رَجِعتُ إِلَيكِ اليَومَ مِن بَعدَ غُربَتي
الشاعر: الهمشري · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر الهمشري، من العصر الحديث، وتقع في 40 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
رَجِعتُ إِلَيكِ اليَومَ مِن بَعدَ غُربَتي ... وَفي النَفسِ آلامٌ تَفيضُ ثَوائِرُ
رَجِعتُ وَعَقلي تائِهُ الفِكرِ شارِدٌ ... وَأُبتُ وَقَلبي واهِنُ الخَفقِ خائِرُ
فَيا أَرضَ أَحلامي أَأَلقى طُفولَتي ... وَيُسعِدُني يَومٌ مِنَ العُمرِ آخَرُ
تَعَسَّفتُ فيكِ اللَيلَ وَالريحُ صَرصَرٌ ... وَخُضتُ إِلَيكِ المَوجَ وَالنَهرُ ثائِرُ
أَتَيتُ لِأَلقى في ظِلالِكِ راحَةً ... فَيَهدَأَ قَلبي وَهوَ لَهفانُ حائِرُ
أَموتُ قَريرَ العَينِ فيكِ مُنعِماً ... يُخَدِّرُني نَفحٌ مِنَ المُرجِ عاطِرُ
وَيَلحَفُني هذا البَنَفسَجُ وَلتَكُن ... مَسارِحُ عَينَيَّ الرُبا وَالمَحاضِرُ
وَآخِرَ ما أُصغي إِلَيهِ مِنَ الصَدى ... خَريرُكِ يَفنى وَهوَ في المَوتِ سائِرُ
وَلكِن بِلا جَدوى أَتَيتُ فَلَم أَجِد ... سِوى قَفرَةٍ أَشباحُها تَتَكاثَرُ
وَقَد نَصَبَت أَيدي الشِتاءَ سِياجَها ... عَلَيها وَأَسوارُ الظَلامِ تُحاصِرُ
وَقَد خَيَّمَ الصَمتُ الهَتوفُ مَعَ البِلى ... عَلَيكِ وَأَرواحُ الدُجى تَتَنافَرُ
وَقَد هاجَمَ الغابُ الكَثيفُ غِياضَها ... لِيَغزوها وَالمَوجُ يَزبِدُ هادِرُ
وَهَبَّ نَسيمٌ بارِدٌ مِن كُهوفِها ... تُجاوِبُهُ في الريحِ هَذي المَغاوِرُ
وَقَد رَفرَفَ الخُفاشُ فيها وَحَوَّمَت ... عَلى الشَطِّ غِربانُ الفَناءِ الكَواسِرُ
وَداوِيَّةٌ لِلبومِ مِن فَوقِ سَرحَةٍ ... قَضى فَوقَها مِن قارِسِ البَردِ طائِرُ
تُرتِلُ لَحنَ المَوتِ في مَعبَدِ الدُجى ... وَتَروي أَساطيراً رَوَتها الدَياجِرُ
كَأَنَّكَ في سِفرِ اللَيالي مَلاحِمٌ ... يُرَتِّلُها في جانِبِ المَوتِ شاعِرُ
لَقَد حَكَمَ المَوتُ المُشَتِّتُ حُكمَهُ ... عَلَينا وَأَحداثُ اللَيالي الجَوائِرُ
فَيا كَوكَباً فَوقَ العَواصِفِ ساهِماً ... يُتابِعُهُ طَيفُ الدُجى وَهوَ غائِرُ
وَيا شُعلَةَ النوتي تَخفِقُ في الدُجى ... وَقَد هاجَمَتها الريحُ وَالنوءُ صافِرُ
وَيا زَهرَةً في شاطيءِ الحُزنِ أَينَعَت ... وَقَد أَتحَفَت مِنها الخَريفَ بَواكِرُ
نَمَت وَحدَها لَم تَلقَ غَيرَ ظِلالَها ... أَليفاً تُشاكيهِ الأَسى وَتُساوِرُ
أَلا فَاِستَريحي الآنَ حَسبُكِ وَاِهدَئي ... فَإِنَّ تَحَمُّلي ما تَستَبيحُ المَقادِرُ
رَكِبتِ مَعَ الآمالِ كُلَّ مَهوبَةٍ ... وَعُدتِ كَما عادَ الطَريدُ المُهاجِرُ
رَأى خَلفَ أَسوارِ المَدينَةِ دَوحَةً ... حَنَت فَوقَهُ بِالظِلِّ وَاليَومُ ناجِرُ
لَقَد فَرَغَت في عالَمِ الحُزنِ جَولَتي ... وَما فَرَغَت مِنّي اللَيالي الدَوائِرُ
فَيا أُفقَ الدُنيا وَيا فَجرَ لَيلِها ... وَمَن خَفَقَت فيهِ المُنى وَالخَواطِرُ
وَمِن تَسبَّحِ الأَحلامُ في مَلَكوتِهِ ... حَيارى وَتَفنى في هَواهُ المَشاعِرُ
أَيا شَفَقاً في عالَمٍ جَوُّ أَرضِهِ ... خَيالٌ عَلى الوادي المَهومِ ساهِرُ
تَحِفُّ بِها في الصَمتِ أَشجارُ جَنَّةٍ ... يُفاوِحُني مِنها عَلى الوَهمِ عاطِرُ
