سارَ هَطُورُ حَثِيثاً وَأَتى
الشاعر: سليمان البستاني · البحر: الرمل
هذه القصيدة من شعر سليمان البستاني، من العصر الحديث، وتقع في 178 بيتًا. نُظمت على بحر الرمل، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
سارَ هَطُورُ حَثِيثاً وَأَتى ... بابَ إِسكِيَّةَ والزَّانُ ظَلِيل
فَــــتَلَقَّتهُ نِساءٌ وَبَنَات ... مِنهُ عِلماً تَتَقَصَّى سائلات
عَن بَنِيهِنَّ وَإِخوَانٍ ثِقات ... وَبُـــــعُـــــولٍ وَأَخِـــــلاَّ فَـــــأَمَــــر
أَن يُبادِرنَ عَلى ذاكَ الأَثَر ... وَيُصَلِّينَ لأَربابِ البَشَر
عَلَّها تَدفَعُ عَنهُنَّ الأَذى ... وَلِزاهي قَصرِ فِريامَ مَضى
هُوَ صَرحٌ شِيدَ بالنَّحتِ الجَمِيل ... فَوقَ أَبوَابِ رِوَاقٍ مُستَطِيل
ضِمنَهُ صَفٌ بَدِيعُ المَنظَر ... غُرَفٌ قَد بُنِيَت بالمَرمَرِ
كُلُّها خَمسُونَ مُلسُ الحَجَرِ ... لِبَني فِريامَ شيدَت مَضجَعا
وَثَوَت أَزواجُهُم فيها معا ... وَيُــــحــــاذِيــــهِنَّ صَفٌّ رُفِعا
فِيهِ بالإِيناسِ والرَّغدِ ثَوَى ... مَعَ كُلِّ ابنَةٍ الصهِّرُ الحَلِيل
لِبَناتِ المَلكِ شِيدَ اثنا عَشَر ... مَنزِلاً طُرًّا بِمَصقُولِ الحَجَر
بِــــسُــــقُوفٍ شائقاتٍ لِلنَّظر ... ثَمَّ هَكطُورُ إِلى الدَّارِ ارتَقى
حَيثُ بالأُمِّ عَلى الفَورِ التَقى ... عَجَلاً تَمضِي إِلى لاَوُوذِقا
أَجمَلِ الغاداتِ في ذَاكَ الفَنا ... فَعَلَيهِ أَقبَلَت تَوًّا تَمِيل
أَمسَكَتهُ بِيَدٍ وَهيَ تَقُول ... وَعــــلامَ الآن غَادَرت السُّهُول
وَإِلَينا عُدتَ تَبدُو بِقُفُول ... آهِ ما أَدهى الأَغارِيقَ الأُولى
دَهَمُونا بِمَعَدَّاتش البِلى ... إِنَّما أَعلَمُ تَبغِي عَجَلا
تَرتَقِي مِن قُمَّةـ البُرج الذُّرى ... حَيثُ تَدعُو زَفسَ لِلخَطبِ الجَلِيل
فَاستَرِح حِيناً وَبالرَّاحِ اعُود ... لِتُزَكِّيها لأَربابِ الخُلُود
ثُمَّ تُسقى فَهيَ رَيحانُ الكُبُود ... تُنهِضُ العَزمَ وَتَفني التَّعَبا
بِــــقُوَاكَ العَيُّ أَدرِي ذَهَبا ... بِذِيَادٍ عَن رِفاقٍ نُجَبا
قالَ يا أُمَّاهُ تَنحَطُّ القُوَى ... بارتِشَافي الآنَ شَهدَ السَّلسَبِيل
وَكَذَاكَ النَّذرُ حَتما حُرِّما ... بِيَدٍ دَنَّسَها سَفكُ الدِّما
أَيُجِيزُ النَّذرَ لي زَفسُ كَما ... أَنا مَخضُوبٌ وَغَشَّاني الغُبَار
فَبِدَارِ الآنَ في الحالِ بِدار ... وَاقصُدِي هَيكَلَ فالاسَ المَزَار
فِهيَ المَلجا لَها النَّصرُ انتَمى ... وَاصحَبي الغادَاتِ والطِّيبَ الثَّقِيل
واحمِلِي أَغلَى وَأَعلَى بُرقُعِ ... لَكِ في القَصرِ العَظِيمِ الأَرفَعِ
