــــعـــم الإشـــارة

فــأهــل النــهــى يــدري إشــارة ســره — ويـــســـجـــد بـــالأرواح لكــل وجــهــة

ومــن كــان فــهــمـه قـصـيـرا فـيـسـجـد — لمـــكـــة تـــابـــعــا لظــاهــر الآيــة

وله مـــدد البـــعـــض مـــنــهــا لســره — تـــمـــدد مــدد الهــمــم الضــعــيــفــة

فـــكـــن ســـاجـــدا لله ســـرا بـــكــلك — ولا تــنــقــص عــنـد البـعـض أقـل ذرة

وكــن داعــيــا عـنـد السـجـود تـأدبـا — وســبــحــه بــالأجــلال فـي كـل ركـعـة

وفــرض عــيــن جــاءت عــلى مــن تـكـلف — وأمــا صــلاة الســر عــيـن الفـريـضـة

وفــي الوقــت صـلاتـيـن صـلهـمـا مـعـا — فــذلك قــرة العــيــن فــادر إشـارتـي

وإن كـنـت مـن إحـدى الصلاتين فارغا — فـكـن سـاجـدا في الأخرى بإحدى سجدة

ولا تــرفـع يـومـا مـن سـجـودك طـرفـة — فــليــس هــنــا وقــت تــكـون الإعـادة

فـــهـــذه للأبــدان لأجــل ضــعــفــهــا — وهـــذه مـــن أجــل القــلوب القــويــة

بــمــحــض الكــرم يــا إلاهــي تـولنـا — وكـن لنـا وارعـنـا بـعـيـن العـنـايـة

ولا تــتــرك حــولنــا عــدوا وظـالمـا — وإن حــــــــام له آت بـــــــكـــــــل ذلة

وخــذه قــبــل اهــتــمـامـه بـهـلاكـنـا — لأنـــك عـــالم بـــكـــل الحـــقـــيــقــة

وكــل جــبــار الوقــت اقــطــع عـروقـه — وأوراقــــه وأغــــصـــانـــه المـــمـــدة

وأيــنــمــا ولى الوجــه خـذه بـسـطـوة — ووليـــه مـــدبـــرا عـــظــيــم المــذلة

مـــشـــتــت القــلب والجــوارح دائمــا — يــخــوفــه الشــيــطــان كـل المـخـافـة

ولا تـتـرك مـنـهـم فـي الوجود بأسره — عــظـمـت مـنـهـم إلا هـي كـل الإذابـة

أقـمـنـا سـيـوفـا مـن سـيـوفـك ظـاهـرا — وبــاطــنــا تـمـحـق الأعـادي الظـلمـة

أعـادي جـنـود النـفـس والجـنس دائما — سـريـعـا إلا هـي يـا سـريـع فـي لمحة

فــأمــرك أقــرب مــن البــرق إذ بــدا — وأعــجــب مــن هــذا فــي حـكـم وسـرعـة

فـكـن لنـا والإخـوان حـيـث تـوجـهـنـا — وأيــدنــا وانــصــرنـا بـأعـظـم نـصـرة

وكــن لديــن الحـبـيـب أحـمـد حـافـظـا — وطــهــره يــا إلاهــي مـن أهـل ظـلمـة

بـحـكـمـك كـيـف شـئت تـحـكـم في الورى — ونـــســـألك اللهــم نــشــر الهــدايــة

عــلى يــد أهــل العــلم بــك حـقـيـقـة — بــفــضــلك يــا مــجـيـب أجـب لي دعـوة

بــجـاهـك يـا مـن لا جـاه فـوق جـاهـه — وبـــجـــاه مــن رحــمــت بــه البــريــة

وبــجــاه كــل مــن كــان له تــابــعــا — ســالكــا ومــجــدوبــا عــلى كـل حـالة

فــصــل وســلم ثـم بـارك عـلى الهـادي — رحـــيـــم بــنــا فــي كــل هــول وشــدة

رؤوف رحــيــم يــطــلب العــفـو دائمـا — لأهــل نــور الأيـمـان فـي كـل سـاعـة

وحــاش حــبــيــبــنـا أن تـرده خـائبـا — فـــيـــمــا ســعــدنــا عــلى كــل حــالة

ونــسـألك الرضـى عـن الأهـل والصـحـب — وتــابــعـهـم الى انـتـشـار القـيـامـة

البحر والقافية

القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.

تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • بالمعاني: المَعَانُ : المَبَاءَةُ والمنزِلُ؛ دمشق مَعَانُ العُلماء/ هُمْ مِنْك بِمَعَانٍ ، أي بحَيْثُ تَرَاهُمْ.
  • بسره: البُسْرَةُ : واحدة البُسْرِ.-: النبتة أولَ ظهورها ج بُسُراتٌ.
  • حالها: حال: أَتى بمُحال. ورجل مِحْوال: كثيرُ مُحال الكلام. وكلام مُسْتَحيل: مُحال. ويقال: أَحَلْت الكلام أُحِيله إِحالة إِذا أَفسدته. وروى ابن شميل عن الخليل بن أَحمد أَنه قال: المُحال الكلام لغير شيء، والمستقيم كلامٌ لشيء، وال …
  • سرك: سرك: السَّرْوَكَةُ: رَدَاءَةُ الْمَشْيِ وَإِبْطَاءٌ فِيهِ مِنْ عَجَف أَو إِعْيَاءٍ، وَقَدْ سَرْوَكَ. ابْنُ الأَعرابي: سَرِكَ الرجلُ إِذَا ضَعُفَ بَدَنُهُ بَعْدَ قوَّة. ابْنُ السِّكِّيتِ: تَسارَكْتُ فِي الْمَشْيِ وتَسَرْو …

قصائد ذات صلة

  • أيا من تجلى في بهاء جماله
  • أيا من تجلى في بهاء جماله
  • لعمرك ما الدنيا العريضة بالدنيا
  • صنعت جميلا فوق ما يصنع الأولى
  • خليلي مالي أبصر الدهر راضيا
  • غريب وإني في العشيرة والأهل
  • من لوجدي وحيرتي والتهابي
  • دنوا لقد أوهى تجلدي البعد