لعمري لقد أنكرتَ غيرَ نكيرِ

الشاعر: ابن الرومي · البحر: الطويل

هذه القصيدة من شعر ابن الرومي، من العصر العباسي، وتقع في 63 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الراء.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

لعمري لقد أنكرتَ غيرَ نكيرِ ... عُبُوس الغواني لابتسام قَتيرِ

كذا هنّ لا يوقعنَ وُدّاً على امرئٍ ... أطارت غُراباً عنه كفُّ مُطيرِ

وللشَّيب جَهرٌ والشبيبة طُرّةٌ ... وليس جَهيرٌ في الصِّبا كطَريرِ

عزاؤك عن ظبيٍ طَرير فإنه ... بعينيك إذ شيَّبت غير غرير

رأيت حياةَ المرءِ بعد مشيبه ... إذا زاول الدنيا حياةَ أسير

خليليَّ هل من نُهية الشّيب عائضٌ ... لمعتاضِها من حَبْرةٍ وحَبير

وبنتِ نعيم في ضبابة عنبرٍ ... تفورُ وطوراً في عَجاجِ عَبير

برَهْرهةٍ لم تُغْزَ إلا بناعمٍ ... ولم تُسقَ من ماءٍ بغير نَمير

مضمّخة اللَّباتِ تحسب نحرها ... من المسك والجاديِّ نحر نَحير

محجّبةٌ تحتلّ عليا خَوَرْنقٍ ... تشارف أنهاراً خلال سَدير

سَقَتْني بعينيها وفيها وَدَلِّها ... خُموراً لها ليستْ خمور عَصير

من الظّبياتِ العاطيات لمُجتنِي ... ثــــمــــار قلوبٍ لا لحَبِّ بَذير

تُغيرُ على الجَلْد اللبيبِ فتستبي ... حِجاه ولم تحمل سلاحَ مُغيرِ

بدرٍّ نثيرٍ من حديثٍ تحفُّهُ ... بآخر في سِمطين غير نثيرِ

تبسَّمُ عنهُ في الدُّجَى فكأنما ... يُضيءُ الدُّجى منه بروقُ صَبيرِ

أفيما يُفيدُ الشيب من واعظِ النُّهى ... وفاءٌ بهذا في حكومةِ زير

أبى ذاك إلا كلُّ شهمٍ مشمِّرٍ ... لها عن مجازٍ واعتنى بمصير

طوى مدةً من دهره ذاتَ زُخرفٍ ... إلى أبــــدٍ ذي سُــــنــــدسٍ وحــــريــــر

بمنزلةٍ لا لغوَ فيها سوى الذي ... بها من غناءٍ مُطربٍ وزَمير

أرانينُ طيرٍ لا تزال مَليَّةً ... بكرِّ هَديلٍ تارةً وصفير

ألا تِلكُمُ الدار التي حل أهلها ... بناءٍ عن الخطب المخوف شَطير

خفيرُهمُ فيها من الشر كلّه ... خفيرٌ إليه أمرُ كلِّ خفير

لهم ما اشتهوا فيها مسوقاً إليهمُ ... مَقوداً إذا شاؤوا بغير جرير

وليست بها شمسٌ فكل زمانهم ... غدوٌّ وآصالٌ بغير هجير

بلى كلُّ شمسٍ فوق خوطٍ مهفهفٍ ... على دِعصِ رملٍ يزدَهيكَ وثير

وعــــيــــشٌ بلا موتٍ وكل ملذةٍ ... يفوز بها الملتذُّ غير مَضير

أناخ بهم في الأمن خوفٌ أراهمُ ... كأنهمُ يمشون فوق شفير

نهتهم به أحلامهم أن يثابروا ... على عملٍ للعاملين مُبير

وإن ابن إبراهيمَ حقاً لمِنهمُ ... وإن كان للسلطان أيّ ظهير

فتى يُتّقَى في السلم حشوُ دواته ... كما يُتّقى في الحرب حشو جفير

يرى الحائنون الموتَ يصرف نابه ... إذا بعث الأقلامَ ذات صرير

إذا ما أثارَ الحقَّ بعد ادِّفانه ... بتحصيله الشافي فأيُّ مُثير

له حُلم لقمانَ الحكيم فإن طغا ... سفيهٌ فخلفُ الحلم صولةُ شيرِ

وما ظنُّ راجٍ ما لديه بكاذبٍ ... ولا مــــخُّ راعٍ فــــي ذَراه بــــريــــر

بكيرُ العطايا للعُفاة وإنما ... حميدُ نباتِ الأرض كلُّ بكير

ينيلُ بلا وعدٍ إذا النيْلُ لم يكن ... بغير وعيدٍ قبله وهَرير

فتى لا يُنسّيه الفعالَ اتِّكاله ... على تاج مُلك سالف وسرير

ولكنه يبني على إرثِ من مضى ... جهيراً من البنيان فوقَ جهير

أبا الحسنين العلم والجود لا تزلْ ... بنعماءَ ما قامت هضابُ ثبير

كَناكَ بها لا بالحسين مُسلِّمٌ ... إليك رِقابَ الودِّ غيرَ مُعير

معظِّمُ قدرٍ منك جدِّ مُعظَّمٍ ... مُكبِّرُ شأنٍ منك جدِّ كبير

أبتْ لك أنْ تكنى بحسنٍ مُصغَّرٍ ... محاسنُ ما مقدارُها بصغير

وقد علم الأقوامُ أنك مُكملٌ ... لك الحسنُ في مرأىً وغيبِ ضمير

وما الحسن إلا شيمةٌ مستقلةٌ ... بتبصير ذي جهلٍ وجبر كسير

وأنت الذي لا ينكُر الناس أنه ... هُدىً لأخِي جوْرٍ غنىً لفقير

تُعظِّمُ من شكر الصديق حقيره ... وتَحقرُ من جدواك غير حقير

لك الدهرَ معروفٌ شهيرٌ وإنما ... تُحب من المعروف كلَّ ستير

وما أعجبَ المعروفَ تستر فِعله ... ولستَ تراه الدهرَ غير شهير