وَعلى رُكبَتِها فِيهِ ضَعِي ... وَانذُرِي أَن تَرجِعي مُبتدَرَِه
بالضَّحايا الغُرِّ ثِنتَي عَشَرَه ... مــــن تِــــبــــاعٍ بُــــكَّرٍ مُدَّخَرَه
إِن تَشَأ أن تَدرأَ اليومَ الأَذَى ... وعِثارَ الوُلدِ والأَهلِ تُقِيل
وَرَأت تَدفَعُ عن قُدسِ البِلاد ... فَرعَ تِيذِيُّوسَ رَوَّاعَ العِباد
بَطَلَ الهَولِ وهَدَّامَ العِما ... فَاذهَبِي أَنتِ وَلُوذِي بالنُّقَى
وَأَنــــا فارِيسَ أَدعُو لِلِّقا ... عَلَّهُ يَسمَعُ نُصحاً صَدَقا
آهِ لَو تَـــــــدفَـــــــعُهُ الأَرضُ إِلى ... جَوفِها أَشفِي مِنَ النَّفسِ الغَلِيل
آفَــــــةً أَوجَــــــدَهُ زَفـــــسُ لَنـــــا ... عِلَّةً حَتَّى يَزِيدَ الشجَّنَا
أَنا إِن يَهلِك يَزُل عَنِّيـ العَنا ... لبَّتِ السُّؤالَ وَصاحَت بالجَوار
لِيُنادِينَ نَبيلاتِ الدِّيار ... وَأَتَت غُرفَتَها حَيثُ استَطار
عابِقُ الطِّيبُ وَمنشُورُ الشَّذَى ... فَوقَ أُزرٍ زَانَها الوَشيُ الجَمِيل
نَسَجَتها غِيدُ صَيدا نُقُبا ... وَالفَتى فارِيسُ مِنها جَلَبا
فانتَقَت مِقنَعَةً قد وُضِعَت ... فَوقَها مِثلَ الدَّرَارِي سَطَعَت
وَفَـــــرَت أَلوَانُهـــــا وَاتَّســــَعَــــت ... وَمَضَت إِيقَابُ في جُلِّ النسا
تقصُدُ المَعبَدَ في البُرجِ الأَثيل ... وَثِيَانُو بِنتُ كِيسيِسَ الصِفَّي
زَوجُ أَنطِينُورٍ الفارِسِ في ... عَجَلٍ قامَت إِلى البابِ الحَقِي
فَــــتَــــحَــــتهُ إِذ لِتِلكَ الرَّبَّةِ ... جُعِلَت كاهِنَةً عَن ثِقَةٍ
فَــــرَفَــــعــــنَ اليَدَ بالوَلوَلَةِ ... نَحوَ فالاسَ وَسَلَّمنَ الرِّداَ
لِثيَانُو رَبَّةِ الخَدِّ الأَسِيل ... فَلَها أَلقَت بِهِ فَوقَ الرُّكَب
وَدَعَــــــت طـــــالِبَـــــةً دَرءَ النُّوَب ... يا ذِمارَ الدَّارِ ياكُلَّ الأَرَب
إسحَقِي رُمحَ ذِيُوميذَ الأَلَد ... وَاصرَعِيهِ عِند أَبوَابِ البلد
فَنُضَحِّيــ لَكِ إِن تَحمِي الوَلَد ... ونِسانا مِن تِباعٍ تُنتَقى
باثنَتَي عَشرَةَ بالشُّكرِ الجزِيل ... هَكذا كانَ الدُّعا لَكِن أُبي
لِرَجاهُنَّ استِماعُ الطَّلَبِ ... إِنَّما هَكطُورُ لَم يَنقَلِبِ
بَل سَعى يَجرِي إِلى الإسكندَرِ ... حَيثُ وافاهُ بِقَصرٍ أَزهَرِ
شادَهُ قُربَ المَقامِ الأَكبَرِ ... حَيثُ فِريامُ وَهَكطُورُ ثَوى
في أَعالي قُمَّةِ البُرجِ الطَّوِيل ... شادَهُ أَمهَرُ أَربابِ الحِرَف
بِــــــرِوَاقٍ عَــــــرَصــــــاتٍ وَغُــــــرَف ... فَإِلَيهِ فِيهِ هَكطُورُ ازدَلَف
