هَذي الكواكِبُ قابلتْكَ سُعودُها
الشاعر: ابن فُركون · البحر: الكامل · الغرض: قصيدة مدح
هذه القصيدة من شعر ابن فُركون، من المغرب والأندلس، وتقع في 75 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الدال، وغرضها قصيدة مدح.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
هَذي الكواكِبُ قابلتْكَ سُعودُها ... ولدَيْكَ في أوْجِ الكَمالِ صُعودُها
هذي المآثِرُ حيثُ قامَ خَطيبُها ... يرْتَدُّ عنهُ زيادُها ويَزيدُها
هذي محامِدُكَ التي عنْ مثلِها ... يَثْني العِنانَ أمينُها ورَشيدُها
هذي المآمِلُ ما يَطولُ نُزوحُها ... إلا ويَدْنو كيفَ شِئتَ بَعيدُها
هذي المواهِبُ كلّما سُئِلَ النّدى ... يأتي بمُنهَلّ الغمائِمِ جودُها
هذي المكارمُ كلّما بخِلَ الحَيا ... أحْيا الوجودَ لدى عُلاكَ وُجودُها
هذي الخلائِفُ يمّمَتْكَ على النّوى ... أرْسالُها ورجَتْ نَداكَ وُفودُها
ما راعَ خَطْبٌ أو تفاقمَ مُعْضِلٌ ... إلا وأنتَ عِمادُها وعَميدُها
ما بَدّلَتْ كلِماتِها إذ قوبِلَتْ ... بعواطِفٍ من وصْفِها توْكيدُها
ما أزْهَرَتْ للمَكْرُماتِ حدائِقٌ ... إلا غدَتْ يُمْنى يَديكَ تُرودُها
ما أخْلَفَ الأرضَ الغَمامُ وأمْحَلَتْ ... إلا وجَدْوى راحتَيْكَ تَجودُها
قُصِرتْ عليْكَ المَكْرُماتُ ومنْكَ قد ... راقَ الخلائِفَ فوقَها مَمْدودُها
تبْغي الأعادي في جَنابِكَ مَوْرِداً ... فتكُفُّها عن ورْدِها وتَذودُها
كمْ أخفَقَتْ مَسْعى عِداكَ خوافِقٌ ... في الحربِ قد نُشِرَتْ عليْكَ بُنودُها
للهِ دوْلتُــــكَ التــــي لجَلالِها ... خضَعَتْ صناديدُ المُلوكِ وصيدُها
في حرْبِها ماضٍ لديْكَ حُسامُها ... في سَلْمِها مُستَقْبَلٌ تأييدُها
هَذي خِلافةُ ناصرِ الدّين الذي ... يغْزو وأمْلاكُ السّماءِ جُنودُها
ولسَوْفَ يُبْذَلُ في جِهادِ عُداتِها ... طوْعَ المكارِمِ والعُلى مجْهودُها
ولسوفَ يُلْفى كُلُّ باغٍ مُسرِفٍ ... يَصْلى بنارِ الحربِ وهْو وَقودُها
لكأنْ بهِ والحرْبُ توقِدُ للعِدى ... ناراً بمُنْهَلِّ النّجيعِ خمودُها
لكأنْ بهِ يغْزو كتائِبَهُمْ وقدْ ... جالَتْ جِيادُ النّصرِ كيفَ يُريدُها
لكَأنْ بهِ والرّومُ عندَ لِقائِهِ ... لمْ يُغْنِ عنْها عدُّها وعَديدُها
يرْتاعُ خيفَةَ بأسِهِ مُرْتاحُها ... ويخِفُّ في طَلبِ النّجاةِ وئيدُها
وكَتائِبُ الإسْلامِ في أعْقابِهمْ ... يَمْحو مَعالِمَ شرْكِهِمْ توْحيدُها
واليوسُفيُّ المُلْك لوْلا أمْنُهُ ... في الأرضِ ما ألفَ الجُفونَ هُجودُها
ملِكٌ تَرى الأمْلاكَ وهْو يَطولُها ... سَبْقاً لغاياتِ العُلى ويسودُها
ما شامَ في الأقطارِ قائِمَ سيْفِه ... إلا وقامَ بعَدْلِهِ تَمْهيدُها
فارتدّ باغيها وذُلِّلَ خطْبُها ... وانْقادَ من بعْدِ الإباءِ شَرودُها
بمكارِمٍ للمَعْلُواتِ يُنيلُها ... ومَعالِمٍ للمَكْرُماتِ يُشيدُها
وسوابِقٍ يحْلُلْنَ مُشْتَجرَ القَنا ... غِيلاً فتزْأرُ بالكُماةِ أُسودُها
