رَأى مَذهَبي في الحبّ خيرَ المَذاهِب
الشاعر: عمر الرافعي · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة مدح
هذه القصيدة من شعر عمر الرافعي، من العصر الحديث، وتقع في 76 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الباء، وغرضها قصيدة مدح.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
رَأى مَذهَبي في الحبّ خيرَ المَذاهِب ... فَأَلحَقَني بِالركب خيرِ الرَكائِبِ
نَبِيُّ هدىً قَد نِلتُ في نَهجِهِ الهدى ... فَكَيفَ يضلُّ النَهجَ قَلبي وَقالِبي
شُغفتُ بِه حبّاً وَحبّيَ واجِبٌ ... وَإِن لَم أَقم في الحبّ يوماً بِواجِبي
فَيا لَيلَة القُربِ الأَغرّ صباحهُ ... بــــك اللَهُ أَولانــــي أَجلَّ الرَغائِبِ
جمعتِ محبّاً بِالحَبيب محمّدٍ ... مناماً وَما أَحلى اِجتِماعَ الحَبائِبِ
فَما أَنتَ إِلّا لَيلَةُ القَدر قَد أَتَت ... بِما لَم يَكُن يَوماً بِحُسبان حاسِبِ
لَقَد طبتِ يا بنت الرَبيع بِطَيِّب ... سما نسباً ما مثلهُ في الأَطايِبِ
بهِ شَرَّفَ اللَهُ الوجودَ بعاقِبٍ ... حمدنا بهِ في الهدي حسنَ العَواقِبِ
رَؤوفٌ رَحيمٌ جاءَ في الذكر نعتهُ ... وَأَكرم بِمَنعوتٍ بأسمى المَناقِبِ
هو الحجَّةُ الكُبرى عَلى الخلق كلّهم ... وَلِلَّهِ في المُختار حُجَّةُ غالِبِ
أقام منارَ الحقّ شرقاً وَمَغرِباً ... فَضاءَت بهِ الأكوانُ من كُلّ جانِبِ
أَبانَ لنا في كلّ أَمرٍ طَريقَهُ ... فَسِرنا عَلى أَهدى طَريقٍ مَناسبِ
هدانا وَخيرُ الهدي هديُ محمّدٍ ... إِمام الهدى الهادي لخير المَذاهِبِ
نَفى بِضياء الرشدِ كلّ ضَلالَةٍ ... وَسُنَّتهُ البَيضاءُ مجلى الغياهِبِ
أَلا في سَبيلِ اللَهِ أَدرَكتُ مَطلَبي ... وَأَنظارِ خيرِ الخَلقِ أَسنى المَطالِبِ
إِلَيكَ حَديثاً من غَرائِب نكبَتي ... وَما هو إِلّا البدعُ بَينَ الغَرائِبِ
وَقــــائِع أَيّــــام أَتــــت بِــــعَــــجــــائِبٍ ... عَن الدَهر تَرويها رُواة العَجائِبِ
فَمن شاءَ فَليَنقله عنّي مصدِّقاً ... وَمن شاءَ فَليُلبِسهُ حلَّة كاذِبِ
فَيَوم غَضِبنا غضبَةً مضرِيَّةً ... عَلى التُرك إِذ راموا اِضطِهاد الأَعارِبِ
نَهَضنا إِلَيهِم عاتِبين عَلَيهمُ ... بسُمر عَوالينا وَبيضِ القَواضِبِ
فَكانَ الَّذي قَد كان مِمّا لهوله ... دجى المَشرِق الأَدنى وَربّ المَغارِبِ
إلى أَن سَقَطنا في يَد التُرك عنوةً ... سُقوط أَخي الإيمان بَينَ الأَجانِبِ
فَلِلَّهِ كَم أوذيتُ في اللَهِ وحدَه ... وَلِلَّهِ كــــم أوذي لأَجــــلي أَقــــارِبــــي
لَقينا من التَعذيب في آلِ أحمدٍ ... ضُـــــروب عَـــــذابٍ كُــــنَّ صــــربــــةَ لازِبِ
لَئِن غابَ عَنهُم ما لَقينا لأَجلِهِم ... فَعَن جدّهم وَاللَه لَيسَ بِغائِبِ
فَقَد عادَني في لَيلَةٍ بتُّ موجعاً ... بِناب زَمان عَضَّني بِالنوائِبِ
وَبَشّرني في الأَمرِ خيرَ بشارَة ... وَقد ضِقتُ بِالأَعدا وَضاقَت مَذاهِبي
