بَهَــــرَ الوُجُودَ بلؤلؤيِّ ضِيَائهِ

الشاعر: علي الجارم · البحر: الكامل

هذه القصيدة من شعر علي الجارم، من العصر الحديث، وتقع في 71 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

بَهَــــرَ الوُجُودَ بلؤلؤيِّ ضِيَائهِ ... نَجْمٌ تألَّقَ في بَدِيع سَمائِه

لَبِسَ المَسَاءُ به غِلاَلةَ مُسْفِرٍ ... حَتَّى كَأَنَّ الصُّبْحَ مِنْ أَسْمائه

وتَطَامَنَتْ زُهْرُ الكَواكِبِ هَيْبة ... لِلْمُشْرِقِ الوَضَّاحِ في عَلْيائه

هَيْهاتَ أَيْنَ ضِياؤُها مِنْ ضَوْئِه ... وسنَاؤُها مِنْ بُعْدِ أوْجِ سَنَائه

عَجَباً يَزيد ظُهورهُ بِعُلُوِّهِ ... والنَّجْمُ يُعْرَفُ إِنْ عَلاَ بخَفائه

ما جَالَ في الآفاقِ أصْدقُ جَوْهراً ... مِنْه وأَصْفَى مِنْ نَقي صَفائِه

يَلْقَاكَ نُورُ الْحَقِّ في لَمحَاتِه ... ويَفِيضُ مَاءُ البِشْر مِنْ لأْلاَئِه

أَيْن النُّجُومُ جَلاَلُها ورُوَاؤُها ... مِــــنْ عَــــبْــــقَــــرِيِّ جَــــلالِه ورُوَائه

نَجْمٌ أطَلَّ عَلَى الوُجُودِ فكَبَّرَتْ ... زُمَــــرُ الوُجُــــودِ وهَــــلَّلتْ لِلِقَــــائه

وَرَنَتْ لَه الآمَالُ ظَمْأَى حُوَّماً ... مَعْقُودةً أَبْصارُها برَجَائه

والنِّيلُ سَارَ يَجُرّ مِنْ أَذْيالِهِ ... تِيهاً ويَمْرَحُ في مَدَى خُيَلاَئه

يَخْتَالُ ما بَيْن الرِّياضِ وكُلُّها ... مِنْ نَسْجِ كَفَّيْه ومِنْ إِيحَائه

ويُفَتِّحُ الأَزْهارَ في أَكْمامِها ... ويُنَبِّهــ القُمْرِيَّ مِنْ إِغْفَائه

يُصْغِي إِلَيْه يَهُزّ أَعْطَافَ الدُّجَى ... ويُجَدِّدُ الآمَالَ سِحْرُ غِنَائِه

إِسْحَاقُ لم يُوهَبْ عُذوبةَ صَوْتِه ... وعِنَانُ لم تُمْنَح جَمَالَ أَدَائه

أَيْن الصِّنَاعَةُ والفُنُونُ وما حَوَتْ ... في جَنْب صُنْع اللّهِ في أَحْيَائه

النِّيلُ بالفَارُوقِ أَعْذبُ مَوْرِداً ... ماءُ الْحَياةِ ثُمَالَةٌ مِنْ مَائه

علّمتَه صِدْقَ الوَفَاءِ فأَصْبَحتْ ... تَتَحدَّث الدُّنْيا بصِدْق وَفَائه

ومَنَحْتَه خُلُقَ العَطَاءِ فَغَرَّدتْ ... صَدَّاحَةُ الوَادِي بفَضْلِ عَطَائه

لمّا عَلَوتَ مَطَاهُ صَفَّقَ مَوجه ... بِشْراً وأَسْكَتَ وَجْدَه برُغَائه

يَبْدو السَّفِينُ به كما تَبْدو المُنَى ... لليَائِس الْحَيْران في ظَلْمائِه

أو كَالْحَيَاة تَدِبُّ في جِسْمِ امْرِىءٍ ... أَفْنتْ شِكَايتُه فُنونَ إِسَائه

أَوْ كَالصَّبَاحِ لمُدْلِجٍ خَبَطَ الدُّجَى ... فَطَوَاهُ وادِي التِّيه في أَحْشَائه

أَوْ كَالغَمَام رأَتْه أَزْهَارُ الرُّبَا ... مِنْ بَعْدِ ما أَحْتَرقَتْ لطُولِ جَفَائه

أَوْ كابْتِسَامِ السَّعْدِ بَعْدَ قُطُوبِه ... أَوْ كانْقِيَادِ الدَّهْرِ بَعْدَ إِبَائه

يَجْرِي السَّفِينُ وفَوْقَه الملِكُ الَّذِي ... صَفِرتْ يدُ الأَيَّامِ مِنْ نُظَرائه

الدِّينُ والأَخلاقُ مِلءُ جَنانِه ... وجَـــــلالَةُ الأَمْـــــلاكِ مِــــلءُ رِدَائه

يَهْتَزُّ في بُرْدِ الشَّبَابِ كَأنَّهُ ... سَــــيْفٌ يُدِلّ بِمَائِه وَمَضَائِه