وصَوارِمٍ ما جُرِّدَتْ في المُلْتَقى ... إلا وهامُ الدّارِعينَ غُمودُها
عَجباً لها بيضاً وما إن راعَها ... خجلٌ ويبْدو في الوَغى توْريدُها
وذوابِلٍ خفَّتــ كأسْرابِ القَطا ... هِيماً تحومُ وفي النّجيعِ وُرودُها
لوْلا اشتِغالُ سِنانِها حيثُ النّدى ... من كفِّهــ يَهْمي لأوْرَقَ عودُها
تُرْوى المَعالي عنْ عَواليهِ التي ... ما راعَ زُرْقَ عُيونِها تَسْهيدُها
فتقودُ حَتْفَ المعْتَدي لحَظاتُها ... وتُقَدُّ في حلَقِ الدّروعِ قُدودُها
عجَباً لها طوْعَ العزائِمِ شُرَّعاً ... لمْ يَثْنِها عن قصدِها تَقْصيدُها
شيَمٌ لأنصارِ الرّسالةِ تَنْتَمي ... إنْ عُدّدتْ لا ينقَضي تَعْديدُها
للهِ آثــــــارٌ لهُــــــمْ ومـــــآثـــــرٌ ... يَبْلى الزمانُ ولا يَزولُ جَديدُها
فيهِمْ أُبيدَتْ في اليَمامةِ أمّةٌ ... غصّتْ بهِمْ طوْعَ الضّلالةِ بيدُها
ولَيوْمِ بَدْرٍ بادَروا فاسْتأصلوا ... فِئَةً تَمادى كُفْرُها وجُحودُها
لجِدالِها حُجَجٌ تُثيرُ جِلادَها ... حيثُ الحُسامُ مُبينُها ومُبيدُها
حتّى قضَوْا طوْعَ الجِهادِ وخلّفوا ... خُلَفاءَ أُنْجِزَ بالعُلى مَوْعودُها
كانوا ظِلالاً والهواجِرُ تلْتَظي ... قد فاءَ فوقَ العالَمينَ مَديدُها
بهِمُ الخِلافةُ نُظّمَتْ أسْلاكُها ... لمّا وهَى بيَدِ الضّلالِ فَريدُها
وأتى عدُوُّ الدّين يرْجو أن يُرى ... عن حَمْلِ ما قدْ قُلّدَتْهُ يَؤودُها
أعْلَوْا مظاهِرَ قُبّةِ الإسْلامِ إذْ ... قامَتْ بهِمْ أطْنابُها وعَمودُها
فئةٌ تَمائِمُها السّيوفُ وما درَتْ ... للحَرْبِ مَعْنىً والسّروجُ مُهودُها
ولحَمْلِ أعْباءِ الوفاءِ قدِ انْبَرى ... من قَبْلِ أنْ كُتِبَتْ عليْهِ وليدُها
تُتْلَى وتُجْلى آيُها وإياتُها ... يُرْجى ويُخْشى وعْدُها ووعيدُها
فلَها علَى حُكْمِ المكارِمِ والعُلى ... هِمَمٌ قضَتْ أنّ المُلوكَ عَبيدُها
فمَعالِمُ الإسْلامِ بعْدَ عفائِها ... في أرْضِ أندَلُسٍ بهِمْ توْطيدُها
يا ناصرَ الدّين الذي أمْداحُهُ ... يَهْدي ويُهْدَى قصْدُها وقَصيدُها
وقفَتْ ببابِكَ من مَرينٍ أُسْرةٌ ... طوْعَ الوَفاءِ فما تُضاعُ عُهودُها
وافَتْكَ لا تَثْني أعِنّةَ سيْرِها ... ورجاؤُها إذْ يمّمَتْكَ يَقودُها
فأنَلْتَ ما شاءَتْ من النّعَمِ التي ... يُرْجَى وإنْ عَظُمَتْ لديْكَ مَزيدُها
واهْنأْ بِعيدٍ عائِدٍ لكَ بالمُنى ... ولْتَهْنَأِ الدّنْيا لدَيْكَ مَزيدُها
قد سارَ شهْرُ الصّوْمِ أكْرَمَ ظاعِنٍ ... يُلْقي أحاديثَ العُلى ويُعيدُها
تتناقَل الرُكْبانُ منْها كُلَّ ما ... قد لذّ في أسْماعِها تَرْديدُها
هَيْهاتَ يَنْسى من حِماكَ مَعاهِداً ... ولها عُهودٌ ما يُذَمُّ حَميدُها
وأتاكَ عيدُ الفِطْرِ أشْرَفَ قادِمٍ ... راقَ المكارمَ عندَهُ تجْديدُها
قد شفّهُ شوْقٌ لحضْرَتِكَ التي ... بعوائِدِ الصُّنْعِ الجَميلِ يعودُها
فطلَعْتَ في أفُقِ الخِلافةِ آيةً ... راقَتْ تهائِمُها بهِ ونُجودُها
