فـي مـثـلِهـا يـتـغـنّـى البدو وَالحَضَر
الشاعر: عبد المحسن الكاظمي · البحر: البسيط
هذه القصيدة من شعر عبد المحسن الكاظمي، من العصر الحديث، وتقع في 74 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
فـي مـثـلِهـا يـتـغـنّـى البدو وَالحَضَر — وَدونــهــا تــقــف الأَلبــاب وَالفـكـرُ
سُــبــحـان مـبـدعـهـا مِـن لَيـلَة زهـرت — فَـعـادَ مـن حـاسـديـها الأَنجم الزهرُ
كَــأَنَّنــا فــي نَــواديــهـا عَـلى ثـغـب — يَـشـفـي غَـليـل الحَـشا سلساله الحضرُ
راقَــت فَــلا نــطــق مــن عــائِب سـمـج — فــيــهــا وَلا نــظــر مـن غـاضِـب شـزرُ
كَــلَيــلة القَــدرِ إِلّا أَنَّهــا قــصــرت — وَكـــلّ ليـــل وصــال شــأنــه القــصــرُ
تـوحـي إِلَيـكَ مـنَ الأَشـعـار أَفـضـلها — وَتــلك تــوحـي بِهـا الآيـات وَالسـورُ
يَـسـتَـنـبِـط الفـكـر مِـنـهـا كلّ قافية — يَـعـرو الفـصـيح لَدَيها العيّ وَالحصرُ
وَالقـول يـحـمـد فـي العـليا وَأَحمده — لمــثــلهـا فـي عـيـاب الفـكـر يـدّخـرُ
أَصــاخ كــلّ أَخــي شــوق بــهــا طـربـا — وَجــاذب الورق فــي أَلحــانـه الوتـرُ
تَـحـنـو عَـلى الصـبّ بـالبـشـرى تعهّده — كَــمــا تَـعـهـد ظَـمـآن الربـى المـطـرُ
تَــطــوي وَتــنـشـر مـن لَهـوٍ وَمـن طـرق — مـا تَـنـطَـوي عـنـده الدنـيـا وَتَنتَشِرُ
يَـبـدو وَيـظـهَـر فـي بـادي مَـحـاسـنها — مـا كـانَ يـخـفـى مـن الحسنى وَيستَترُ
حــلا لكــلّ مــشــوق طــيــب ســامـرهـا — وَطـابَ للصـحـب فـي حـافـاتـهـا السمرُ
يَــروح فــي جــذل مــنــهـا وَفـي عـبـق — مِــمّــا تــبــثّ مــروط الغـيـد وَالأزرُ
يَـطـوف بـالكـاس فـيـهـا كـلّ ذي هـيـف — يَـكـاد مـن رقّـةٍ فـي الكـأس يـنـهـمـرِ
مُهـفـهـف القـدّ عـاطـي الجـيـد أتلفه — يَــكــاد مــن نـسـمـات الروض يـنـأطـرُ
كــــأَنَّهـــ مـــلك فـــي زيّ كـــاعـــبـــة — تــنــي خــطــاهــا حـيـاء ثـمّ تـبـتـدرُ
فــتّـانـة اللّحـظِ لَو مـرّت بِـنـاظِـرهـا — عَـلى النَـواسِـك مـن أَلحـاظـها سكروا
تَــوهّــمــت اِحـمـرار الطـرف شـائنـهـا — قَــد زانَ طــرفـك يـا فـتـانـة الحـورُ
أغـضـي فـيـلفـت مِـن قَـلبـي تـلفّـتـهـا — كــأمّ خــشـف لوى مـن جـيـدهـا الذعـرُ
يـا قَـلب حـسـبـكُ مـا أَضـنـاكَ من كلفٍ — فَـلا تـزدكَ جـوى تـلك المـهـا العفرُ
مَـن كـان تـأسـر أَسـدَ الغـاب سـطـوتُه — قَــد عـادَ تَـأسـره الأَجـيـاد وَالطـررُ
كَــأَنَّمــا السـلم حـربٌ غـيـر أَنَّ بـهـا — عـيـن الظـبـاء عَـلى الآسـاد تـنـتصرُ
يــا حَــبَّذا ليــلة فــي مـصـر زاهـيَـة — لَهـا عَـلى العُـصُـرِ الأَوضـاح وَالغـررُ
تُـــمـــحــى رســوم اللَيــالي مــوليــة — جَـلالُهـا فـي اللَيـالي لَيـسَ يـنـدثـرُ
وَلَم تَـــجِـــد أُول الأَيّـــام مـــوليــة — أَسمى التَهاني كَما جادَت بِها الأخرُ
أَصـخ إِلى القـبّـة العَـليـاء عَـن كثب — هـنـاك تـلقَ المَـعـالي كَـيـفَ تـبـتَـكرُ
وَاِشـهَـد بِـعَـيـنـيـك آيـات سـمـعت بها — يـأتـي العـيـانُ بما لَم يأته الخبرُ