بقَنَاةٍ حَدُّها الفارِي انتَشَر ... بَلَغَت طُولاُ ذِراعاً وَعَشَر
وَعَلَيها فَتخَةُ التِّبرِ الأَغضر ... فَــــلَدَيــــهِ ثَمَّ فارِيسُ بَدا
يَصقُلُ الشِّكَّةَ والدِّرعَ الصَّقِيل ... عِندَهُ هِيلانَةٌ بَينَ الإِماء
تُنفِذُ الأَمرَ بِحِذقٍ وَاعتناء ... قالَ هَكطُورُ أَيا أُسَّ البَلاء
بِئسَ ما أَفرَغتَ مِن هَذا الغَضَب ... وَالأعادِي بَلَغَت مِنَّاــ الأَرَب
ثارَت الحَربُ وَأَولَتَنا الحَرَب ... أَنتَ لَو خِلتَ عَنها التَوى
سُمتَهُ التَّعنِيفَ بالسَّيفِ السَّلِيل ... كٌرَّ أَو لا فَأَعادِينا الثِّقَال
تُضرِمُ الحُبصنَ وتَجتَاحُ الرِّجال ... بِمَلامِي قَد قَد أَصَبتَ الغَرَضا
فَاتَّخِذ قَولِيَ صِدقاً فُرِضا ... أَنا لَم أَحنَق بَلِ اختَرتُ الرّضا
إِن أَكُن غادَرتُ كَرَّاتِ الوَغى ... فَلِكَي أَصلَى لَظَى قَلبي العَلِيل
زَوجِيَ الآنَ أَلاَنَت لِي المَقَال ... تَبتَغي عَودِي إِلى دَارِ النِّزَال
صَدَقَت ظَنِّيَ وَالحَربُ سِجَال ... فَانتَظِرني الآنَ أشَكُك في السِّلاح
أَو تَقَدَّمنِي إِذا شِئتَ الرًّواح ... فَأُوَافِيكَ سَرِيعاً لِلكِفاح
صامِتاً هَكطُورُ ذَا القَولَ وَعى ... وَنِدا هِيلانَةٍ شَهداً يَسيل
آهِ هَكطُورُ أَخي كُلُّ الشُّرُور ... والرَّزَايا الدُّهمُ مِن أَجلي تَثُور
آهِ لَو كانَت رَحى الرِّيح تَدُور ... يَومَ مِيلادي وَتَيَّارُ الأُوَار
لِلجِبالِ الشُمِّ بي كالطَّيرِ طار ... أورَمى بي فَوقَ أَمواجِ البِحار
قَبلَ أَن أُخذَلَ مِن دُونِ المَلا ... وَأُعاني ثِقلَةَ الخَزيِ الوَبِيل
إِنَّ هــــذَا قَــــدَرُ الأَربَابِ في ... حُكمِها لِكِنَّها لَم تُنِصفِ
كانَ أَولَى أَولَى أَن تُرَاعي شَرَفي ... فَيكونَ الآن لي بعلٌ أَشَد
كــــاشِــــفُ العــــارِ وَدَرَّاءُ الشِّدَد ... إِنَّ فارِيسَ هَوَى النَّفسِ اعتَمَد
سَوفَ يَلقى شَرَّ أَعمالٍ جَنى ... وَأَرى الإِصلاحَ أَمراً مُستَحِيل
فَاسترِح حِيناً فأَنوَاعُ العَنا ... شَمَلَتكَ الآنَ مِن شَرِّي أَنا
وَشَجَا فاريسَ زاَد الشَّجنَا ... هكذا زَفسُ عَلَينا قَدَّرا
لِنَــــظَــــلَّ الدَّهرَ هُزءاً لِلوَرى ... قالَ يا هِيلانَةً لَستُ أَرَى
لي عَنِ الجَريِ إِلَى القَومِ غِنى ... ما لَهُم عَنّي إِذَا غِبتُ بَدِيل
حَرِّضي زَوجَكِ أَن يَلحَقَ بي ... وَأَنا أَمضِي لِقَصرِي الأَرحَبِ
لأَرى فِـــــيـــــهِ أَعَـــــزَّ النَّســـــَبِ ... زَوجَتي حِيناً وَطفلي المُرضَعا
لَستُ أَدرِي هَل قُضِي أَن أَرجعا ... أَو يَدُ الإِغرِيقِ تَفرِي الأَضلُعا