ولَديْكَ من أمَراءِ مُلْكِكَ أوْجُهٌ ... غُرٌّ تَروقُ النّيِّراتِ سعودُها
ومَدَدت للتّقْبيلِ كفّاً لم تزَلْ ... تنْهَلُّ فوقَ الآمِلينَ عُهودُها
أولَيْتَ أحْرارَ القَبائِلِ أنْعُماً ... وبدأْتَها ونَدَى يَديْكَ مُعيدُها
فأتَتْ إلى تجْديدِ بيْعَتِكَ التي ... هذي ملائِكةُ السّماءِ شُهودُها
جَعَلَتْ يَمينَكَ للمكارِمِ قِبْلَةً ... فلِذاكَ طالَ رُكوعُها وسُجودُها
وإليْكَها من بحْر فكْريَ لُؤْلُؤاً ... لوْلا خِلالُكَ لمْ يرُقْ تَنْضيدُها
حَسْناءُ فالزُّهْرُ الكَواكِبُ تنْثَني ... عنْها وتَقْصُرُ في المَقاصِرِ غيدُها
أوَ ليْسَ أفْكاري حَدائِقَ تُجْتَلى ... لا يشْتَكي مَحْلاً لدَيْك مَجودُها
لولاكَ ما راقتْ مَعانيها ولا ... راقَتْ على جِيدِ الزّمانِ عُقودُها
لكَ دولةُ العِزّ التي قد عزَّ مَن ... أضْحى مُوالِيهَا وخابَ حَسودُها
يدْعو لها بالنّصْرِ كُلّ مُوَحِّدٍ ... دامَتْ لها الدُنْيا ودامَ خُلودُها
فعلى الخلائِقِ أنْ تُطيلَ دُعاءَها ... وعلَى الذي تدْعو لهُ تخْليدُها
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الدال، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:
- المواهب: وَهَبَ: فِي أَسماءِ اللَّهِ تَعَالَى: الوَهَّابُ. الهِبةُ: العَطِيَّة الخاليةُ عَنِ الأَعْواضِ والأَغْراضِ، فإِذا كَثُرَتْ سُمِّي صاحِبُها وَهَّاباً، وَهُوَ مِنْ أَبنية المُبالغة. غَيْرُهُ: الوَهَّابُ، مِنْ صفاتِ اللَّهِ … (لسان العرب)
- بعيدها: (عَيَدَ) الْعَيْنُ وَالْيَاءُ وَالدَّالُ قَدْ مَضَى ذِكْرُهُ فِي مَحَلِّهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَصْلُ. (مقاييس اللغة)
- بمنهل: نهل: النَّهْل: أَوَّل الشُّرْب؛ تَقُولُ: أَنهَلْتُ الإِبلَ وَهُوَ أَول سَقْيِهَا، ونَهِلَتْ هِيَ إِذا شَرِبَتْ فِي أَوَّل الوِرْد، نَهِلَتِ الإِبلُ نَهَلًا وإِبل نَوَاهِل ونِهَال ونَهَلٌ ونُهُول ونَهِلَة ونَهْلَى. يُقَال … (لسان العرب)
- تفاقم: فقم: الفَقَمُ فِي الْفَمِ: أَنْ تَدْخُلَ الأَسنان الْعُلْيَا إِلَى الْفَمِ، وَقِيلَ: الفَقَم اخْتِلَافُهُ، وَهُوَ أَنْ يَخْرُجَ أَسْفَلُ اللَّحْي وَيَدْخُلَ أَعْلَاهُ، فَقِمَ يَفْقَم فَقَماً وَهُوَ أَفْقَم، ثُمَّ كَثُرَ … (لسان العرب)
- جودها: جود: الجَيِّد: نَقِيضُ الرَّدِيءِ، عَلَى فَيْعِلٍ، وأَصله جَيْوِد فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِانْكِسَارِهَا وَمُجَاوَرَتِهَا الْيَاءَ، ثُمَّ أُدغمت الْيَاءُ الزَّائِدَةُ فِيهَا، وَالْجَمْعُ جِياد، وَجِيَادَاتٌ جَمْعُ الْ … (لسان العرب)
- خطيبها: خطب: الخَطْبُ: الشَّأْنُ أَو الأَمْرُ، صَغُر أَو عَظُم؛ وَقِيلَ: هُوَ سَبَبُ الأَمْر. يُقَالُ: مَا خَطْبُك؟ أَي مَا أَمرُكَ؟ وَتَقُولُ: هَذَا خَطْبٌ جليلٌ، وخَطْبٌ يَسير. والخَطْبُ: الأَمر الَّذِي تَقَع فِيهِ المخاطَبة، … (لسان العرب)