دَع نَوح ذي ياس وَشَوقَ مؤمّلِ
الشاعر: حسن حسني الطويراني · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر حسن حسني الطويراني، من العصر الحديث، وتقع في 64 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف اللام.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
دَع نَوح ذي ياس وَشَوقَ مؤمّلِ ... وَاقصد ديار القَوم قف وَتأملِ
واذكر عُصوراً لو بقي لك بعضها ... غص القَضاءُ وَضاق فدفدك الخلي
أَين النبي وَأَين آدم قَبله ... أَم أَينَ أَرباب الزَمان الأَول
أَين ابن شداد وَإرم قبله ... وَكذا بنو رمسيس باني الهيكل
وَاذكر سليمان النبي وَملكه ... وَالريح تحمله عَلى عرش علي
واسأل بذي القرنين عالم أَمره ... هَل أَغنى عَنهُ الحَزم حبة خردل
سَل هذه الغراء كَم من ناضر ... ضمت عليه أذرة من جندل
كَم فرقت أَيدي التراب مجمّعاً ... كَم أَرغمت ذا عزة بتذلل
كَم أَرسلت عَيناً جَرَت في جَدول ... كَم أَسعرت قلبا غدا في مرجل
وَالدَهر سَبقٌ وَالنُفوس بأَهلها ... مِن عاثر يَبقى وَطَرف مقبل
وَالمَرء نُورٌ وَالشَباب بهارُه ... وَالدَهر يَجني ما يَروق لمجتل
كاس يَطوف بها المدير عَلى الوَرى ... وَالحَق أَن يَبدأ بخير المحفل
كُل النُفوس وَإِن تَأخر بعضُها ... مترحلٌ وَالمَوت أَول منزل
وَلَقد يَود المرء طُول حَياته ... فَتمر حَتّى يَرجو مَوت المبتلي
فــــي كُــــل آن أنّــــةٌ من واجدٍ ... في إثر ذي وَجد مضى لم يمهل
لا المرء يَقنع بالذي يُقضَى وَلا ... يُؤتى سِوى هذا لِمَن لَم يَقبل
تَبكي الأَهلة وَالشُموس عَلى بَني ... سَهرابَ كَيفَ تسارعوا للمنهل
مازال في أَفرادهم وَجَميعهم ... متنقلاً إلا الثنا لم ينقل
وَلَقد لَقيت قضاً عَلى علم بِهِ ... وَلَقد غَشي وَغشيت ما لم أَجهل
شلت يدٌ قد وسدتك من الثَرى ... شَر الوساد وَليتها لم تشلل
ما كُنت أَعلم كَيفَ يحتمل النَوى ... حَتّى فَني وَبقيت في خطب جلي
بنت الكِرام وَكُل شَيء هالكٌ ... هذا الَّذي كُنا نَخاف وَتسألي
كَيفَ التجلد وَالفؤاد مروعٌ ... وَالدَمع يفرُقُه بيمٍّ مرسل
لَو كانَ يَبقى غَير ربك لافتدى ... عَزمٌ علا ولطال حد الفيصل
وَلو اســـــتـــــطــــاع لرد ذلك آدمٌ ... بَين الجِنان وَرستمٌ في جحفل
لَكنها حكم العَزيز وَقَد مَضَت ... وَجَرى القَضاء وَجف نَفس مؤذل
أَشكو إِلى الرَحمن ما يَلقى الحَشا ... مِن لَوعة تدعو تَأسُّفــ عُذّلي
وَلَقد أَقول وَلا أَقول تعزياً ... لا كُنت يا يَوم النَوى ما تَنجلي
ذخرت بحارُ الهَمِّ بَين جَوانحي ... فَدفقن من عَينيَّ فائض جَدول
لَو يرحم المَوت المذل عَزيزه ... حيّاً لحنَّ للوعتي وَتَبتّلي
سر بالعيون عَلى القُبور تَأدُّباً ... ما حقُّ من فيها يداس بِأَرجل
فَلطالما وَقفوا عَليها مثلما ... لك وَقفة فيها تمر فمثِّل
كَم فيهِ من بدرٍ نَضير قَد ثَوى ... كَم فيهِ من شمس هَوت لم تَأفُل
ممن إِذا أَمر النَسيم بحيهم ... يَخشى الحجاب وَهن في سامٍ عَلِ
أَرضاهم حكم القَضاء فأصبحوا ... بَين الجَنادل عبرةَ المتأمل
وَرضين بعد الأنس منزل وَحشةٍ ... وَبعُدن عن حامي العَزيمة أَعزل
جل الَّذي يَبقى وَيَفنى غَيرُه ... وَعداً بذلك في الكتاب المنزل
لَو كُنت أَعلمُ أن آخر عهدنا ... يَوم النَوى لفعلتُ ما لم أَفعل
لكن يهون خطب ذلك موعد ... حق ودين ثابتٌ في الكلكل
فَسقيت قبراً ضمَّ خَير عَفيفة ... أَهنا الحَيا وَألذَّ صافي السلسل
قضت السنين وَفي الإِله جَميعها ... لِلّه ما عملت وما لم تعمل
لَم أَنس يَومَك وَهوَ يَومٌ يا لَهُ ... عزَّ العزا فيه عَلى المتحمل
وَعُيوننا دفاقة لا تَهتدي ... وَعقولنا في حيرة لم تعقل
ودَعاكِ داك كُنت من رقبائه ... وَرحلت عنا وَالأَسى لم يَرحل