ثُمَّ جَدَّ السَّيرَ لِلقَصرِ على ... عَجَلٍ يَلقاهُمَا قَبل الرَّحِيل
خــــابَ ما أَمَّلَ إِذ لَم يَجِدِ ... زَوجَهُ الحَسناءَ بَيضَاءَ اليَدِ
فَهـــــيَ مَـــــع جــــارِيــــةٍ وَالوَلَدِ ... ذَهَبَت تَرقُبُ بالبُرجِ الأَثَر
تُصعِدُ الأَنفَاسَ عَن هامي العِبَر ... داسَ بالأَعتابِ وَاقتَصَّ الخَبَر
أَينَ يا هَذي النِّسا قُلنَ لَنا ... أَنذَرُوماخُ مَضَت أَيِّ قَبِيل
هَل إِلى بَعضِ بُيُوتِ الأَخَوَات ... أَو نِساءِ الإِخوَةِ المُستَعصِمات
أو إِلى الهَيكَلِ تُلقِي الدَّعَوات ... مَع بَناتِ الحَيِّ تَبغِي المَدَدا
حَيثُ يَستَمدِدِنَ بالدَّمعَ اليَدا ... مِن أَثِينا خَوفَ كَرَّاتِ العِدى
قُلنَ لَم تَذهَب إِلى الأَهلِ وَلا ... ذَهًبَت قَلبَ أَثِينا تَستَمِيل
قَد بَغَيتَ الحَقَّ والحَقُّ يُقال ... فهيَ في السُّورِ بِبِلبالٍ وبَال
عَلِمَت في قَومِنا حَلَّ الوَبَال ... فَرَأَيناها جَرَت نَحوَ الحُصُون
جَريَ مَن دَاهَمَهُ مَسُّ الجُنُون ... تَصحَبُ المُرضِعَ والطِّفلَ الحَنُون
فانثَنَى هَكطُورُ مِن حَيثُ مَضى ... وَعَلى الفَورِ جَرى والصَّبرُ عِيل
بَينَ أَسوَاقٍ بِمَرصُوفٍ البٍنا ... أَســــرَعَ السَّيــــرَ وَلِلبابِ دَنا
فَهُــــنَا زَوجَتُهُ ذَاتُ الغِنا ... بِنتُ إِيتِيُّونٍ الشَّهمِ الأَبَر
مَن بِإِيفُفلاقِيا ذاتِ الشَّجَر ... قَبلُ في ثِيبا تَعَلَّى واستَقَر
وَالكِلٍِيكِيِّينَ بالعَدلِ رَعَى ... أَقَبَلَت تَصرُخُ بالقَلبِ الذَّلِيل
مَعَها المُرضِعُ والطِّفلُ الرَّضِيع ... ساطِعاً بالحُسنِ كالنَّجمِ البَدِيع
أَستِيا ناساً يُسَمِّيهِ الجَمِيع ... إِذ أَبُوهُ ذَاد عَنهُم أَجمعا
إِنَّما هَكطُورُ وَالبِرَّ رَعى ... إِسكَمَندَريُوساً الطِّفلَ دَعا
فَإِلَيهِ باسِماً سِرًّا رَنا ... وَانبَرَت زَوجَتُهُ الدَّمعَ تَهِيل
يا شَقِيَّ البَختِ ذا البَأسُ الوَخِيم ... سَوفَ يُلقِيكَ بِلُجَّاتِ الجَحِيم
وَليَ الإِرمالُ والطِّفلُ يَتِيم ... سَوفَ تَلقَاكَ جَمَاهِيرُ عِداك
وتُلَقِّيكَ مَضَاضاتِ الهَلاَك ... فَلِمَن أَبقَى إِذا مُتَّ سِوَاك
آهِ لَو أُلقَــــى إِلى جَــــوفِ الثَّرى ... قَبلَ أَن تُلقَى على الأَرضِ قَتِيل
إِن تَمُوتَنَّ الأَسَى يَخلُدُ لي ... وَعنَا النَّفسِ وَدَمعُ المُقَلِ
لا أبٌ أَســــــــــــــلُوبِهِ لا أُمَّ لي ... فَأَنِي آخِيلُ ذُو البَطشِ قَتَل
عِندَما ثِيبا الكِلِيكيِّينَ حَل ... إِنَّما الأَربابُ أَولَتهُ الوَجَل
فَــــارعَوى مُنقَلِباً نَوى ... وَلِحُرِّ السَّلبِ لَم يَبغِ سَبِيل
