أَنــاتــكَ يــا دَهـري رُويـدَ المَـصـائبِ
الشاعر: محمد القاضي · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة حزينة
هذه القصيدة من شعر محمد القاضي، من العصر الحديث، وتقع في 70 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الباء، وغرضها قصيدة حزينة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أَنــاتــكَ يــا دَهـري رُويـدَ المَـصـائبِ — رُوَيــدكَ مــا أَبــقَـيـتَ لي مِـن رَغـائبِ
وَمــا فَــتَــرَت كَــفَّاـكَ عَـنـي وَلا وَنَـت — تُــبَــعــثِـرُ آمـالي وَتَـقَـصـى مَـطـالِبـي
وَمـا خِـفـتَـني يا دَهر بَل زِدتَني أَذىً — وَأَسـرَفَـتَ فـي دَفـعـي وَراءَ المَـصـاعـبِ
كَـــأَنَّكـــَ مِـــنّـــي طـــالبٌ ثَـــأرَ مَــيِّتٍ — تَــردَّى قَــتــيـلاً بـي وَلَسـتَ بِـطـالِبـي
وَيــا دَهـرُ مـا عَـوَّدتُ نَـفـسـي تَـوَجُّعـاً — وَلا أَنـا أَشـكـو مِـن مَـريـرِ النَوائبِ
وَلا جَــزعَــت نَــفــســي لِخَــطــبٍ مُــرَوِعٍ — وَإِن هُــوَ أَعــيــانــي وَأَرهَـقَ جـانِـبـي
وَلا بُـدَّ لي يـا دَهـرُ مِـن بَـثِّ لَوعَـتي — وَلا بُــدَ لي مِـن ثـاقـبِ الرَأيِ صـائبِ
وَحَـــقِّكـــَ مــاذيَّاــكَ ضَــعــفٌ وَلا وَنــى — وَلا هُــوَ شَــكــوى مِــن زَمــانٍ مُـحـاربِ
وَلَكِـــنَّهـــُ قَـــلبٌ تَـــفَـــجَّرَ ســـاخِــطــاً — بِــمــا لَقِــيَــت أَحـشـاؤُهُ مِـن مَـتـاعـبِ
يُـكـادُ يَـذوبُ اليَـومَ مِن فَرطِ ما حَوى — مِــن الأَلَم المُــضــنــي وَلَيـسَ بِـذائبِ
تَــقــولُ كَـربـت اليَـومَ أَتـرك عـادَتـي — لِعَــمــرُكَ لَم تَــكــرب وَلَســتُ بِــكــارِبِ
وَمــا أَنــتَ إِلّا جــائرٌ وَاِبــنُ جــائرٍ — تَــداعَــب لَكِــن فَــوقَ حَــقِّ المُــداعــبِ
لَقـيـتُ مِـن الدُنـيـا وَمَـن ظُلمِ أَهلِها — نَـضـيـضَ الأَفـاعـي فـي سُمومِ العَقاربِ
صَـحـبـتـهـمُ دَهـراً طَـويـلاً فَـمـا جَـنَـت — يَـدايَ فَـتـيـلاً مِـن قِـطـافِ التَـحـابـبِ
أَقــــامَ عَـــلى غَـــدرٍ وَدسَّ أَبـــاعِـــدي — وَقَـــلَّبَ لي ظَهـــرَ المِــجَــنِّ أَقــارِبــي
وَمـا أَنـصَـفـتَـنـي إِخـوتـي في وِدادِهِم — وَلَكــن جَــرُوا رَكــضــاً وَراءَ المَــآربِ
أَخـدتُ مِـنَ الدُنـيـا تَـجـاريـبَ أَهـلِها — فَـمـا نَـفَـعَـت شَـيـئاً وَأَغـنَـت تَـجارِبي
