نــدمــتُ ولكــن ليــس يــغــنــي تــنـدمـي
الشاعر: مزيد الحلي · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة حزينة
هذه القصيدة من شعر مزيد الحلي، من العصر الأيوبي، وتقع في 160 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الميم، وغرضها قصيدة حزينة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
نــدمــتُ ولكــن ليــس يــغــنــي تــنـدمـي — عــلى مــا مــضــى مـن عـمـري المـتـقـدِّم
فــقــلت لدنــيــاي إلى كــم تــحـمـحـمـي — إليــك ذريــنــي والجــوى لا تــقــدمــي
فـمـا أنـت لي دار الإقـامـة فـاعـلمـي — إلى كـــم عـــلى طــول المــدى أتــوســلُ
وكـــم فـــي عــلالات المــنــى أتــعــللُّ — واعــــلم أنـــي لســـتُ فـــيـــك مـــؤمـــل
ذريـــنـــي فـــإنـــي مــدرك لك مــهــمــل — لوصــــلك بـــالآمـــال غـــيـــر مـــحـــرَّم
فــقـلت لهـا مـذ أدبـرت فـتـرة الصـبـا — وبـعـد شـبـابـي الغـضُّ قـد عـدت أشـيـبا
وأبــصــرتُ فــي عــيـنـيَّ مـنـهـا تـقـلبـا — فــإنــك دنــيــا بــرقــهــا صــار خـلبـا
جــهــام مــتــى يــرفــع بــنــاؤك يـهـدم — مـضـى زمـنـي مـن بـعـد مـا كـنـت موسقا
بـشـرخ شـبـابـي الغـضُّ والغـصـن مـورقـا — فــبــدَّلت مـن بـعـد السـعـادة بـالشـقـا
وأنــك لا يــرجــى نــعــيــمـك بـالبـقـا — مـتـى تـمـلكـي قـلب امـرئٍ مـنـه تـنقمي
فــلمَّاــ رأيــت الدهــر غــيــر مــؤنـتـي — وفـي الحـشـر والدنـيـا كـظـهـر مـؤنـتي
رجــعــت إلى تــعــنــيــف نــفـسٍ خـؤنـتـي — كــــزارع زرع شــــام بــــارق جــــونــــةِ
فـــلمَّاـــ بـــدت ولَّت بـــغـــيـــر تــكــرم — فــلا تــســألنَّ العـذر فـي الدهـر أنـه
غــدورٌ ودنــيــانــا الدنــيــة تــهــنــهُ — إذا المـرء يـرجـو مـنـهـا عـونـاً فإنه
ســـيـــصــبــح مــن ذيَّاــك يــقــرع ســنــه — ومــن يــرجُ مــاءً مــن يـد الآل يـنـعـم
فــويــحــك دنــيــا مــا طـلعـت بـمـنـحـة — مــن الدهــر إلاَّ أرفــقــت بــقــبــيـحـة
فــيــا لك مـنـهـا لو عـلمـت فـضـيـحـتـي — وعــنــدي لمــن يــهــواك خـيـر نـصـيـحـةِ
له فــي مــعـانـي شـرحـهـا خـيـر مـغـنـم — ســأرشــده يــا صــاح إن كــان يــرشــدا
ويــصــلح أمــراً كـان بـالأمـس مـفـسـدا — ويــعــرض عــن ســبــل الضــلالة للهــدى
يـــوالي ولاة الأمـــر ثـــم مـــحــمــدا — فـــحـــبـــهـــم فـــرضٌ عـــلى كــل مــســلم
يــعـمّـر ربـعـاً كـان بـالأمـس قـد عـفـا — بــمــدح أنــاسٍ ليــس فـي مـدحـهـم كـفـا
هــم جــبــل الإيـمـان والصـدق والوفـا — هـم العـروة الوثقى هم الركن والصفا
هــم الحــج والمــســعـى هـم بـئرُ زمـزم — هـم مـعـشـرٌ طـافـوا على الشهب والسهى
وفــاقـوا عـلى أهـل المـكـارم والنُهـى — وجازوا العلا بالحلم والعلم والبها
هــم شـجـرة الطـوبـى هـم سـدرة النـهـا — هـــم جـــنـــة المـــأوى ونــار لمــجــرم
