يا راقد الضحوات والأسحار
الشاعر: نسيب أرسلان · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر نسيب أرسلان، من العصر الحديث، وتقع في 69 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
يا راقد الضحوات والأسحار ... هلا انتبهت لداهم الأخطار
تباً لقلب ليس في سودائه ... للمجد زند مثقب بشرار
تسري الهموم وما نؤم وفودها ... وأبيك غير جوانح الأخيار
وكذا المحامد تستعيد لأهلها ... مــــا آزروا بتحمل الأوزار
إن الخطوب على تقادم خلقها ... منسوجة بخيوطة الإعمار
لا تترك الأيام نغبة طائرٍ ... حتى ترنقها بنبذ غبار
قد ساورتنا كربةٌ تدع الكرى ... لا يستقر من الجفون بدار
برحٌ تمكن في الصدور نزيله ... يحكي جماراً شيعت بجمار
ما أصعب الشجن الذي بدوامه ... ترك الفؤاد مفرق الأعشار
فعلام نكتم لوعةً ضاقت بها ... بعد التجلد ندحة الأضمار
نأسى على عز الخلافة بعدما ... دارت عــــليــــه دوائر المقدار
عز أذل الخافقين وأرزمت ... أصداؤه في شاسع الأقطار
يا دولةً ما كان أضلعها على ... جللٍ وأمنعها لحوض ذمار
دانت لسطوتها الأسود وأصبحت ... تعنو البنود لها بكل مغار
وابيض من كرم محيا صيتها ... لمــــا تــــورد متن كل غرار
قبلاً تقاصرت المطامع دونها ... عجزاً وخابت طلبة الأوتار
وتراجعت عنها العيون كأنها ... مغلولةٌ بسلاسل الأشفار
هي معدن الفضل الذي قد أومضت ... شذراته بمفارق الأعصار
ميمونة الأعراق أشرق نورها ... بالمستجن بنوره في الغار
تروي الممالك من مواطر عملمها ... إن نقصتها كدرة الأمطار
خضعت لها كل الأمور وبات في ... يدها نصاب النقض والإمرار
كم في البرية من مليكٍ ضارعٍ ... نصرته عند تخلف الأنصار
أعزز علينا اليوم أن يقوى على ... تلك الخلافة ساعد الأغيار
طور به دال الزمان وإنما ... طبع الزمان تداول الأطوار
دولٌ تجور على الأنام بفعلها ... وشعارها في العدل أي شعار
في كل عامٍ فلذة مبتورةٌ ... من جسمنا بمخالب الأنمار
فالثغر يلقي في الهلاك قرينه ... والمضر يلحق ذاهب الأمصار
لا تبلغ الأطماع دوة أرضنا ... إلا عــــلى جسرٍ من الأعذار
أين العهود وما يخط يراعهم ... لجـــــلاء حـــــقٍّ أو لكـــــفِّ ضـــــرار
فالحق أصبح لا يصان حريمه ... إلا بــــخــــط مــــهــــنــــدٍ بتار
هيهات ما كانت حفيظتهم سوى ... قول بذاك المنطق الغرار
كم دولةٍ عند الشدائد أفلتت ... من عهدها كجرادة العيار
نمنا على ملث الوعود وفاتنا ... ما دبر الأعداء في الأسحار
في الأمس ضيعنا السداد فإنما ... عون الخطوب عواقب الأبكار
وتباين الأغراض صير عقدنا ... في سلكه متنافر الأحجار
ما كان أخلقنا بكل كرامةٍ ... لو كان شمل الملك غير نثار
يا أهل ودي من لوعي رسالةٍ ... محبوكة بوشائعٍ من نار
أو ما رأينا السيل قد بلغ الربى ... حتى استقل بمائج التيار
كيف التجلد للغضاضة أنها ... صدعٌ على الأيام غير جبار
تتضرم الأنفاس في نحر الفتى ... ما دام مشدوداً بغلٍّ شنار
إن المعيشة لا يطيب رحيقها ... إلا إذا دارت بــــجــــام فــــخــــار
يا ضمي ليلتنا عليك بحتفنا ... إن لم تمتعنا بعز نهار
فالآلة الحدباء أهنأ مرقداً ... من كل مهد في حضيض صغار
ومناعة الأكتاف أيمن خطةٍ ... لســــناء ملك أو أمان ديار
لولا النجوم الثاقبات حصينةٌ ... في الجو ما سلمت من الأكدار