وَيــا وَطَــنـي مـازلتَ لي خَـيـرَ صـاحـبٍ — إِذا خـانَـنَـي خَـيـرُ الصَـديقِ المُصاحبِ
عَــلى تُـربِـكَ الغـالي نَـثَـرتُ قَـلائِدي — وَسَــيَّرتُ أَمــثــالي مَــسـيـرَ الكَـواكـبِ
وَدوَّى قَــصــيــدي فـي رُبـوعِـكَ مُـعـلِنـاً — بِـمـا فـي ضَـمـيـري مِن غَريبِ الغَرائبِ
وَيــا وَطَــنــي عَــقَّتــكَ شِــيـبٌ وَفـتـيـةٌ — تَـداعَـوا كَـثـيراً في مَهاوي المَعاطبِ
أَمـــاتَهُـــمُ حـــبُّ الظُهـــورِ فَــســوَّدوا — صَــحـائِفَ لا يَـرضـى بِهـا نُـصـفُ كـاتـبِ
أَلَمَّ بــهــم ســخــفٌ وَأَودى بِهُــم هَــوى — فَـمـالوا لِمُـنـحَـطِّ المُـنـى وَالرَغـائبِ
وَسَـــيَّرَهـــم فــي دَهــرِهــم كُــلُّ كــاذبٍ — وَمــا غــالبَ الأَيّــامَ مــنــطـقُ كـاذبِ
أَلا فَــليَــســيــروا فــي ضَــلالٍ وَذلةٍ — فَــلَســتُ لإخــوانِ الضــلالِ بِــصــاحــبِ
عَــــليَّ لطــــلاّبِ الظُهــــورِ كَـــتـــائبٌ — تُــبَــدِّدُ مــا قَـد جَـمَّعـوا مِـن كَـتـائبِ
حَــلَفــتُ يَـمـيـنـاً لا أُغـادرُ جَـمـعَهـم — عَــلى غــيــرِ أَشــلاءٍ وَغَــيـرِ مَـقـانـبِ
سَــأُعــمــلُ حَــدَّ السَــيـفِ فـي أَمِّ أرؤُسٍ — خَــرائبَ يــا وَيــحَ الرؤوسِ الخَــرائبِ
لَهُــم مَــن يُــراعــي كَــلَّ سَـيـفٍ مُـجـربٍ — يُـريـهِـم سَـريـعـاً كَـيـفَ فَعَل القَواضبِ
سَــأَســمَــعُ نَــوحَ الثـاكِـلاتِ مُـحـبّـبـاً — وَأَســـمَـــعُ مَـــســـروراً دَويَّ النَــوائبِ
كَـذا عَـوَّدتني النَفسُ أَن أُحطِّم الهَوى — وَأَن أَتــعــالى فَـوقَ أَعـلى المَـراكـبِ
كَــذا خَــلقــتــنــي للحَــوادثِ هِــمَّتــي — وَأوهــبــنــي عَـزمـي لجـوبِ الغَـيـاهـبِ
تَــمَــرَّســتُ بِــالأَيّـامِ حَـتّـى عَـرَكـتُهـا — وَعــدتُ وَمــا أَحــرَزتُ صَــفــقــةَ خــائبِ
وَلا بُـــدَّ مِـــن يَـــومٍ أَغَـــرٍّ مُـــحـــجَّلٍ — تَــضــيـقُ بِهِ العَـليـا عَـلى كُـلِّ راغـبِ
تَــرونَ بِهِ يَــومَ الحِــمــى مَـن بُـزاتُهُ — وَتَــســتَــبـقُ الآسـادُ قَـبـلَ الثَـعـالبِ
يُـحَـصـحِـصُ فـيـهِ الحَـقُّ أَبـيـضَ نـاصِـعـاً — وَتَــنــهَــزمُ الأَوغــادُ مِـن كُـلِّ جـانـبِ
سِـجـالاً تَـدورُ الحَـربُ بَـيـني وَبَينَكُم — وَتُـضـرمُ نـاراً فـي صَـمـيـمِ المَـكـاتـبِ