أرى القـلب مـن سـكـر الشبيبة قد صحا — وغــصــن شــبـابـي عـضَّهـ الدهـر أو لحـا
وحــتـى ذنـوبـي أكـرم الخـلق قـد مـحـا — هـم التـيـن والزيـتون والشمس والضحى
وطـــه ومـــا قــد جــاء فــي فــضــل آدم — فــإن أعـطـيـاك الأصـغـريـن فـهـن هـمـا
كـذا النـفـس إن تـغـلب عـليـك تـفـهـما — وأرجــع إلى ســبــل النــبـي فـفـيـهـمـا
هــم مــرج البــحــريــن يـخـرج مـنـهـمـا — قــــلائد در فــــي الأنــــام مــــنــــظَّم
هــم قــتــلوا إبـليـس عـمـداً إذا عـتـا — هـم رحـلة للنـاس فـي الصـيـف والشـتـا
هـم الكـهـف والصـافـات أيـضاً وهل أتا — هـــــــــم ك ه ي ع ص ومـــــــــا أتــــــــى
مـن الآي فـي مـيـلاد عـيـسـى بـن مريم — هــم حــســمــوا كــل امــرئٍ عــن فـسـاده
وكـــل عـــنـــيـــدٍ ظـــالمٍ عـــن عــنــاده — هــم الغــيــث غــيــث اللّه عــمَّ بــلاده
هـــم حـــجــج الرحــمــن بــيــن عــبــاده — هــم الحــبــل حــبــل اللّه لم يــتـصـرم
تــوسَّلــت بــالقــوم الكــرام ونــسـلهـم — وعــنــصــرهـم فـي المـاضـيـيـن وأهـلهـم
وكـــل نـــبـــي مـــرســل كــان قــبــلهــم — فــيــا رب اجـعـلنـي بـهـم خـادمـاً لهـم
فـــقـــال له أنـــت المـــقــرَّب فــاخــدم — فــقـلت وكـم بـالعـدل قـد راح مـعـتـدي
عــليَّ ومــا قــد كــنــت أرجـوه مـسـعـدي — إلى مـن بـهـم سـبـل الهـدايـة نـهـتـدي
أعـــاذل ذرنـــي فـــي هـــوى آل أحــمــد — وإن تــك فــي حــلم الهــوى حــائزاً لمِ
يــعــدُّ لك الحــسَّاــد والبــغـض والعـدا — وتــشــغــلنــي بـاللوم فـي طـلب المـدى
فـقـد كـنـت أرجـو مـنـك نـصـراً وسـؤددا — أتــعــذلنــي فــي حــب قــوم هـم الهـدى
إلى ســبــلٍ يــحــيــي رجــا كــل مــظــلم — فــقــد خـزل الشـيـطـان مـن كـان حـزبـه
ووالى إله العــرش مــن كــان صــحــبــه — وأفــــلح مــــن رام الســــجـــود لربـــه
دع الشـك واعـمـل بـاليـقـيـن تـفـز بـه — وســلّم إلى داعــي المــحــقــيــن تـسـلم
وكــن واثــقــاً بــاللّه يــا صـاح وحـده — وبــالقــائم المــهــدي للنــاس بــعــده
أجـــــبـــــه فــــإنَّ اللّه أهــــلك ضــــده — ألم تــــرَ أن الضــــدَّ إبــــليـــس صـــدَّه
مــــخـــالفـــة عـــنـــد الســـجـــود لآدم — إذا هــلَّ غــيـث العـلم فـي يـوم مـاطـر
فــروضـاً طـوال الدهـر تـسـري بـخـاطـري — وإنـــي للأشـــيـــاء أرنـــو بــنــاظــري
أقــــول وإنــــي تـــحـــت قـــدرة قـــادر — مـطـيـعـاً وقـول الصـدق ما زال في فمي
وأبــصــرت فــي شــأن العــلى أي بـصـرةِ — يــكــون لهــا فــي أســود اخــلق حـصـرة
فــقــلت ولكــن يــا أخــي بــعــد عـصـرة — ســتــعــلو بــإذن اللّه أعــظــم نــصــرة
نـــزاريـــة مـــا بـــيـــن فـــرسٍ وديــلم — طـغـوا يـوم قـتـل ابـن البـتـول تعسفا
ورامـوا بـأن يـخـفى على اللّه ما خفى — فــلا بـد مـن نـصـرٍ عـليـهـم فـيـشـتـفـا
