هذي سُعودُك قد حيّتْ طوالِعُها
الشاعر: ابن فُركون · البحر: البسيط · الغرض: قصيدة مدح
هذه القصيدة من شعر ابن فُركون، من المغرب والأندلس، وتقع في 54 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف العين، وغرضها قصيدة مدح.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
هذي سُعودُك قد حيّتْ طوالِعُها ... واستشْرَفَتْ من ثَناياها طلائِعُها
آثارُ مُلْكِكَ لا تبْلَى نَضارَتُها ... أنوارُ أُفْقِكَ لا تخْبو سواطِعُها
آياتُ حمْدِكَ تُسْتَجْلى مواقِعُها ... إياتُ هديكَ تُسْتَجْلَى نواصِعُها
ما يمّمَتْ بابَكَ القُصّادُ آمِلةً ... إلا تَدانَى منَ الآمالِ شاسِعُها
أبوابُ عزٍّ بها الأخْبارُ وارِدةٌ ... فالسّيفُ شارِحُها والسّيبُ شارِعُها
بيوسُفٍ مَلكِ الأملاكِ ناصرها ... بانَتْ شعائِرُها قامَتْ شرائِعُها
أمَا له الهِمّةُ العُلْيا فما وضحَتْ ... مَراقِبُ العِزِّ إلا وهْوَ فارِعُها
أما لهُ الكرمُ المَحْضُ الذي أخذتْ ... عنهُ الغَمائِمُ إذ جادتْ هوامِعُها
أما لهُ الشِّيَمُ الغُرُّ التي جُليَتْ ... كَواكِباً لم تَزلْ تَهْدي طوالِعُها
أما لهُ العَزماتُ الماضِياتُ كما ... هزّ الحُسامُ وخاضَ الحربَ دارِعُها
أمَا لهُ المَكْرُمات السّائِراتُ ثَنىً ... كالشّمْسِ يُجْلَى على الآفاقِ شائِعُها
فالشّهْبُ من نورِ مَرْآهُ أشِعّتُها ... والسُّحْبُ من جودِ كفَّيْهِ يَنابِعُها
والغربُ يا طالَما ودّتْ خِلافَتُهُ ... لديْهِ لو أنــــها رُدّتْ ودائِعُها
هذا مُناوِيه قد ولّتْ كتائِبُهُ ... والرّعْبُ يَقْدُمُها والسّيفُ تابِعُها
كأنّني بلِسانِ الدهْرِ يُنْشِدُها ... أنّى بأسْبابِ عِزٍّ وهوَ قاطِعُها
تبّاً لطائِفةٍ طافَ الهَوانُ بِها ... تُخادِعُ الله سِرّاً وهْوَ خادِعُها
منَ الفِرارِ إلى دارِ البَوارِ مضَتْ ... فَما مصارِفُها إلا مَصارِعُها
وللعوامِل في هامِ العِدَى عمَلٌ ... فالسّيْفُ خافِضُها والرُمْحُ رافِعُها
كأنّ بيضَ الظُّبا والنقْعُ مُنْسَدِلٌ ... بوارِقٌ قد جَلا الظّلْماءَ صادِعُها
وربّما جالَتِ الأبطالُ حيثُ غَدا ... ليلُ العَجاجةِ تجْلوهُ مدارِعُها
كانتْ خِلافَتُه روضاً فَها هي قدْ ... أضحى هَشيماً بنارِ الحرْبِ يانِعُها
أيَخْطُبُ السِّلْمَ والبَيْضاءُ مانِحةٌ ... حُلولَ أرْجائِها لا كان مانِعُها
كَتائِبُ النّصْرِ إذ حلّتْ بساحَتِها ... كَرْهاً تُودِّعُها طوْعاً تُوادِعُها
وكيفَ تُدْفَعُ عنْ فاسٍ أُسودُ وَغىً ... وما مرابِضُها إلا مرابِعُها
إنْ أجْفلَتْ فئةُ التوْحيدِ ها هيَ قدْ ... عادَت تنازِلُ فيها مَنْ يُنازِعُها
وقائِعٌ محّصَ الله العِبادَ بِها ... حتّى تبيّنَ عاصِيها وطائِعُها
إن كان ضُيِّعَ حَزْمٌ عندَما افْتَرَقَتْ ... فإنّ جودَك حامِيها وجامِعُها
هذا نداكَ بهِ نيلتْ مَطالِبُها ... هذا هُداكَ بهِ راقتْ مطالِعُها
وإنّ مُلْكَكَ وافِيها وقدْ عرَضَتْ ... لها الحوادثُ حتّى خيفَ واقِعُها
فاسْتَشْعَرَتْ بجميلِ الصُّنْعِ حين علَتْ ... بالنّصْرِ منكَ على الشّعْرى مصانِعُها
فقَرَّ عيْناً كما شاءَ الوليُّ بها ... وفازَ بالعِزِّ رائِيها وسامِعُها
إذْ شيّدَ الصُّنْعُ للنّصْرِ العزيزِ بها ... مَصانِعاً يبْهَرُ الألْبابَ رائِعُها
مَن كابْنِ نَصْرٍ حُلاً مأثورَةً وعُلاً ... مُضيعُها قاصِرٌ عنْها وطائِعُها
هذا وإنّ تِلِمْساناً بهِ انتَصَرَتْ ... مُلوكُها ومَعاليهِ تُراجِعُها
فحَثَّ سائِحُها سَيراً لسابِحِها ... وبثّ نجْواهُ داعِيها وضارِعُها
هوَ الجهادُ فإن باعُوا نُفوسَهُمُ ... مِن ربّهِمْ فازَ بالدّارَيْنِ بائِعُها