تبدو لنا الدنيا على مس الأذى ... مــــلتفة بملاءة من فار
فتدرعوا بالحزم للجلل الذي ... فدح البلاد بأثقل الأوقار
وتقلدوا العزم المتين فإنه ... قيد المنى وحبالة الأوطار
إن العزيمة لو أصابت شاهقاً ... ما غدرت منه محل وجار
لا تجزعوا عند المكاره إنما ... لجج المغاص بيعدة الأغوار
من رام للمجد المؤثل غايةً ... هانت عليه وعورة المضمار
والبأس جلباب الكارم فهل بكم ... من كان يقنع منه بالأطمار
زين الشباب بان يكون خلوقه ... أبداً عجاج الفيلق الموار
فتسابقوا في كل غمرةٍ مشهدٍ ... فيها الحتوف حديدة الأظفار
لا أبعد اللَه الألى قد جاهدوا ... شرفاً فما توا ميتة الأحرار
خلوا المضاجع منكم وتخيروا ... من رقعة الظلماء كل دثار
لو كان ما قد حل فينا نازلاً ... في الطير ما حنت إلى الأوكار
لا تثمروا الأفعال حتى تغتذي ... أعراقها بدم الوتين الجاري
والمجد لا يعتز في شرفاته ... إلا بــــيــــجــــرة صــــارمٍ هبار
أبت المعالي أن تكون عقودها ... إلا صفوف العسكر الجرار
وكأن أدخنة البنادق في الوغى ... للعــــزة القعساء وشي إزار
والمال درياق الهموم فعاونوا ... أجنادكم في ساعة الإقتار
لا تمسكوا ما تكنزون فإنما ... ضحى المروءةَ عابد الدينار
إن النفائس والنفوس رهائنٌ ... للموت عند صيانة الأخطار
وتذكروا الأجداد إذ نادتكم ... للمكرمات بالسن الآثار
شرعوا الفضائل في الحياة فجملوا ... بعد الممات مسافر الأسفار
إن لم ندافع عن محارم ملكنا ... فالملك ثاوٍ في شفير بوار
كم في الحوادث من نذير زاجرٍ ... لولا تشاغلنا عن الإنذار
فاكشف بليتنا وسدد أمرنا ... يا كاشف الظلمات بالأقمار
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الضحوات: ضحا: الضَّحْوُ والضَّحْوَةُ والضَّحِيَّةُ عَلَى مِثَالِ العَشِيَّة: ارْتِفاعُ النَّهَارِ: أَنشد ابْنُ الأَعرابي: رَقُود ضَحِيَّاتٍ كأَنَّ لِسانَهُ، ... إِذا واجَهَ السُّفّارَ، مِكْحالُ أَرْمَدا والضُّحى: فُوَيْقَ ذَلِكَ … (لسان العرب)
- بتحمل: حمل: حَمَلَ الشيءَ يَحْمِلُهُ حَمْلًا وحُمْلاناً فَهُوَ مَحْمول وحَمِيل، واحْتَمَلَه؛ وَقَوْلُ النَّابِغَةِ: فَحَمَلْتُ بَرَّة واحْتَمَلْتَ فَجَارِ عَبَّر عَنِ البَرَّة بالحَمْل، وَعَنِ الفَجْرة بالاحْتِمَال، لأَن حَمْل … (لسان العرب)
- بشرار: شرر: الشَّرُّ: السُّوءُ وَالْفِعْلُ لِلرَّجُلِ الشِّرِّيرِ، وَالْمَصْدَرُ الشَّرَارَةُ، والفعل شَرَّ يَشُرُّ [يَشِرُّ]. وَقَوْمٌ أَشْرَارٌ: ضِدُّ الأَخيار. ابْنُ سِيدَهْ: الشَّرُّ ضِدُّ الْخَيْرِ، وَجَمْعُهُ شُرُورٌ، وال … (لسان العرب)
- بنبذ: نبذ: النَّبْذُ: طَرْحُكَ الشَّيْءَ مِنْ يَدِكَ أَمامك أَو وَرَاءَكَ. نَبَذْتُ الشَّيْءَ أَنْبِذُه نَبْذاً إِذا أَلقيته مِنْ يَدِكَ، ونَبَّذته، شُدِّدَ لِلْكَثْرَةِ. وَنَبَذْتُ الشَّيْءَ أَيضاً إِذا رَمَيْتَهُ وأَبعدته؛ و … (لسان العرب)
- تقادم: تقدم: تَقْدَم: اسْمٌ كَأَنَّهُ يُعنى به القَدَم. (لسان العرب)
- تمكن: مكن: المَكْنُ والمَكِنُ: بيضُ الضَّبَّةِ والجَرَادة وَنَحْوِهِمَا؛ قَالَ أَبو الهِنْديّ، وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ عَبْدِ القُدُّوسِ: ومَكْنُ الضِّبابِ طَعامُ العُرَيب، ... وَلَا تشْتَهِيه نفُوسُ العَجَمْ وَاحِدَ … (لسان العرب)