ويــمــلأ عــدلاً بــعــد جــورٍ ويـنـطـفـى — لأعــداء آل المــصــطــفــى كــل مــضــرم
ولمَّاـ اسـتـبـاح الظـاعـنين ذوو الحمى — ولا عــزَّ مـن قـتـل الحـسـيـن ولا حـمـا
لقــومٍ بــكــت مــنـهـم مـلائكـة السـمـا — خــلعــت عــذاري فــي هــواهــم تـقـحـمـا
ومـــن يـــرجُ بــحــراً زاخــراً يــتــقــحَّم — ســأكــتــب عـنـهـم بـالصـحـائف مـا جـرى
عــليــهــم ويـدري مـؤمـن مـا يـكـن درى — وأقــتــلُ مــن عــاصـى الرسـول وافـتـرى
وكـــيـــف يــرانــي عــنــهــم مــتــأخــرا — وحـــبـــهــم بــالقــلب يــجــري وبــالدمِ
إذا مــا تــيــمــمــتَ الحــجـاز فـحـيّهـم — وقـــل لهـــم إنـــي أعـــيــش بــحــيــهــم
ولم ألتـفـت فـي القـول للكـفـر أيـهـم — ولمَّاــ رأيــت النــاس فـي بـحـر غـيـهـم
يــقــولون لن نــنــجــو بــغــيــر مـعـلم — فـألبـسـتُ جـسـمـي حـلة الفـكـر والضـنا
وحــمــلت نــفـسـي غـلة الوجـد والعـنـى — تـقـلقـلت مـا بـيـن التـنـاسـي والمـنى
وأيــقـنـت أن لا بـد مـا دامـت الدنـا — لكــــل زمـــان مـــن إمـــام مـــتـــرجـــم
ولمَّاــ رأيــت الضــد قــد غــاب عــقــله — وغــطَّى عــليــه فــي الحــقــائق جــهــله
رجــعــتُ إلى تــعــنـيـف مـن كـان قـبـله — وفــتــشــت كــي ألقــى الصــلاح وأهــله
ومــن يــك فــتَّاــشـاً عـلى الحـق يـغـنـم — وعـاصـيـتُ نـفـسـاً طـاعـت الغـي والهـوى
وكــل امـرئٍ عـن مـنـهـج الحـق قـد غـوى — وأحــمــيــت ذاتــي بــالتـمـائم والدوا
مـجـيباً لداعي اللّه في القرب والنوى — أجــوب الفـيـافـي مـعـلمـاً بـعـد مـعـلم
ورحــلتُ عــيــســي للنــوى ونــهــلتــهــا — وحـيـن دعـا داعـي الثـرى لي دعـيـتـها
ولمَّاـ دنـا التـعـريـش مـنـهـا فـركـتها — مــن الحـلة الفـيـحـاء حـتـى تـركـتـهـا
وبــغــداد خــلفــي لا أطـأهـا بـمـنـسـم — ولكــنــنــي مــمَّاــ عــراهــا أنــخــتـهـا
وجــاءت إلى الإيـوان شـوقـاً لأخـتـهـا — وثــورتــهــا عــنـد المـسـيـر لتـخـتـهـا
عــلى جــانـب الزوراء حـتـى فـسـخـتـهـا — حــريــفــيــن واجــتـزت القـليـب مـخـيـم
ولمَّاــ اسـتـهـانـت بـالطـريـق وبـعـدهـا — وأيــقــنــت الدهـنـاء أن حـان سـعـدهـا
ضــربــت بــســوطـي سـاقـهـا ثـم فـخـذهـا — ووافــيــت ســامــرَّا وتــكــريـت بـعـدهـا
وقــلت لصــحــبــي بــالقــليــب تــرنـمـي — وأمــســيــت فــيــهــا للمـبـيـت مـنـوخـاً
بــربــع أنــاسٍ مــعـدن الجـود والسـخـا — وبـاكـرت مـسـراهـا عـن الخـيـر والرخا
وجــاوزت نــخــلاً بــالبــوازيــج شـمَّخـا — أجـــوب فـــجــاج الأرج جــوب المــصــمَّم
فــراحــت تـبـاري النـاجـيـات بـرحـلهـا — وقــد عــدمـت مـن شـدة السـيـر عـقـلهـا
فـكـم مـنـزلٍ أطـويـه بـالسـيـر قـبـلهـا — وزحــتُ عــن الحـدبـاء بـغـضـاً بـأهـلهـا
فــقــد جــمــعــت أكــنــافـهـا كـل مـأزم — وســرت عــلى اسـم اللّه سـيـراً مـعـجـلا