وحَلَّ مالَقَةً والنّاسُ قد يَئِسوا ... من رحْمةٍ عنهُمُ ما ضاقَ واسِعُها
أضْحَتْ لديْها نُفوسُ الخلْقِ خائِفَةً ... لا يهْتَدي لسَبيلِ الأمْنِ جازِعُها
قد أوْبَقَتْهُمْ خطاياهُمْ وليسَ سِوى ... جِهادِهِ في سبيل الله شافِعُها
صنائِعُ اللهِ لمّا حل ساحَتها ... فضْلاً بها قد حباهُ اللهُ صانِعُها
فأشرقَتْ أوجُهُ البُشْرى بناشِئَةٍ ... من الغَمامِ قدِ انهَلّتْ مدامِعُها
حيّا الحَيا وجُفونُ الزّهْرِ نائِمةٌ ... والآن لا يالفُ الإغْفاءَ هاجعُها
للّهِ ناضرَةٌ منها وناظرةٌ ... تنبّهَتْ بعدَ ما أغْفَتْ هواجِعُها
هَذي بواسِمُها رقّتْ نواسِمُها ... هذي منازِلُها رقّتْ منازِعُها
خيْلُ النواسِمِ لا تثْني أعنَّتَها ... عنِ الرّوابي التي راقَتْ روائِعُها
ومالتِ القُضْبُ زَهواً كلّما نزَعَتْ ... لها فنازِلُها يَثْنيه نازِعُها
وربّما قد تُقيمُ الرّيحُ مائِلَها ... كما يُقيمُ صَغا الأبطالِ وازِعُها
هذا وهُنّئْتَ عيدَ الفطرِ إذ وردتْ ... فيه البشائِرُ تُسْتَحلى مواقِعُها
طلَعْتَ فيه ومِن مَرْآكَ شمْسُ ضُحىً ... تُجْلى فيجْلو دُجَى الظّلْماءِ ساطِعُها
فاهْنأْ بهِ ولنا فيه الهَناءُ بأنْ ... مُدّت لنا يَدُك العُليا نُبايِعُها
ماذا تُسطِّرُ أقْلامُ البَليغِ إذا ... أبْدى وأبْدَعَ باريها وبارِعُها
شُهْبُ المَعاني وأطْراسي مراقِبُها ... ظِباءُ ألفاظِها فكْري مراتعُها
بنَصْرِ مُلْكِكَ أعْلى اللهُ مظهَرَهُ ... للهِ ساجِدُها يدْعو وراكِعُها
دامَتْ خلافَتُك العُليا التي خضعَتْ ... لها الخلائِقُ والدُنْيا تُطاوِعُها
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف العين، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مفردات الراغب:
- القصاد: قصد: الْقَصْدُ: اسْتِقَامَةُ الطَّرِيقِ. قَصَد يَقْصِدُ قَصْدًا، فَهُوَ قاصِد. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ؛ أَي عَلَى اللَّهِ تَبْيِينُ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ والدعاءُ إِليه بِالْحُجَجِ وَال … (لسان العرب)
- المحض: محض: المَحْضُ: اللبنُ الخالِصُ بِلَا رَغْوة. ولَبنٌ محْضٌ: خالِصٌ لَمْ يُخالِطْه مَاءٌ، حُلْواً كَانَ أَو حَامِضًا، وَلَا يُسَمَّى اللبنُ مَحْضاً إِلا إِذا كَانَ كَذَلِكَ. وَرَجُلٌ ماحِضٌ أَي ذُو مَحْضٍ كَقَوْلِكَ تامِرٌ … (لسان العرب)
- بيوسف: وسف: الوَسْف: تَشَقُّقٌ يبْدو فِي الْيَدِ وَفِي فَخِذِ الْبَعِيرَ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: الوَسْف تَشَقُّقٌ يَبْدُو فِي مقدَّم فَخِذِ الْبَعِيرِ وَعَجُزِهِ عِنْدَ مؤخَّر السِّمَن والاكْتناز، ثُمَّ يَعُم جَسَدَهُ فيَتقشَّر … (لسان العرب)
- تخبو: خَبَتِ النار تَخْبُو: سكن لهبها، وصار عليها خباء من رماد، أي غشاء، وأصل الخِبَاء الغطاء الذي يتغطّى به، وقيل لغشاء السّنبلة خباء، قال عزّ وجلّ: ﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً﴾ [الإسراء : 97] . (مفردات الراغب)
- حمدك: حمد: الْحَمْدُ: نَقِيضُ الذَّمِّ؛ وَيُقَالُ: حَمدْتُه عَلَى فِعْلِهِ، وَمِنْهُ المَحْمَدة خِلَافُ الْمَذَمَّةِ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ*. وأَما قَوْلُ الْعَرَبِ: بدأْت بالحمدُ … (لسان العرب)
- سعودك: سعد: السَّعْد: اليُمْن، وَهُوَ نَقِيضُ النَّحْس، والسُّعودة: خِلَافُ النُّحُوسَةِ، وَالسَّعَادَةِ: خِلَافُ الشَّقَاوَةِ. يُقَالُ: يَوْمُ سَعْد وَيَوْمُ نَحْسٍ. وَفِي الْمَثَلِ: فِي الْبَاطِلِ دُهْدُرَّيْنْ سَعْدُ القَيْن … (لسان العرب)