بعَيشِكُما دَعا ذِكْرَ العشيَّهْ
الشاعر: ابن فُركون · البحر: الوافر
هذه القصيدة من شعر ابن فُركون، من المغرب والأندلس، وتقع في 45 بيتًا. نُظمت على بحر الوافر، ورويّها حرف الياء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
بعَيشِكُما دَعا ذِكْرَ العشيَّهْ ... وحُثّا في رُبوعِهمُ المطيَّهْ
وإن لمْ تَنزلا تِلْكَ الثّنيَّهْ ... قِفا نَفَساً على نَفْسٍ شَجيَّهْ
يُعيدُ حياتَها رجْعُ التّحيَّهْ ... أبُعْداً والفؤادُ لهُمْ مكانُ
أراهُمْ نصْبَ عينيَ حيثُ كانُوا ... فمُذْ بانوا الصّبابةَ قد أبانوا
على أثَر الرّكائِبِ يوْمَ بانُوا ... يَحينُ الحَيْنُ أو تدْنو المنيَّهْ
أحاديثُ الصّبابةِ عنهُ شاعَتْ ... وبعْدَ الكتْمِ في الآفاقِ ذاعَتْ
وآمِنُ قلبِهِ بالخَفْقِ راعَتْ ... فوا أسَفا لنَفْسٍ منهُ ضاعَتْ
يَقِلُّ لها فِدىً لها كُلُّ البريَّهْ ... مَشوقٌ دمْعُهُ يُبْدي الخَفايا
ثَناهُ للهَوَى حُسْنُ الثّنايا ... فها هوَ لم يدَعْ منهُ بَقايا
صريعٌ بيْنَ أخْفافِ المَطايا ... بَعيدُ الرُّشْدِ لا يَخْشى تقيَّهْ
يهيمُ بحُسْنِهِمْ كلَفاً ووُدّا ... فينثُرُ جفْنُهُ للدّمْعِ عَقْدا
مُحِبٌّ لا يزالُ يَهيمُ وجْدا ... يُردّدُ زفْرةً كالجَمْرِ وقْدا
ويُرْسِلُ عَبْرَةً تحْكي ركيَّهْ ... لقلْبي عندَما رحَلوا وَجيبُ
أُنادِيهِمْ وما منْهُمْ مُجيبُ ... أرى دهْري لهُ شانٌ عَجيبُ
فداعِي اليأسِ للدّعْوَى قَريبُ ... وآمالُ الرّجاءِ غدَتْ قصيَّهْ
فَما للقَلْبِ بعْدَهُمُ سُلُوُّ ... وليسَ منَ الغَرامِ لهُ خُلُوُّ
فَيا بُعْدَ المَزارِ ألا دُنُوُّ ... ويا طِرْفَ الصُّدودِ ألا كُبُوُّ
ويا سَيْفَ الفِراقِ ألا بَقيَّهْ ... ألا يا مَكْنِساً لِظباءِ إنْسِ
حويتَ من المَحاسِن كُلّ جِنْسِ ... ويا أُفْقاً لبَهْجةِ كُلِّ شمْسِ
ويا مَغْنى السّرورِ وكُلّ أُنْسِ ... عُهودُكَ عندَنا أبَداً وفيَّهْ
لقد أبدَيْتُها حِكَماً وحُكْما ... بوصْفِكَ دائِماً نثْراً ونظْما
أطَلْتُ ولمْ أقصِّرْ فيهِ لمّا ... رمانِي الدّهْرُ عن كثَبٍ فأصْمى
فؤاداً ما لَهُ بِسواكَ نيَّهْ ... أيَبْعُدُ شخْصُها والفِكْرُ يُدْني
وتَبرأُ ساحَتي والوَجْدُ يُضْني ... وكُنتُ أظنُّ أنّ الصّبْرَ يُغْني
فؤاداً غَرّهُ منْكَ التّمنّي ... ونَفْساً فيكَ إنْ عُذِلتْ أبِيَّهْ
فكمْ للدّمْعِ من دُرٍّ نَضيدِ ... على ما مرّ منْ عهْدٍ حَميدِ
وكمْ بهواكَ من قلبٍ عَميدِ ... وكمْ وعْدٍ نقَضْتَ وكمْ وَعيدِ
تقاضتْهُ العُيونُ البابِليَّهْ ... فيا بَدرَ الدُجى حُسْناً وحَدّا
ويا غُصْنَ النقَى ليناً وقَدّا ... أأقرُبُ لوعةً فَتزيدُ بُعْدا
وأُظْهِرُ رغبَةً وتَزيدُ صَدّا ... فَيا للهِ منْ هَذي القضيَّهْ
بَنو الأمْلاكِ ما بلَغوا مناطِي ... لهُمْ فخْرٌ إذا لَثَموا بِساطي
فمالَكَ كاسَ وصْلِكَ لا تُعاطي ... كأنّي لمْ أكُنْ والدّهْرُ ساطِ
مَهيبَ الأمْرِ محْمودَ السّجيَّهْ ... إذا أبْدى العبوسَ أراهُ بِشْري
صَباحاً للرّكائِبِ حينَ تَسْري ... وإنّي مُذْ أطاعَ الدّهْرُ أمْري