أحــث ركــابــي كـالنـعـامـة فـي الفـلا — وأوردتـــهـــا مــن كــل مــرٍّ ومــا حــلا
ولم يــك لي فــي تــل اعــفــر مــنــزلا — فــديــنــهــم ديـن اللعـيـن ابـن مـلجـم
ولم أنــس مــن حـث المـسـيـر عـقـابـهـا — وقــد مــلأت مــن كــل شــيــء حـقـابـهـا
ودام إلى وقــت الزوال ارتــقــابــهــا — ولم ألقَ فـي سـنـجـار مـن يـلتـقـى بها
ســـوى دلو بـــئرٍ نــازلٍ قــعــر مــظــلم — فــوليــت عــنــهــا وهـي تـشـكـو تـألمـا
وتــبــدو لمــامــاً بـيـن عـسـرٍ لعـل مـا — إلى أن وصــلنـا أكـرم النـاس مـكـرمـا
وســرت حــثــيــثـاً مـن دنـيـسـر بـعـدمـا — جــعــلت إليــهــا مـن نـصـيـبـيـن مـقـدم
فــكــم مــنـهـلٍ مـن مـائه قـد رويـتـهـا — وكــم وهــدةٍ مــجــهــولة قــد طـويـتـهـا
ولمَّاــ تــحــامــاهـا السـرى وحـويـتـهـا — فــخــلَّيــتُ رأس العــيــن لمَّاـ رأيـتـهـا
وحـــران لم يـــســتــبــشــران بــمــســلم — وأثــــنــــيـــتـــهـــا عـــن ربـــع حـــرَّان
رحــيــل مــشــوق مــفــعـم القـلب نـاحـلِ — وجــئت فــجــاجــاً صــاديــات المــنـاهـل
ولمَّاـ انـتهى في الرقة السير لاح لي — مــن اللّه نــور ســاطــع غــيــر مــظــلم
فــقــلت عـسـى حـادي المـطـي يـعـيـنـنـي — وفــوق المــطــايـا الوجـدات يـديـنـنـي
فــســرتُ إلى الداعــي الجـليـل فـدلنـي — وعـــرفـــنــي كــيــف الطــريــق وأنــنــي
خــبــيــرٌ بــه بــل كــنــت غــيـر مـتـمّـمِ — فــلمَّاــ وصــلنــا مــن بــريـاه نـهـتـدي
وبــالقــول مــنــه نـسـتـفـيـد ونـقـتـدي — ســمــي رســول اللّه فــي الخــلق أحـمـد
فــكــان كــنــجــمٍ يــســتــدل بــمــشــهــد — بـــوجـــه كــبــدرٍ طــالع بــيــن أنــجــم
فـقـال إذا مـا كـنـت بـالقـول تـقـتـدي — ولي نــحــو مــهــدي البــريــة نــهـتـدي
فــســر ودع التــعــريـس فـي كـل مـهـتـدِ — فــجــاوزت لمَّاــ أن تــحــقــق مــقــصــدي
خــفــاجــيــة بــاتــت بــأكــنــاف عـكـرم — ولمَّاـــ تـــيـــمَّنـــا الفــرات تــحــرجــت
حــثــيــثــاً إلى أوطــانــهــا فــتـدرجـت — نــســيــمــاً كــنـثـر الدر فـيـه تـأرجـت
ولمَّاــ قــطــعــنــا جــســر بــالس عـرَّجـت — صــدور ركــابــي نــحــوهـا غـيـر مـحـجـم
وســارت بــنــا ســيــر الريـاح وبـادرت — وحــوش الفــلا فــي وجــدهـا وتـحـافـرت
وراحــت كــمــذعــور النــعـام تـنـافـرت — وطــلَّت بــنــا تــطـوي الفـجـاج وجـاوزت
بـــشـــط الفــرا مــن كــل خــرم مــصــمَّم — فــرحــنــا ولا سـاقـي المـدام يـعـلنـا
بـــكـــأس ولا أرض هـــنـــاك تـــقـــلنــا — ولا مــن دليــل فــي الفــلاة يــدلنــا
فــبـتـنـا بـوادي المـنـحـوان بـليـلنـا — مـــن المـــزن طـــلٌّ فـــي أواخــر مــرزم
وقــلت لهــا يــا عــيـس سـيـري وغـادري — وســاءلت مــن يــقــضـي ويـجـبـر خـاطـري
فـــلمَّاـــ رأيــت الوحــش لاح لنــاظــري — نــزلت وقــد وافــى الكـرى ديـر حـافـر