أَحرَقَ الجُثَّةَ في شِكَّتِها ... ثُــــمَّ واراها إِلى تُربِتَها
في ضرِيحٍ شادَ في جِيرتِها ... حَولَهُ غِيدُ الجِبالِ الشَّامِخات
نَسلُ رَبِّ التُّرسِ سَحَّاقِ الرُّفَات ... قَد غَرَسنَ الدُّلبَ حُبًّاـ بِالمُمَات
إِخوَتي سبعةُ أَبطَالٍ كَذَا ... دَفعَةً بادُوا وما لي مِن خَلِيل
ذَلِكَ القَرمُ دَهاهُم في الحُقُول ... بَينَ أَسرَابِ شِياهٍ وَعُجُول
وَانثَنَى مِن بَعدِ ذَا الخَطبِ يَصُول ... وَلأُمِّيــ الأَمرُ بالحُكمِ خَلا
فَتَقَفَّاها لِتَعمِيمِ البَلا ... ساقَها لِلأسرِ في ما أَرسَلا
أُجــــزِلَت فِــــديَتُها لَكِنَّما ... أَرطَمِيسُ اتَّبَعَت شَرَّ أَخِيل
رَشَقَتها بِسِهامِ الغَضَبِ ... أَنــــتَ أُمِّيـــ وأَخي أَنتَ أَبي
أَنتَ بَعلي أَنتَ كُلُّ الأَرَبِ ... أَنتَ كُلُّ الأَهلِ لي إِذ أَنتَ حَي
آهِ فارحَم وَانعَطِف رِفقاً عَلَي ... آهِ فارفُق بي وَبالطِّفلِ لَدَى
أَنا لا أَطمَعُ أَن تَأَبَى الوَحى ... وَعَنِ الهَيجاءِ جُبناً تَستَقِيل
إِنَّما أَرغَبُ أَن تَحمِي الذِّمَار ... وَتَقي نَفسَكَ مِن شَرِّ البَوَار
فَهُنَا السُّورُ تَدَاعَى لِلدَّمار ... فَبَغاهُ كُلُّ ذِي عَزمٍ وَبَاس
كَذِيُومِيذٍ وأَترِيذٍ أَيَاس ... وَثَلاثاً كادَ يَندَكُّ الأَساس
لَستُ أَدرِي هَل أَتَوهُ عَن هَوى ... أَولَهُم قد كانَ في الوَحيِ دَلِيل
قُربَتِينِ البَرِّ فَوقَ البُرجِ قَر ... وَتَحَفَّظــ فِيهِ مِن شَرِّ أَمَر
فَلَكَ النَّجوُ وَلِلجَيشِ الظَّفَر ... وَليَ السَّلــــوَى وَللطِّفلِ الرَّجا
قالَ ما يُشجِيك يُولِيني الشَّجا ... ِإنَّما المَوقِفُ أَضحى حَرِجا
نَزَلَ الرَّوعُ وَبببِي العَزمُ أَبى ... أَن يَكُونَ الرَّوعُ في القَلبِ نَزِيل
بَينَ أَقوامِي وَرَبَّاتِ السُّدُول ... لَستُ أَرضَى العارَ إِن تَعلُ النُّصُول
أَو عَنِ الهَيجاءِ يَثنِينِي الخُمُول ... وَأَنا دَوماً بِصَدرِ الفَيلَقِ
شَأنَ فِرِيامٍ وَشَأني أَتَّقِي ... وَأَقي قَومي بِحَدِّ المحقَقِ
آهِ لَكِـــــن فُـــــؤَادِي وَالحَــــجــــى ... يُنبِئاني أَنَّ صَمصَامي كَلِيل
سَوف تَندَكُّ بإِليُونَ القِلاَع ... وَتُوَافينا المُلِمَّاتُ الفِظاع
كُلُّ هَذَا مِنهُ قَلبي لا يُراع ... لا إِذا أُمِّيــــَ في التُّربِ ثَوَت
أَو أَبي مِن دَمِهِ السُّمرُ ارتَوَت ... أَو رَميمَ الإِخوَةِ الأَرضُ احتَوَت
لا إِذا الطُّروَادُ بــــــادُوا وَإِذَا ... خَرَقَ الزَّرقاءَ لِلجَوِّ العَوِيل
بَيَدَ أَنَّ الخَطبَ كُلَّ الخَطبِ آه ... أَن تَكُوني في سَبِيَّاتِ العُدَاه