وَلَســتُ أَخــالُ النَــصـرَ إِلّا مُـحـالفـي — وَهَــل أَنــا إِلَا غــالبٌ وَابــنُ غــالبِ
لَئن فــاتَــنــي حَـظٌّ مِـن الدَهـرِ وَافـرٌ — وَأَخــطَـأنـي صَـوب الغَـوادي السَـواكـبِ
وَمــالَ بِــعِــطــفــيَّ الشَــقــاءُ وَقَـصَّفـَت — زُهــورُ حَـيـاتـي مُـضـنـيـاتِ المَـتـاعـبِ
فَـمـا أَنـا بِـالمفجوعِ في حُسنِ مَنطقي — وفـي أَدَبـي العـالي وَنـبـلِ مَـواهـبـي
وإِن نَــضَـبَـت مِـنِّيـ يَـنـابـيـعُ ثَـروَتـي — فَــلَيـسَ مَـعـيـنُ القَـولِ مـنِّيـ بِـنـاضـبِ
لي الأَطـيـبـانِ اليَـوم علمي وَمَنطِقي — وَذيَّاــنِ مــا أَرجــوهُ قَـبـلَ المَـراتـبِ
إِذا أَنــا لَم أُدرِك بـهـذيـنِ مَـطـلَبـي — فَــلا حَـمَـلتـنـي فـي جِهـادٍ مَـنـاكِـبـي
وَإِن أَنــا أَعــطَــيـتُ الزَمـان مَـنـالَهُ — فَـلا ضَـمَّنـي عَـمـي النَـبـيـل وَلا أَبي
هُـوَ الدَهـرُ يـا نَـفـسـي يُـذِلُّ فـيَنتَشي — سُــروراً بِــأذلالِ الكُـمـاةِ السَـلاهـبِ
يَـــجـــورُ وَلَكِـــن فـــي عــمــاءٍ وَضــلَّةٍ — وَيَــعــدلُ لَكِــن تَـحـتَ سَـيـفِ المُـحـاربِ
فَــمــا بَـخِـلَت كَـفَّاـهُ شُـحّـاً وَلا هَـمَـت — لِجــودٍ وَلا قــامَــت بِــاســداءِ واجــبِ
مُـرِي قَـلبِـيَ الدامـي يَـثِـب مِن ضُلوعِهِ — وَيَــضــرِب عَـلى الأَيّـامِ ضَـربَـةَ غـاضـبِ
يَــشـتِّتـُ شَـمـلَ الدَهـرِ تَـشـتـيـتَ قـادرٍ — وَيَــجــعــلُ مِــن دُنــيـاه لُعـبَـةَ لاعـبِ
وَمـــا هِـــيَ إلّا جَـــولةٌ إِثـــرَ جَــولةٍ — وَضَــربٌ يَــفُــلُّ العَــزمَ مِــن كُـلِّ ضـاربِ
تَــريــنَ فَــتــاكِ الشَهــمَ رُبَّاـنَ قَـومِهِ — إِذا اِفــتـقِـدَ الرُبـانُ مِـن كُـلِّ قـاربِ
يَــصــولُ وَلَكِــنَّ صَــولَهُ بــنــت عَــزمــةٍ — تُـحـشـرِجُ مِـنـهـا الروحُ بَينَ التَرائبِ
وَيـقـدِمُ إِقـدامـاً تَـرى المَـوتَ تَـحـتَهُ — يَــعُــجُّ وَيَــطــوي راكِــبـاً بَـعـد رَاكـبِ
ليَ الحَــقُّ أَن أَســتَــلَّ أَحـشـاءَ سِـفـلةٍ — إِذا نَــبَـحـوا دونـي نُـبـاحَ الأَكـالبِ
وَأَن أَتـــروَّى مِـــن دَمٍ غَــيــر طــاهــرٍ — إِذا اِرتَــفَـعـت يَـومـاً وَقـاحـةُ نـاعـبِ
إِلى مَــذهَــبـي أَدعـوهـمُ أَن يَـشـرِّقـوا — وَيَـعـتَـنِـقـوا طَـوعـاً وَقَـسـراً مَـذاهِبي
فَقَد غَصَّ حَلقي الغَربُ بِالسَخفِ وَالهَوى — وَآلمــتــمــونــي أنــتــمُ بِــالتـكـالبِ