وَاِنـظـر بـفـكـرك تـدرك مـن بـدائعها — مـا قَـد تـخـاوص عَـن إِدراكـه النـظـرُ
فـــي كُـــلِّ مــســرح طــرف روضــة أنــف — يَـضـفـو عَـلى كـلّ أفـق بـردهـا العطرُ
تــدبّ فــيـهـا أَمـانـيُّ المـشـوق كَـمـا — تَـنـسـاب فـي ظـلّهـا الأَنهار وَالغُدرُ
بِــعـابـديـن وَمـا أَدراك مـا نـظـمـوا — بَــعــابـديـن وَمـا أَدراك مـا نـثـروا
فـي كُـلِّ مَـنـظـومِ عـقـد مـن فـرائدهـا — أَشــعّــة مــن شـمـوس الحـسـن تـنـتـثـرُ
فــي كُــلِّ مــوضــعِ كـفّ مـن حـجـارتـهـا — يَــنـابـع مـن ضـروبِ الخـيـر تَـنـفـجـرُ
خَـمـائِل المَـجـدِ تـنـدى فـي خَـمائلها — وَوابِــل الجـودِ مـن أَعـطـافـهـا هـمـرُ
يَـزهـو بِـمـخـتـلفِ الأَنـوار زخـرفـهـا — كَــمــا تـلون فـي خـدّ الضُـحـى الزهـرُ
فـي صـفـحـةِ البـدرِ مـنـهـا منظرٌ بهجٌ — وَفـي جَـبـيـن الضُـحـى مـن حـسنها أثرُ
جــاؤوا فــرادى وَأَزواجــاً وَلا عـجـب — مـثـل الحَـجـيـج زرافـات لَهـا نَـفَروا
مَــشــوا وَأَكــبــدهـم تَـمـشـي أَمـامَهـم — لَم يَــثـنـهـا صـغـر عـنـهـا وَلا كِـبَـرُ
ضـاقَـت بِهِـم رحـبـات الأَرض واِزدَحَـمَت — ذرى المَــنــازِل وَالسـاحـات وَالحـجـرُ
صَــفــا الزَمـان وَراقَ الورد وَالصَـدر — وأقــبــل الدهــر يـوليـنـا وَيـعـتَـذِرُ
فــي لَيــلَة بــلغــت مــنّـا عـشـيّـتـهـا — مــا لَيــسَ تـبـلغـه الآصـال وَالبـكـرُ
جــاءَت تــريــك عَــلى مــهـل مـآثـرهـا — وَجــاءَ يَــركــض فــي آثـارِهـا السـحـرُ
تُـريـك أَقـصـى الأَمـانـي كَيفَ تنشدها — وَكَــيـفَ يَـنـجـاب عـنـك الهـمّ وَالكَـدرُ
تُــريــكَ كَــيــفَ يــزفّ المــجــد ربـتـه — وَكَـيـفَ تـقـرن فـيـهـا الشـمس وَالقَمَرُ
وَكَـيـفَ تـنـتـظـم الدنـيـا بِـطـلعَـتِهـا — وَكَــيــفَ تــنــتـثـر الأَزهـار وَالبَـدرُ
كَــذا ليـفـتـرّ ثـغـر الدهـرِ عَـن عـرس — لِمــثــله حــســنــات الدهــر تـفـتـقـرُ
إِلَيـكَ يـا صـاحِـب القـطـريـن تـهـنـئةً — لَم يـلمـح السمع شرواها وَلا البَصرُ
قَــد هـنّـأتـك المَـعـالي وَهـيَ حـاليـة — بــدرّة أَرخــصــت مــن دونــهــا الدررُ
تـعـزى إِلَيـكَ فَـيَـسـمـو قـدرهـا شـرفاً — وَربّ ذي شـــرفٍ يـــعـــزى فَـــيــنــحَــدِرُ
إِن فــاخــرت بـك لَم تـتـرك لدى أَحـدٍ — فَـخـراً بـه فـي سَـمـاء المَـجـد يَفتَخِرُ
عَــزيــز مــصــر وَمــا مــصـر بـبـالغـة — نـضـارة العـيـش لَولا عـهـدك النـضـرُ
أَنـتَ المَـليـك الَّذي مـن دون أَخـمـصه — سـمـت عـروش العـلا واِزدانَـتِ السـررُ
أَنـتَ المَـليـك الَّذي أَربـى عَـلى مـلك — ســالَت بــأنــعـمـه الوديـان وَالجـزرُ
أعــيــذُ مــلكــك أَن تــنــتــابـه نـوبٌ — وَأَن يــحــيــق بــه مــن طــامــع خـطـرُ
لِتــغــف عَــيـنـاه وَلتـأمـن حـشـاشـتـه — مِــمّــا يـروع فَـأَنـتَ السـاهِـر الحـذرُ
خٌـذ مِـن زَمـانـك مـا يَـحـلو وَدَع فـئة — نَـصـيـبـها في الزَمان الصاب وَالصَبرُ
وَسِــر بــعــزمــك فــيــمــا أَنـت آمـله — فَــالحــزمُ مُـكـتـمـل وَالرأي مـخـتـمـرُ