أُقابِلُ عُسْرَهُ أبداً بِيُسْري ... وآسُــــو جُرْحَهُ باليَزْأَنِيَّهْ
لَئِنْ كان الزّمانُ أطالَ نأيي ... فَها هُوَ مُظْهِرٌ نَصْري وهَدْيي
مُطيعاً مُنْفِذاً أمْري ونهْيي ... وكانتْ فلْتَةً فالَتْ برأيي
غَداة النّفْسُ بالعَلْيا حريَّهْ ... هيَ الأيامُ أمْري قد أطاعَتْ
قدِ انقادَتْ إلى مُلْكي وطاعَتْ ... مَعالِمَهُ أقَمْتُ وقد تداعَتْ
فراعَيْتُ الأذِمّةَ حيثُ ضاعَتْ ... وآثرْتُ الوَفاءَ على الدّنيَّهْ
لقَدْ نِلتُ العُلَى وتْراً وشَفْعا ... وكان الخَفْضُ للأقْدارِ رَفْعا
أزاحَ وقد قَضى للشّمْلِ جَمْعا ... مُصاباً لم أعِرْهُ الدّهْرَ سَمْعا
ولمْ أقْرَعْ لهُ أسَفاً ثَنيَّهْ ... فكمْ قد بتُّ فيه رَهينَ وجْدِ
أُطيلُ الفِكْرَ ذا قَلَقٍ وسُهْدِ ... أراقِبُ خافِقاً من ظِلّ بَنْدِ
إلى أنْ عادَني من غيْرِ وعْدِ ... خَيالٌ قدْ سَرَى للعامريَّهْ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الوافر. بحر موسيقيّ متدفّق يصلح للحماسة والفخر والغزل، سُمّي وافرًا لوفور حركاته.
تفعيلاته: مفاعلتن مفاعلتن فعولن.
القافية: رويّها حرف الياء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مفردات الراغب، الصحاح:
- التحيه: حيه: حَيْهِ: مِنْ زَجْرِ المِعْزَى؛ عَنْ كُرَاعٍ. وَمَا أَنتَ بحَيْه؛ حَكَاهُ ثَعْلَبٌ وَلَمْ يُفَسِّرْهُ. وَمَا عِنْدَهُ حَيْهٌ وَلَا سَيْهٌ وَلَا حِيهٌ وَلَا سِيهٌ؛ عَنْهُ أَيضاً وَلَمْ يُفَسِّرْهُ، وَالسَّابِقُ أَن مَ … (لسان العرب)
- الثنيه: ثني: ثَنَى الشيءَ ثَنْياً: ردَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، وَقَدْ تَثَنَّى وانْثَنَى. وأَثْنَاؤُه ومَثَانِيه: قُواه وَطَاقَاتُهُ، وَاحِدُهَا ثِنْي ومَثْنَاة ومِثْنَاة؛ عَنْ ثَعْلَبٍ. وأَثْنَاء الحَيَّة: مَطاوِيها إِذا تَحَوّ … (لسان العرب)
- الكتم: كتم: الكِتْمانُ: نَقِيض الإِعْلانِ، كَتَمَ الشيءَ يَكْتُمُه كَتْماً وكِتْمَاناً واكْتَتَمَه وكَتَّمَه؛ قَالَ أَبو النَّجْمِ: وكانَ فِي المَجْلِسِ جَمّ الهَذْرَمَهْ، ... لَيْثاً عَلَى الدَّاهِية المُكَتَّمَهْ وكَتَمَه إِي … (لسان العرب)
- المطيه: قال تعالى: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾ [القيامة : 33] أي: يمدّ مَطَاهُ، أي: ظهرَه، والمَطِيَّة: ما يركب مطاه من البعير، وقد امتطيته ركبت مطاه، والمِطْوُ: الصاحبُ المعتمد عليه، وتسميته بذلك كتسميته بالظّهر. (مفردات الراغب)
- بالخفق: خفق: الخَفْقُ: اضْطِراب الشَّيْءِ العَرِيض. يُقَالُ: راياتُهم تَخْفِق وتَخْتَفِقُ، وَتُسَمَّى الأَعلامُ الخَوافِقَ والخافِقاتِ. ابْنُ سِيدَهْ: خَفَقَ الفؤَاد والبرْق والسيفُ والرايةُ وَالرِّيحُ وَنَحْوُهَا يَخْفِقُ ويَخْ … (لسان العرب)
- بانوا: أنى الشئ يأنى إنى، أي حانَ. وأَنى أيضاً: أدرك. قال الله تعالى: (غَيْر ناظرينَ إناهُ) أي نُضْجَه. ويقال أيضاً: أَنى الحميمُ، أي انتهى حرُّه. ومنه قوله تعالى: (وبَيْنَ حَميمٍ آنٍ) أي بالغٍ إناهُ في شدَّة الحرّ. وكلُّ مدركٍ … (الصحاح)