فَــمَــن هُــوَ يُـدنـي للأَعـاربِ مَـجـدَهُـم — إِذا أَنــا لَم أَثـأر لِمَـجـدِ الأَعـاربِ
وَكَــيــفَ يَــســامُ الذُلُّ شَــعـبٌ جَـرَت بِهِ — وَتَــجــري دِمــاءٌ مِــن عَــلي بـن طـالبِ
لَئِن تَــكُـنِ الدُنـيـا أَضـرَّت بِـمُهـجَـتـي — فَـحَـظِّيـ مِـنَ الأُخـرى فَـسـيـح الجَوانبِ
وَأن تَــكُــنِ الأَيّـامُ أَوسَـعَـنَـنِـي قَـلىً — فَــمــا أَنــا للأَيّــامِ سِــبــحـةَ راهـبِ
يُـعـدِّدُ فـيـهـا مـا قَـضـى مِـن طُـقـوسـهِ — وَيَــعــبَــثُ أَنَّى شــاءَ غَــيــرَ مُــحـاسَـبِ
وَلِكِــنَّنــي أَرهَــقــتُهــا فـي مَـطـالِبـي — وَيـا رَب مـا أَحـلى وَأَسـمـى مَـطـالِبـي
وَيـا رَب كـادَ البُـؤسُ يُـثـنـي عَزيمَتي — كَــــأَنَّ عَـــلى البُـــؤسِ ضَـــربـــةَ لازبِ
تَـحـبَّبـنـي فَـقـري فَـلَو مَـرَّ بي الغِنى — لَمـا مَـرَّ إِلّا فـي اِحـتـشـامِ المُجانبِ
وَلَســـتُ أُبـــالي أَن أَروحَ وَأَغـــتَـــدي — وَقَــد صَــغَــرت مِــنــي وأَلوت أطـائبـي
أَلا إِنَّ رايـاتِ العُـلا فـوقَ هـامَـتـي — أَلا إِنَّ صَـوتَ المَـجـد حُـرّاً أَهـابَ بـي
الهــي أَعِــنِّيــ فــي جِهـادي وَطِـلَبـتـي — وَأَمــطِــر رُبــوعـي وابِـلاتِ السَـحـائبِ
وَيــا رَب لَم أَخــضَــع لَحــي وَلَم أَسَــل — سِـــواكَ فَـــمـــا حَـــيٌّ سِــواكَ بِــواهــبِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الباء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- المصاعب: المَصَاعِبُ : [بصيغة الجمع] مفـ المُصْعَبُ، وهو من الإبل الفَحْل يُعفى من الركوب. ـ: الصُّعُوبات والشدائد والمشقّات؛ وجد في طريقه كثيراً من المصاعِبِ.
- بطالبي: الطَالِبُ : فا.-: من يطلبُ العلمَ ويُطلَق على التلميذ في المراحل المتوسّطة والثانوية والعالية؛ يسعى الطلاب لاكتساب العلوم والمعارف/ مكتبةُالطالب/ مجلَّةُ الطالب ج طُلاَّبٌ وطَلَبَةٌ.
- تبعثر: تَبَعْثَرَ يَتَبَعْثَرُ تَبَعْثُراً : تفرّق؛ فإذا عزم على الكتابة وبدأَها تبعثرت أوراقه مثلما تتبعثر الأفكار في رأسه.
- ثاقب: الثَّاقِبُ : فا.- من العقول: الراجح؛ له عقلٌ أو رأيٌ ثاقب.- من الكواكب: المنير فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ.
- جانبي: جأنب: التَّهْذِيبِ فِي الرُّبَاعِيِّ عَنِ اللَّيْثِ: رَجُلٌ جَأْنَبٌ: قصِيرٌ.