لَو كــانَ عــنــدهــمُ فــي كــلّ نــازِلةٍ — مـا كـانَ عندك ما ضيموا وَلا قهروا
حــمــيّــة تــرمــض الآفــاق جـمـرتـهـا — وَغــيــرة تَــتــوارى عــنـدهـا الغـيـرُ
وَعَــزمــة يــفـزع الأَفـلاك مـضـربـهـا — إِذا اِنـتَـضاها أَخوها الصارِم الذكرُ
وَنــخـوة تـنـزلُ الدنـيـا بِـسـاحـتـهـا — وَهــمّـة يَـنـطَـوي فـي نـشـرهـا البـشـرُ
وَوَثــبــة تــسـتـفـزّ الكـون سـيـرتـهـا — إِذا تَـــداوَلَت الأَذكـــار وَالســـيـــرُ
هَـــذي شَـــمــائِل عــبّــاس فَــلا عــجــبٌ — إِذا تَـعـالى أَبـوهـا الضـيـغم الهصرُ
شَــمــائِل تَــنــجَــلي عَــن كـلّ مـكـرمـةٍ — إِذا أَتــاهــا أَخـو الآمـال يـخـتـبـرُ
يــرتــدّ رائدهــا بـيـن الوَرى ثـمـلاً — كَــأَنَّهــا مـن قـطـاف الكـرم تـعـتـصـرُ
لجـــا المَـــروعُ لعــبّــاس فــكــانَ لَهُ — مـنـجـاة وَالهُـوَّة العَـمـيـاء تَـحـتَـفِرُ
أوَوا إِلى جـــبـــل آواهُـــم زَمَـــنــاً — وَلَم يَــــكُـــن لهـــم مـــن دونـــه وزرُ
كَــم عــقـدةٍ حـلّهـا وَالخـطـب مـعـتـرض — وَغـــلّة بـــلّهــا وَالقَــلب مــســتــعــرُ
كــأنّ عــبّــاس فــي مــاضــي عَـزيـمـتـه — أَبــو تُــراب وَفــي تــدبــيــره عــمــرُ
هَــذا المَــليــك الَّذي أَضـحَـت مـآثـره — مــثــل النُـجـوم وَلكـن لَيـسَ تـنـحـصـرُ
كَــذا لتــبـق لَيـاليـك الحـسـان لنـا — وَهَـــكَـــذا فــلتــدم آيــاتــك الغــررُ
وَليــحـي عـرشُـك وَلتـعـل الحـيـاة بـه — وَعـرش شـانـيـك فـي الأَيـام يـحـتـضـرِ
لا زالَ مُــلكــك مَــحــمــوداً بِـمـالِكِهِ — وَعــصـر حـكـمـك تَـعـنـو دونـه العـصـرُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف الراء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- البدو: (بَدَوَ) الْبَاءُ وَالدَّالُ وَالْوَاوُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ ظُهُورُ الشَّيْءِ. يُقَالُ: بَدَا الشَّيْءُ يَبْدُو: إِذَا ظَهَرَ، فَهُوَ بَادٍ. وَسُمِّيَ خِلَافُ الْحَضَرِ بَدْوًا مِنْ هَذَا، لِأَنَّهُمْ فِي بَرَازٍ مِنَ …
- الحضر: حضر: الحُضورُ: نَقِيضُ المَغيب والغَيْبةِ؛ حَضَرَ يَحْضُرُ حُضُوراً وحِضَارَةً؛ ويُعَدَّى فَيُقَالُ: حَضَرَه وحَضِرَه[[. قوله: [فيقال حضره وحضره إلخ] أَي فهو من بابي نصر وعلم كما في القاموس]]. يَحْضُرُه، وَهُوَ شَاذٌّ، و …
- الفصيح: الفَصِيحُ :- من الرِّجال: ذو الفصاحة ج فُصَحَاءُ. - من الكلام: الواضح معنىً والحَسُ مبنيً؛ لسانٌ فصيح أي طلْق يُعين صاحبه على التعبير الجيّد.
- توحي: تَوَحَّى يَتوَحَّى تَوَحَّ تَوَحَِّيًا [وحي]: أسرع؛إذَا أَرَدْتَ أَمْرًا فتدَّبرْ عاقبتَه، فَإنْ كانت شرًّا فانتهِ، وإِن كانت خيرًا فَتَوَحَّهُ .
- ثغب: ثغب: الثَّغْبُ والثَّغَبُ، وَالْفَتْحُ أَكثر: مَا بَقِيَ مِنَ الْمَاءِ فِي بطنِ الْوَادِي، وَقِيلَ: هُوَ بَقِيَّةُ الماءِ العَذْبِ فِي الأَرض، وَقِيلَ: هُوَ أُخْدُودٌ تَحْتَفِرهُ المَسايِلُ مِنْ عَلُ، فإِذا انْحَطَّتْ حَ …