وســرنــا وأربــاب الســرى غــيــر نــوَّم — تــصــيــحُ إذا ورق الحــمــائم أنــشــدت
بجنح الدجى والنوح في الدوح قد هدت — وتـذكـر ولفـاً فـي الورى أيـنـمـا غـدت
ولمَّاـ آتـيـنـا الشـيـح والليل قد بدت — عـــســـاكـــره فـــي كــل أســود مــقــتــم
يــســيــر عــلى أكــوارهــا كــل قــســور — عــنــيـد شـديـد البـأس كـالليـث مـحـدر
تـــراه شـــديــد البــأس شــدة عــنــتــر — يــجــوب الفـلا مـا بـيـن أشـعـث أغـبـر
يــــحـــنُّ إلى الهـــادي وأجـــرد أدهـــم — وأنــفــســنــا فـي ذروة العـزِّ لم تـهـن
عـــليـــنــا ولا خــلّ لصــاحــبــه يــخُــن — نـسـيـر ولا يـغـتـالنـا الخـوف والمحن
ولمَّاــ وصــلنــا مــاء كــاســر لم يـكـن — لنــا مــعــدل عــن روضــهــا المـتـبـسـم
ولمَّاــ رأيــنــا شــدة السـيـر والعـنـا — وكـدنـا بـهـا أن لا نـبـيـت مـن الضنى
وكــدنــا المـطـايـا بـالفـلاة تـلمـنـا — نـزلنـا بـهـا ثـم انـثـنـيـنـا بـركـبنا
إلى حـــلبٍ والليـــل ليـــس بـــمــعــتــمِ — طـــلبـــنــا مــن اللّه العــلي بــجــودة
إلى رجـــل مـــا زال قـــصـــدي وعــدتــي — هـــو الراشـــد المــهــدي لكــل هــديــة
ولمَّاـــ تـــجـــسَّمـــنــا قــويــق بــعــدوةِ — فــزاد بــنــا شــوق المــحــب المــتـيـم
ولم يــدر خــلق قــط مــا كــنــه عـلتـي — ولا خـامـر التـمـويـه قـلبـي ومـهـجـتي
وزاد غــرامــي واســتــطــالت بــغــلتــي — فــأنــت ولي اللّه يــا ابــن البـتـولةِ
فـيـا نـفـس بـوحـي بـالحـقـيـقة واكتمي — وقــلت لهــا سـيـري بـنـا ليـس تـنـدمـي
إلى أكـرم المـولى وإن تـعـلمي اقدمي — فــسـارت حـثـيـثـاً عـقـلهـا غـيـر مـعـدم
وبــتـنـا بـأكـنـاف القـنـاطـر نـحـتـمـي — وكــانــت قــريَّاــت بــهــا القــوم نــوَّم
وبــاكــرتــهــا بـالسـيـر غـيـر مـمـاطـلِ — ولا وانــيــاً مــن شــدة السـيـر عـاطـل
إلى قـــاســـمٍ مــا بــيــن حــق وبــاطــل — وجــئنــا إلى سـرمـيـن فـي غـيـث هـاطـل
عــلى كــل ســبــط الراحــتـيـن غـشـمـشـم — وجــئنــا إلى الدار السـعـيـدة وامَّحـا
ســقــانـا وعـشَّاـنـا المـضـيـف واسـتـحـا — فــقــلت لهــا ســيــري مــسـيـراً مُـرنَّحـا
وجــزنــا بــهــرمـاس المـعـرة وانـتـحـا — بــنــا شــجــر الزيـتـون مـن كـل جـرثـم
فـسـرنـا ولم نـوضـح كـوى السـيـر خشيةً — حــرام عــليــنـا النـوم وقـتـاً ولمـحـةً
ظـــلام ولم نـــلق مــن الليــل لمــعــةً — إلى أن وصــلنــا كــفــرســقَّاــ عــشــيــة
وقـــد حـــثَّ أربــاب الثــرى كــل مــلزم — فــبــتـنـا بـهـا عـنـد الرئيـس فـمـدنـا
بــانــعــامــه حــتــى الرحــيــل أعـدنـا — ولمَّاــ بــدا الصــبــح المــنــوَّر شـدنـا
ولمَّاـــ وصـــلنـــا أرض شـــيــزر صــدَّنــا — مــســيــل مـن العـاصـي شـديـد التـهـجـم
فــلم نــدرِ فــي ذاك المــخــاض ولوجــه — ولا مـــســـتــغــيــث للعــبــور وعــوجــه