فَهانَ مصابي أَي وَرَبّي وَقد أَتى ... حَبيبي يُعَزّيني بِتِلكَ المَصائِبِ
وَفي جلَّق قامَت عَلَينا عصابَةٌ ... تَكيد لَنا كيد العدوِّ المحارِبِ
خَشيتُ عَلى حقٍّ يَضيع لأُمَّتي ... فَقُمتُ له ما بَينَ ماشٍ وَراكِبِ
وَأَعمَلت في تِلكَ الأَباطِح وَالرُبى ... سرايَ مجدّاً بَينَ تِلكَ السَباسِبِ
إِلى أَن بَلَغت الركب حلُّوا بِطيبَةٍ ... فَطِبتُ وَقَد يَمَّمتُ صَدر الرَكائِبِ
وَأَروَيتُ من تلكَ المَوارِد علَّتي ... أُزاحِم أَملاك السما بِالمَناكِبِ
وَعدت قَريرَ العَينِ قد نِلت مَأربي ... إِلى الشام مَغبوطاً بِنَيل المَآرِبِ
وَما زِلت في عودي إلَيها مُثابِراً ... عَلى حُسنِ أعمالٍ خلَت عن شَوائِبِ
وَقد جاءَني خيرُ البَرِيَّةـ في الكَرى ... بِآيات صدقٍ لا الأَماني الكَواذِبِ
وَقالَ مَقالاً وَهوَ أَصدَقُ قائِلٍ ... وَما أَنا إِذ أَرويهِ عنهُ بِكاذِبِ
أَتَقبَلُ مِنّي بِالدَواء وَإِنَّهُ اِخ ... تراعي الجَديدُ المُتقى بِالتَجاربِ
دَواءٌ لِتَحديدِ الشَوارِبِ نافِعٌ ... وَتَأويلُهُ تَعديل هذي المَشارِبِ
دَواءٌ أَرى تَجريبهُ فيكَ أَوّلاً ... وَمــــن بعدُ جَرِّبهُ لآخر واصِبِ
تَعالَ أُعَلِّمكَ الَّذي قَد نعتُّه ... لِتَكسب من علمٍ جَليل المَكاسِبِ
وَخُذ فيهِ يا هذا اِمتِيازاً وَجئ بِهِ ... إليَّ إِذا مــــا شئتَ أَخذاً بِواجِبِ
رُموزٌ لَقَد دَقَّتــ عَن الفِكرِ ثاقِباً ... بِها تَذهَب الأفهام كلّ المَذاهِبِ
أَشــــارَت إِلى عــــامٍ بــــهِ قامَ سَيِّدٌ ... بِمكّة في البَيت الرَفيع الجَوانِبِ
وَحَسبُكَ تاريخٌ أَتى لِبَيانِهِ اِخ ... تِراعي الجَديد اِحسبهُ يا خير حاسبِ
تجد فيهِ تاريخ القِيامِ وَإِنَّهُ ... قِيامٌ عَجيب قَد أَتى بِالعَجائِبِ
أَتانا لِتَعديل المَشارِب نافِعاً ... وَمـــــا كُـــــلُّ وردٍ راق عــــذبٌ لِشــــارِبِ
فَما بَينَ تَفريطٍ وإفراطِ مفرطٍ ... ضَــــيــــاعٌ وَتــــضييعٌ لآتٍ وَذاهِبِ
وَلا يَستَوي قول المحقّ بحُجّةٍ ... وَآخرَ أَوهى من بيوت العناكِبِ
فَفي الكلّ قد جرَّبت نفسي وَإِنَّما اِع ... تدلتُ أخيراً بعدَ طول التَجاربِ
وَلكِن مَتى اِمتازَ في الأَمر ميزَةً ... وَلَم يَكُ مخطوبٌ لأَمرٍ كَخاطِبِ
أَلا يا أَجلَّ الرُسل منكَ إِجابَةً ... لصبّ يُنادي ما لَهُ من مجاوِبِ
أَبثّك شَكوى من جفاء أَقارِبٍ ... أباعدَ عن فعل الجَميل عقارِبِ
لمن أَشتَكي منهُم لغير رسولِهِم ... وَقد قَطَّعوا أَرحالَهُم بِالمَثالِبِ
كَفاني أَن أشكو لِعلياكَ حُسَّدي ... وَقد أَثقَلوا ظَهري بِعِبءِ المَتاعِبِ
لَقد ضِعتُ في قَومي وَما أَنا ضائِع ... وَيُمنايَ في يُمناكَ يَا اِبنَ الأَطايِبِ
بِرَبِّكَ زِدني منكَ قرباً فَإِنَّني ... أَرى القُربَ من علياك أَعلى المَراتِبِ
وَكن لي مجيراً بَل نصيراً عَلى العِدى ... فَما غُلب المَنصور يوماً لِغالِبِ
وَلا تَقطَعَن حبلَ المحبّ فإنّه ... بِوَصلِكَ يا خَير الوَرى خَير راغِبِ