وَاتخذتِ من دار النعيم منازلاً ... حَيث النَبي شَفيع وَالمولى ولي
قف بالرسوم صاحبي بي وَحيها ... وَإِذا بَكيت بها فَجُزْ لا تسأل
وَإِذا سَألت فقُل ربوعاً قَد عَفَت ... وَاسمع جَوابك نطقَ صخرٍ صلصل
هذي الصَفاصفُ وَالفدافدُ كلُّها ... من مثلنا وَلَسوف ندركُها ملي
يَسري النَسيم فيذوي منها مترفاً ... من بعد أَيِّ تعزُّزٍ وَتدلُّل
لَو تنطق الدُنيا لقالت لابنها ... أَنا دار تَفريقٍ فَجُز أَو فابتُل
يا هالكاً في الدَهر يمشي معجباً ... قَلِّل من الخُيَلا وَسِرْ لا ترفل
مَن كانَ قبلك كان مثلك يَزدهي ... وَالمَوت يَبتدر المعامع فاصطل
قف بالرجام فتلك غايةُ موفقي ... ما لي بحوملَ أَو بدارةِ جلجل
لَو يَدري ساكنُها بما سكن الحَشا ... يَبكي عَليَّ منَ الأَسى وَيرقُّ لي
أَو ليس فرق بين من أَمسى عَلى ... شغلٍ وَمَن أَضحى عن البَلوى خلي
أَمشي غَريباً بعد ذا في مَوطن ... وَأَكون فَرداً بَين جَمع أُهَّل
أَرعى النُجومَ وَلَستِ في آفاقها ... وَأَرى الرديء وَلَستِ فيهِ مُعلِّلي
قَد كُنتُ أَرجو العَيش حَتى عفته ... وَاليَوم أَين المَوت ذاكَ بمعزل
مَن يَلقَ في الدُنيا سروراً فليعش ... لا من يعيش يضام ان لم يعتل
طُوراً يوسد في التراب أَحبةً ... أَبداً وَطور تاركاً من يجتلي
صمت اللسان لما نطقن محاجري ... وَكفاك شاهد ما أَقول تحولي
فانظر لِأكؤُسِ راحَتي قَد فُرِّغَت ... لما رَأَت كأسَ العُيون كممتلي
وَاعلم بأن العُمر يتعب أَهله ... فلذاك لم ترَ في الوَرى قَلباً خلي
فَإِذا أَردت مع الحَياة تفرغاً ... دَع نوح ذي يَأسٍ وَشَوقَ مؤمِّل
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف اللام، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- القرنين: قرن: القَرْنُ للثَّوْر وَغَيْرِهِ: الرَّوْقُ، وَالْجَمْعُ قُرون، لَا يكسَّر عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَمَوْضِعُهُ مِنْ رأْس الإِنسان قَرْنٌ أَيضاً، وَجَمْعُهُ قُرون. وكَبْشٌ أَقْرَنُ: كَبِيرُ القَرْنَين، وَكَذَلِكَ التَّيْسُ … (لسان العرب)
- الهيكل: هكل: تَهَاكَلَ القومُ: تَنَازَعُوا فِي الأَمر. والهَيْكَلُ: الضخمُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. والهَيْكَلَةُ مِنَ النِّسَاءِ: الْعَظِيمَةُ؛ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ. والهَيْكَلُ مِنَ الْخَيْلِ: الْكَثِيفُ العَبْلُ الليِّنُ؛ قَالَ امْ … (لسان العرب)
- تحمله: حمل: حَمَلَ الشيءَ يَحْمِلُهُ حَمْلًا وحُمْلاناً فَهُوَ مَحْمول وحَمِيل، واحْتَمَلَه؛ وَقَوْلُ النَّابِغَةِ: فَحَمَلْتُ بَرَّة واحْتَمَلْتَ فَجَارِ عَبَّر عَنِ البَرَّة بالحَمْل، وَعَنِ الفَجْرة بالاحْتِمَال، لأَن حَمْل … (لسان العرب)
- جندل: جندل: الجَنْدَل: الحِجَارة، وَمِنْهُ سُمِّيَ الرَّجُلُ. ابْنُ سِيدَهْ: الجَنْدَل مَا يُقِلُّ الرجلُ مِنِ الحِجَارة، وَقِيلَ: هُوَ الحَجَر كُلُّه، الْوَاحِدَةُ جَنْدَلَة؛ قَالَ أُمية الْهُذَلِيُّ: تَمُرُّ كجَنْدَلة المَنْ … (لسان العرب)
- خردل: خردل: الخُرْدُولة: الْعُضْوُ الْوَافِرُ مِنَ اللَّحْمِ. وخَرْدَلَ اللحمَ: قَطَّع أَعضاءَه وَافِرَةً، وَقِيلَ: خَرْدَلَ اللحمَ قَطَّعه صِغَارًا، وَقِيلَ: خَرْدَلَ اللحمَ قَطَّعه وفَرَّقه، وَالذَّالُ فِيهِ لُغَةٌ. وَلَحْمٌ … (لسان العرب)
- شداد: شدد: الشِّدَّةُ: الصَّلابةُ، وَهِيَ نَقِيضُ اللِّينِ تَكُونُ فِي الْجَوَاهِرِ والأَعراض، وَالْجَمْعُ شِدَدٌ؛ عَنْ سِيبَوَيْهِ، قَالَ: جَاءَ عَلَى الأَصل لأَنه لَمْ يُشْبِهِ الْفِعْلَ، وَقَدْ شَدَّه يَشُدُّه ويَشِدُّه شَد … (لسان العرب)