تَذرِفينَ الدَّمعَ عَن مُرِّ الحَيَاه ... تَستَقينَ الماءَ كالعَبدِ الأَسِير
مِن مسِيسٍ أَو ينابيعِ هِفِير ... تَنسُجِينَ القُطنَ وَالقَلبُ كَسِير
كُــــلُّ بُــــؤسٍ كُــــلُّ رُزءٍ وَعَــــنــــا ... كُلُّه إن حَلَّ ذا الرُّزءُ قَلِيل
كُلُّهُ لا شَىءَ إِن صَحَّ الصَّحِيح ... وَلَدِيهِم كُنتش وَالدَّمعُ يَسيح
وَالَّذِي إِن صَـــــــحَّ الصَّحـــــــِيــــــح ... وَلَدَيهِم كُنتِ وَالدَّمعُ يَسِيح
وَالَّذِي يَلقاكِ بِي هُزءاً يَصيح ... تِلكُمُ زَوجَةُ هَكطُورَ الشَّدِيد
خَيرِ ما في القَومِ مِن قَرمٍ عَنِيد ... كَم لَهُ قَرعٌ بِدُرَّاعِ الحَدِيد
تَلَّ صَدر الجَيشِ تَلاَّ وَهُنَا ... سُبِيَت زَوجَتُهُ وَهوَ تَلِيل
فَتَصِيحِينَ وَتَصلَينَ السَّعِير ... تَستَجِيرِينَ وَلِكِن مَن يُجِير
إن يَكُن هَكطُورُ في التُّربِ قَرِير ... فَــــلَكِ الرِّقُّ وَأَنــــوَاعُ العَــــذَاب
يا لُحُودَ الأَرضِ وارِيني التُّراب ... قَبلَ أَن يَدهَمَني هَذا المُصاب
وَأَنِلنِي أَيُّها الخَطبُ البَلا ... قَبلَما زَوجِنيَ لِلسَّبيِ تُنِيل
ثُمَّ مَدَّ اليَدَ لِلطِّفلِ فَصَد ... جازِعاً لَمَّاــ رَأى تلكَ العُدَد
مِــــن نَــــوَاصٍ ســــابِحاتِ وَزَرَد ... وَبصَدرِ المُرضِعِ الطِّقلُ ارتَمى
فَــــلَدَيــــهِ أَبَــــواهُ بَــــسَــــمــــا ... وَبِرفقٍ عَنهُ هكطُورُ رَمَى
ذلِكَ المِغفَرَ والطِّفلَ بَدَا ... بيَدَيهِ بَينَ تَقبِيلٍ يُجِيل
وَدَعا يَسأَلُ أَسيَادَ الأَنام ... أَنت يا زَفسُ وَأَرباباً عِظام
عَونَكُم أسأَلُهُ في ذا الغُلام ... فَليَكُن مِثليَ هَصَّارَ الأُسُود
وَهوَ في إِليُونَ بالبأسِ يَسُود ... وَإِذَا مِن مَوقِفِ الحَربِ يَعُود
فَليُقل فَوقَ أَبِيهِ قد سَما ... سَلَّ سَيفَ الفَوزِ يا نِعمَ السَّلِيل
وَليُجَندِل كُلَّ جَبَّارٍ أَبِي ... فائزاً مِنهُ بِحُرِّ السَّلَبِ
تَــــتَــــلَقَّاهُ بِبادي الطَرَبِ ... أُمُّهـــــُ جـــــاذِلةً مِــــمَّاــــ تَــــرى
ثُمَّ أَلقَاه لَها مُستَبشِرا ... وَهــــيَ ضَــــمَّتــــهُ لِصــــدرٍ عُــــطِّرا
بَسَمَت باكِيَةً وَهوَ رَنا ... مُشفِقاً يَنظُرُ لِلطَّرفِ البَلِيل
ثُمَّ نادَاها وَقَد رامَ العَجَل ... لا يَشُقَّ الأَمرُ لا يَعنُ الوَجَل
لَيسَ مَوَتٌ قَبلَ إِدرَاكِ الأَجَل ... كُلُّ صِندِيدٍ وَرِعدِيدٍ جَبَان
مُذ تَبَدَّى بِوُجُودِ لِلعِيان ... لَيسَ يَنجُو مِن تَقَادِيرِ الزَّمان
ولِكلٍّ عَمَلٌ فامضِي كَفى ... وَاطلُبِي أَعمالَ رَبَّاتِ السَّدِيل