عَلِمتَ بِقَصدي إِذ قَصَدتك زائراً ... عَلى نُجُب الآمالِ أَحدو نَجائِبي
فَجُد لي قَريباً عاجِلاً غير آجل ... بجذبةِ قربٍ حيثُ حبُّكــ جاذبي
عَسى أعمر البَيت الحَرام بِعُمرَةٍ ... تَضُمُّ بَني الإِسلام ضَمَّ الأَقارِبِ
وَإلّا فَما هذي الحُروب الَّتي أَرى ... فَقَد قامَ في الإِسلامِ ألفُ مُحارِبِ
تَصَدّوا لهدم الدين كيداً لأَهلِهِ ... وَلكــــــنَّهــــــُم رُدّوا بــــــذلَّة خــــــائِبِ
وَلَيسَ يُحيق المكرُ إلّا بِأَهلِهِ ... وَلا يَبلغُ المَقصودَ روغُ الثعالِبِ
وأنشَدتني بيتين من نظم شاعِر ... رَوَيتُهُما معنىً لقارٍ وَكاتِبِ
أشرت إلى الحسّاد من نسل يافِثٍ ... وَقد تَرَكوا الإِسلامَ رهن النَوادِبِ
طَغوا وَبَغوا في الأَمرِ حتّى كَأَنَّهُم ... بِأَفعالهم أسطورَة في العَجائِبِ
بِهِم جَرّد الإِسلامُ من آل أحمدٍ ... لِقَمع عداة الدين أمضى القَواضِبِ
وَما اِرتَدّ حتّى رَدّ شرذمةً عدت ... عَلى قَومِهِ بِالفَتكِ من كُلّ جانِبِ
فلِلَّه يومُ الفَتح وَالمَوكِب الَّذي ... لأَخمصهِ تعنو وجوه المَواكِبِ
لَقَد ذَكَّراني فَتح مكّة عنوةً ... وَموكب خير الخَلق بَينَ الكَتائِبِ
أَلا يا شَفيعَ الخَلق كُن لي شافِعاً ... لأَنجو بِيَوم الهَول من ذي المَعاطِبِ
تَفضّل بِنَيل السُؤل يا خير مرسلٍ ... وَجُد لي بِتَحقيق المُنى وَالرَغائِبِ
عَلَيكَ من الرحمن ألف تحيَّةٍ ... وَآلك وَالأَصحاب خير الأَصاحِبِ
مَدى الدَهر ما أنشَدت فيكَ مردّداً ... رَأى مَذهَبي في الحُبّ خير المذاهبِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الباء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- المذاهب: ذهب: الذَّهابُ: السَّيرُ والمُرُورُ؛ ذَهَبَ يَذْهَبُ ذَهاباً وذُهوباً فَهُوَ ذاهِبٌ وذَهُوبٌ. والمَذْهَبُ: مَصْدَرٌ، كالذَّهابِ. وذَهَبَ بِهِ وأَذهَبَه غَيْرُهُ: أَزالَه. وَيُقَالُ: أَذْهَبَ بِهِ، قَالَ أَبو إِسحاق: وَهُ … (لسان العرب)
- النهج: نهج: طريقٌ نَهْجٌ: بَيِّنٌ واضِحٌ، وَهُوَ النَّهْجُ؛ قَالَ أَبو كَبِيرٍ: فأَجَزْتُه بأَفَلَّ تَحْسَبُ أَثْرَهُ ... نَهْجاً، أَبانَ بِذِي فَريغٍ مَخْرَفِ والجمعُ نَهجاتٌ ونُهُجٌ ونُهوجٌ؛ قَالَ أَبو ذؤَيب: بِهِ رُجُماتٌ بي … (لسان العرب)
- بالحبيب: حبب: الحُبُّ: نَقِيضُ البُغْضِ. والحُبُّ: الودادُ والمَحَبَّةُ، وَكَذَلِكَ الحِبُّ بِالْكَسْرِ. وحُكِي عَنْ خَالِدِ بْنِ نَضْلَة: مَا هَذَا الحِبُّ الطارِقُ؟ وأَحَبَّهُ فَهُوَ مُحِبٌّ، وَهُوَ مَحْبُوبٌ، عَلَى غَيْرِ قِيَ … (لسان العرب)
- بالركب: ركب: رَكِبَ الدابَّة يَرْكَبُ رُكُوباً: عَلا عَلَيْهَا، وَالِاسْمُ الرِّكْبة، بِالْكَسْرِ، والرَّكْبة مرَّةٌ واحدةٌ. وكلُّ مَا عُلِيَ فَقَدْ رُكِبَ وارْتُكِبَ. والرِّكْبَةُ، بِالْكَسْرِ: ضَرْبٌ مِنَ الرُّكوبِ، يُقَالُ: ه … (لسان العرب)