إذا زارك العافُون كان إيابُهم ... إيابَ بشيرٍ لا إيابَ نذيرِ

ولو قعد العافون عنك لَزارهم ... نوالُك من تِلقاءِ خَيرِ مُزيرِ

كأنّ الذي يغشى جنابك نازلٌ ... عــــلى روضــــةٍ مَــــوْليَّةــــٍ وغدير

نداك لهم رهنٌ مدى الدهر كله ... بأخضر رِبْعيِّ النبات نضير

فهنّأَكَ اللهُ الفضيلةَ مِنحةً ... ولا زلت في خيرٍ يزيد وخِيرِ

وهــــنــــأك الله الذي أنت أهلُهُ ... برغم العدى من رأي خير أمير

أمير رأى فيك الذي ليسَ مُشكِلاً ... ووافقه في ذاك خيرُ وزير

لعمري لقد جَلّى بعين جليّةٍ ... من القوم نظّارٌ فقيد نظير

تأمل أين الفهمُ والحزم والتقى ... لباغي سفيرٍ فوقَ كل سفير

فأبصرها فيك الموفّق كلّها ... فولاك ما ولاك غير نكير

ولما عزمتَ الظّعن كي تفصل التي ... عصتْ كلّ طبٍّ بالأمورِ خبير

رحلتَ على اسم الله أيمنَ رحلةٍ ... وسرتَ على اسم الله خيرَ مَسير

على ثقةٍ من ناصر الدين أنه ... سينصرُ منك الحقّ خيرُ نصير

فألفاك ميمونَ النقيبةِ كالذي ... عُــــرفــــتَ بــــه فــــي أوّلٍ وأخير

ظللتَ له بالغيبِ عيناً يُديرها ... فأيتما عينٍ وأيُّ مدير

البحر والقافية

القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.

تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.

القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من مقاييس اللغة، لسان العرب:

  • بعينيك: (عَنَى) الْعَيْنُ وَالنُّونُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أُصُولٌ ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ الْقَصْدُ لِلشَّيْءِ بِانْكِمَاشٍ فِيهِ وَحِرْصٍ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي دَالٌّ عَلَى خُضُوعٍ وَذُلٍّ، وَالثَّالِثُ ظُهُورُ شَيْءٍ وَبُرُو … (مقاييس اللغة)
  • تفور: تفر: التِّفْرَةُ[[. قوله [التفرة] بكسر التاء وضمها وككلمة وتؤدة كما في القاموس]]: الدَّائِرَةُ تَحْتَ الأَنف فِي وَسَطِ الشَّفَةِ الْعُلْيَا، زَادَ فِي التَّهْذِيبِ: مِنْ الإِنسان، قَالَ: وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: يُقَالُ … (لسان العرب)
  • جهر: جهر: الجَهْرَةُ: مَا ظَهَرَ. وَرَآهُ جَهْرَةً: لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا سِترٌ؛ ورأَيته جَهْرَةً وكلمتُه جَهْرَةً. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً؛ أَي غيرَ مُسْتَتِر عَنَّا بِشَيْءٍ. وَقَوْلُهُ عَز … (لسان العرب)
  • جهير: جهر: الجَهْرَةُ: مَا ظَهَرَ. وَرَآهُ جَهْرَةً: لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا سِترٌ؛ ورأَيته جَهْرَةً وكلمتُه جَهْرَةً. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً؛ أَي غيرَ مُسْتَتِر عَنَّا بِشَيْءٍ. وَقَوْلُهُ عَز … (لسان العرب)
  • زاول: زَأَلَ: التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَةِ ضنأَ: قَالَ الشَّاعِرُ: تَزَاءَلَ مُضْطَنِئٌ آرِمٌ، ... إِذا ائْتَبَّه الإِدُّ لَا يَفْطَؤُه قَالَ: التَّزَاؤُل الاستحياء. (لسان العرب)
  • شيبت: شيب: الشَّيْبُ: مَعْرُوفٌ، قَلِيلُه وكَثِيرُه بَياضُ الشَّعَر، والمَشِيبُ مِثْلُه، ورُبَّما سُمِّيَ الشَّعَرُ نَفْسُه شيْباً. شَابَ يَشِيبُ شَيْباً، ومَشِيباً وشَيبةً، وَهُوَ أَشْيَبُ، عَلَى غيرِ قياسٍ، لأَنَّ هَذَا النّ … (لسان العرب)
  • طرير: طرر: طَرَّهم بِالسَّيْفِ يطُرُّهم طَرًّا، والطَّرُّ كالشَّلّ، وطَرّ الإِبلَ يطُرُّها طَرّاً: سَاقَهَا سَوْقًا شَدِيدًا وطردَها. وطَرَرْت الإِبلَ: مِثْلُ طَرَدْتها إِذا ضمَمْتها مِنْ نَوَاحِيهَا. قَالَ الأَصمعي: أَطَرَّه … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • تعجل مولود ليمهل والد
  • بكاؤكما يشفي وإن كان لا يجدي
  • طل دمع هريق في الأطلال
  • طاف الخيال وعن ذكراك ما طافا
  • أنى هجوت بني ثوابه
  • أيها القاسم القسيم رواء
  • أبين ضلوعي جمرة تتوقد
  • راجع من بعد سلوة ذكره