فَلَكِ النَّسجُ وَقَتلُ المِغزَلِ ... وَلَنــــا إعمالُ سُمر الذُّبَّلِ
وَأَنا الإِيقاعُ بالأَبطالِ لِي ... لَبِسَ المِغفَرَ حالاً وَوَثَب
وَمضَت تُلفِتُ مِن حَيثُ ذَهب ... تذرِفُ العَبرَةَ وَالقَلبُ التَهَب
دَخَلَت لِلصَّرحِ يُولِيها الشَّجا ... زَفَراتٍ اَشجَنَت كُلَّ الدَّخِيل
فَعَلا بَينَ جَوَارِيها النَّحِيب ... حِينَ أَبصَرَنَ بها ذَاكَ اللهيب
عَمَّتِ الأحزَانُ في القَصرِ الرَّحِيب ... هُــــوَ حَــــيٌّ وَتَــــعمَّدنَ الحِداد
إِذ تَوَقَّعنَ لَهُ وَقعَ الصِّعاد ... لَم يُؤَمِلنَ لَهُ حُسنَ المَعاد
لَم يَقُل بَعدُ أَبادَتهُ العِدى ... إِنَّما نُحنَ كَما لَو كانَ قِيل
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرمل. بحر رقيق حزين النَّفَس، يناسب الرثاء والشكوى ومواضع الرقّة.
تفعيلاته: فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- المنظر: نظر: النَّظَر: حِسُّ الْعَيْنِ، نَظَره يَنْظُره نَظَراً ومَنْظَراً ومَنْظَرة ونَظَر إِليه. والمَنْظَر: مَصْدَرُ نَظَر. اللَّيْثُ: الْعَرَبُ تَقُولُ نَظَرَ يَنْظُر نَظَراً، قَالَ: وَيَجُوزُ تَخْفِيفُ الْمَصْدَرِ تَحْمِلُه … (لسان العرب)
- بالنحت: نحت: النَّحْتُ: النَّشْرُ والقَشْر. والنَّحْتُ: نَحْتُ النَّجَّارِ الخَشَبَ. نَحَت الخشبةَ ونحوَها يَنْحِتُها ويَنْحَتُها نَحْتاً، فانْتَحَتَتْ. والنُّحاتة: مَا نُحِتَ مِنَ الخَشَب. ونَحَتَ الجبلَ يَنْحِتُه: قَطَعَه، وَه … (لسان العرب)
- بنيهن: بني: بَنَا فِي الشَّرَفِ يَبْنُو؛ وعلى هذا تُؤُوِّلَ قَوْلُ الْحَطِيئَةِ: أُولَئِكَ قومٌ إنْ بَنَوا أَحْسنُوا البُنا قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: قَالُوا إِنَّهُ جمعُ بُنْوَة أَو بِنْوَة؛ قَالَ الأَصمعي: أَنشدت أَعرابيّاً هَذَا … (لسان العرب)
- تدفع: دفع: الدَّفْع: الإِزالة بِقُوَّةٍ. دَفَعَه يَدْفَعُه دَفْعاً ودَفاعاً ودافَعَه ودَفَّعَه فانْدَفَع وتَدَفَّع وتَدافَع، وتدافَعُوا الشيءَ: دَفَعَه كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَنْ صَاحِبِهِ، وتدافَع القومُ أَي دفَع بعضُهم بَعْ … (لسان العرب)
- خمسون: خمس: الخمسةُ: مِنْ عَدَدِ الْمُذَكَّرِ، والخَمْسُ: مِنْ عَدَدِ المؤَنث مَعْرُوفَانِ؛ يُقَالُ: خَمْسَةُ رِجَالٍ وَخَمْسُ نِسْوَةٍ، التَّذْكِيرُ بِالْهَاءِ. ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقَالُ صُمْنا خَمْساً مِنَ الشَّهْرِ فَيُغَلّ … (لسان العرب)