وَأَسمَعُ موسيقى بِها ذَهَبِيَّةٍ ... تَفيضُ بِها فَوقَ المُروجِ قَياثِرُ
وَأَترُكُ عَيني في الخَيالِ تَشُقُّهُ ... فَأَلمَحُ أَشباحاً هُناكَ تُسامِرُ
لَقَد هَدَأَت ريحُ الكُهوفِ وَنَفَضَت ... عَلى الأُفقِ مِن حُلمِ المُروجِ بَشائِرُ
وَقَد خَفَقَت بَينَ العَرائِسِ نَسمَةٌ ... يُعابِثُها في غَفوَةِ الفَجرِ ثامِرُ
بَدا الصُبحُ فَوقَ المَرجِ أَصفَرُ ناصِلاً ... فَلاحَظَهُ زَهرُ الرُبا وَهوَ حائِرُ
وَما نَفَحَت فَوقَ الرَباوَةِ زَهرَةٌ ... وَلا دَفَّ في هَذي الخَمائِلِ طائِرُ
وَقَد نَتَفَ الشَحرورُ في الرَوضِ ريشَهُ ... وَحَلَّت مِنَ الصَفصافِ فيهِ ضَفائِرُ
وَقَد خَيَّمَت فَوقَ العَرائِشِ وَحشَةٌ ... وَصَمتٌ عَلى أَوراقِها الصُفرِ ناشِرُ
لَقَد خَفَّ نَسمُ الصُبحِ يَهمِسُ ناعِياً ... إِلى السَهلِ أَن قَد فارَقَ الكَونَ شاعِرُ
لِذا نَقَسَ النَحلُ الزُهورَ فَجَلجَلَت ... وَنابَت عَنِ الأَجراسِ هَذي الأَزاهِرُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- البنفسج: فسج: الفاسِجُ مِنَ الإِبل: اللَّاقِحُ، وَقِيلَ: اللاقحُ مَعَ سِمَنٍ، وَقِيلَ: هِيَ الحائِل السَّمِينَةُ، وَالْجَمْعُ فَواسِجُ وفُسَّجٌ؛ قَالَ: والبَكَراتِ الفُسَّجَ العَطامِسا والفاسِجَةُ مِنَ الإِبل: الَّتِي ضَرَبَها ال … (لسان العرب)
- الخفق: خفق: الخَفْقُ: اضْطِراب الشَّيْءِ العَرِيض. يُقَالُ: راياتُهم تَخْفِق وتَخْتَفِقُ، وَتُسَمَّى الأَعلامُ الخَوافِقَ والخافِقاتِ. ابْنُ سِيدَهْ: خَفَقَ الفؤَاد والبرْق والسيفُ والرايةُ وَالرِّيحُ وَنَحْوُهَا يَخْفِقُ ويَخْ … (لسان العرب)
- المرج: مرج: المَرْجُ: الْفَضَاءُ، وَقِيلَ: المَرْجُ أَرضٌ ذاتُ كَلإٍ تَرْعَى فِيهَا الدوابُّ؛ وَفِي التَّهْذِيبِ: أَرضٌ واسعةٌ فِيهَا نَبْتٌ كَثِيرٌ تَمْرُجُ فِيهَا الدوابُّ، وَالْجَمْعُ مُروجٌ؛ قَالَ الشَّاعِرُ: رَعَى بِهَا مَ … (لسان العرب)
- تائه: تأي: ابْنُ الأَعرابي: تَأَى، بِوَزْنِ تَعَى إِذَا سَبَقَ، يَتْأَى. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: هُوَ بِمَنْزِلَةٍ شَأَى يَشْأَى إِذَا سَبق، وَاللَّهُ أَعلم. (لسان العرب)
- تعسفت: عسف: العَسْفُ: السَّير بِغَيْرِ هِدَايَةٍ والأَخْذُ عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ، وَكَذَلِكَ التَّعَسُّفُ والاعْتِسافُ، والعَسْف: رُكوب المَفازَةِ وقطْعُها بِغَيْرِ قَصْد وَلَا هِداية وَلَا تَوَخِّي صَوْب وَلَا طَريق مَسْلوك. … (لسان العرب)
- خائر: خير: الخَيْرُ: ضِدُّ الشَّرِّ، وَجَمْعُهُ خُيور؛ قَالَ النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ: ولاقَيْتُ الخُيُورَ، وأَخْطَأَتْني ... خُطوبٌ جَمَّةٌ، وعَلَوْتُ قِرْني تَقُولُ مِنْهُ: خِرْتَ يَا رَجُلُ، فأَنتَ خائِرٌ، وخارَ اللهُ لَكَ؛ … (لسان العرب)
- شارد: شرد: شَرَدَ البعيرُ وَالدَّابَّةُ يَشْرُدُ شَرْداً وشِراداً وشُروداً: نَفَرَ، فَهُوَ شارِدٌ، وَالْجَمْعُ شَرَدٌ. وشَرُودٌ فِي الْمُذَكَّرِ والمؤَنث، والجمع شُرُودٌ؛ قَالَ: وَلَا أُطيق البَكَراتِ الشَّرَدا قَالَ ابْنُ سِي … (لسان العرب)