وأرواحـــــنـــــا فــــي عــــالم الكــــون — وصــرنــا بــعــون اللّه نــقــطــع مـوجـه
كــمــا فـعـلت فـي التـرب كـف المـنـجـم — فـــرحـــت وقـــلبـــي للتــذكــر واعــيــا
إلى مــن دعــا للحـق يـا خـيـر داعـيـا — فــلا أرتــجــي إلاَّه كــونــي صــاحــيــا
وســرنـا إلى مـصـيـاف سـعـيـاً وسـاعـيـا — إلى البــيــت قــوم مــن قـريـشٍ وجـرهـم
فـعـايـنـتُ وجـهـاً بـاسـمـاً غـيـر مـعـبـس — كــصــبــح تــبــدَّى تــحــت أذيــال حـنـدس
وأرض كـــســـاهــا اللّه أنــوار مــؤنــس — وقــد نــشــر الرحــمــان أطـمـار سـنـدس
عـــلى كـــل جـــرمٍ بـــالريـــاض مـــعــمَّم — فـقـلت لهـا مـا زلت مـذ كـنـت مـسـلمـا
أجــوب عـلى مـن يـعـرف الأرض والسـمـا — فــيــهــدي ويــجـلي نـاظـريَّ مـن العـمـى
إليــك حــطــطــت الآن رحــلي مــســلَّمــا — إليــك وهــا أنــت المــحــكَّمــ فــاحـكـم
فــلا تــرنــي عـن مـنـهـج الحـق مـائلا — ولا عــن سـواك الآن فـي الحـق سـائلا
ولا أرتــجــي مــن غــيــر كــفـك نـائلا — فــإنــي رأيــت الخـلق قـسـمـيـن قـائلا
عــرفــت بــعـقـلي كـالحـديـث المـتـرجـم — ولم أرَ شـــيـــئاً غـــيـــر خــلق وخــالقِ
ومــا بــيــن مــســبــوقٍ هــنــاك وسـابـقِ — ومــكــتـفـيـاً بـالعـقـل عـنـد الحـقـائق
وآخـــر فـــي قـــولٍ صـــحـــيـــحٍ ونــاطــق — عــن اللّه بــالعــقـل المـرجـح فـافـهـم
يــقـولون إنَّ العـقـل يـكـفـي بـزعـمـهـم — ولا يــعــلمــوا أنَّ العــقــول تـعـمـهـم
أتــوك أنــاس خــامــر الشــك وهــمــهــم — فـإن صـحـحـوا بـالعـقـل أنـت بـزعـمـهـم
مــحــق ومــن يــنــكـر إلى الحـق يـظـلم — فـــجـــاءت بــحــمــد اللّه قــولة صــادق
خــبــيــر بــطــرق الحــق غــيـر مـنـافـق — فــإن يــعــقــلوا فـالحـق دومـاً لفـائقِ
وإن كــان مــع عــقــلي مــقــالة حــاذق — نــجــوتُ ومــن يــعــدل عـن الحـق يـنـدم
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الميم — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- برقها: برق: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: البَرْقُ سَوط مِنْ نُورٍ يَزجرُ بِهِ الملَكُ السَّحَابَ. والبَرْقُ: وَاحِدُ بُروق السَّحَابِ. والبَرقُ الَّذِي يَلمع فِي الْغَيْمِ، وَجَمْعُهُ بُروق. وبرَقت السَّمَاءُ تَبْرُق بَرْقاً وأَبْرَقت …
- تحمحمي: تَحَمْحَمَ يَتَحَمْحَمُ تَحَمْحُماً :- الفرسُ: صات صوتاً دون العالي؛ فازوَرَّ من وَقْعِ القنا بلَبانِهِ ** وشكا إليَّ بعَبْرةٍ وَتَحَمْحُمِ
- تقدمي: تقدم: تَقْدَم: اسْمٌ كَأَنَّهُ يُعنى به القَدَم.
- تندمي: تَنَدَّمَ يَتَنَدَّمُ تَنَدُّمًا :- على الأمرِ: تحسَّر عليه أو على فعله؛ تندَّم على سوء تصرُّفه مع صديقه.
- جهام: الجَهَامُ : السحابُ الذي لا ماءَ فيه؛ جاءني من هذا الأمر بجَهَامٍ، أي بما لا خيرَ فيه.