والنِّيلُ يَجْتازُ المُروجَ مُبشِّراً ... فتُرددُ الأطْيَارُ مِنْ أَصْدائه

وخَمَائِلُ الوَادِي تَمُدُّ غُصُونَها ... وتَوَدُّ لَوْ فَازَتْ بلَمْحِ ضِيائِه

قَالُوا لَهَا جَاءَ الغَمَامُ فأَقْبَلتْ ... تَسْتَقْبِل الآمالَ في أَنْدَائه

والزَّهْرُ يَختَرِقُ الكِمَامَ لنَظْرةٍ ... فَــــيــــرُدُّه للكِــــمِّ فَــــرْطُ حَيَائه

قَدْ كَانَ يُزْهَى في الرِّياضِ بحُسْنِه ... فرَأَى بَهاءً فَوْقَ حُسْنِ بهَائه

ورَأَى نُصَاراً مِنْ شَبَابٍ يَنْحَني ... أَزْهَى الغُصُون نَضَارةً بإِزَائه

سَعِدَ الصَّعِيدُ وأَهْلُه بزِيَارَةٍ ... بَلَّتْ غَلِيلَ الشَّوْقِ في أَرْجَائه

سَالَتْ إِلَيْكَ به المَدَائنُ والقُرَى ... والبَدْرُ يُغْرِي العَيْنَ باسْتِجْلاَئِهِ

سَدُّوا الشِّعَابَ وأَقْبَلَتْ أَرْسالُهم ... كالزَّاخِرِ الهَدَّارِ في ضَوْضَائه

ما بَينَ حامِلِ قَلْبه بيَمِينِه ... ومُــــثَــــوِّب هَزَّ الرُّبَا بدُعَائه

فانظُر إِلى الوَادي الفَسِيح فَهَلْ تَرَى ... إِلاَّ قُلوباً في فَسِيح فَضائه

كُلٌّ دَعَاهُ الشَّوْقُ فانْتَهَبَ الْخُطَا ... في نَظْرَةٍ تَشْفِيه مِنْ بُرَحَائه

وَطَلَعْتَ كالأَمِل الوَسِيمِ يَحُفُّه ... نُورُ المَهابة في جَلالِ جَلائه

كالبَدْرِ في إِشْرَاقِه والرَّوْضِ في ... إِزْهــــارِه والغَيْثِ في إِسْدَائه

في مَوْكِبٍ بهَرَ الزَّمَانَ فحُيِّرتْ ... عَيْنَاهُ بينَ جَمَالِهِ وَسَرَائه

عَجَزَ المُؤَرِّخُ أَنْ يَرَى أًشْبَاهَه ... فِيما طَوَاه الدَّهْرُ مِنْ أَنْبائِهِ

ما نالَه المَنْصُور في بَغْدادِه ... يَوْماً ولا الأَمْلاكُ من خُلَفَائه

والنِّيلُ لم يَشْهدْ جَلاَلةَ حَفْلِه ... في عَهْدِ خَفْرعهِ ولا مِينَائه

أَرَأَيْت آثارَ المُلوكِ وما بَنَوا ... مِمَّاــ يَضِيقُ الْجنُّ عَنْ إِنْشَائه

وُلِدُوا وشَمْسُ الأُفْقِ في رَيعَانِها ... والدَّهْرُ يَرْفُل في ثِيابِ صِبَائه

دَرَسُوا كِتَابَ الكَوْنِ أَوَّلَ طَبْعةٍ ... ووَعَوْه مِنْ أَلفِ الوُجُود لِيَائه

وأَتْوا مِنَ الإِعْجَازِ ما تَرَكَ النُّهَى ... حَيْرَى فَلمْ تَمْلِكْ سِوَى إِطْرَائه

ذَهَبُوا ولَمْ تَذْهَبْ صَحَائِفُ مَجْدِهِمْ ... وطَواهُمُ المِقْدَارُ في أَطْوَائِهِ

المَجْدُ في الدُّنْيا سِجِلٌّ خَالِدٌ ... تَتَعاقَبُ الأَجْيالُ مِنْ قُرَّائه

فارُوقُ أنْتَ مَناطُ آمَالِ الْحِمَى ... وَسُلالَةُ الأَمْجَادِ مِنْ نُصرَائه

أَعْلَى أَبُوكَ بِنَاءَ مِصْرَ فزَاحَمتْ ... زُهْرَ الكَواكِبِ رَاسِياتُ بِنَائه

وَأَرَى فُؤَاداً فِيكَ في قَسَماتِه ... وَمَـــــضَـــــائِه وذَكَــــائِه وسَــــخَــــائِه

تَبْدُو أَيَادِي الغَيْثِ في زَهْرِ الرُّبَا ... وَيَعِيشُ سِرُّ المَرْءِ في أَبْنَائه

أَشْرِقْ عَلَى الْوَادِي فَأَنْتَ حَياتُه ... وعِمَادُ نَهْضَتِه ومَجْدُ لِوَائه

أَحْيَيْتَ دِينَ اللّهِ في محرَابه ... شُكْراً عَلَى ما تَمَّ مِنْ نَعْمائه

وَوَقَفْتَ بَيْنَ يَدَيْه وِقْفَةَ خاشعٍ ... يَرْجُو مَثُوبَتَه وحُسْنَ جَزَائِهِ

الدِّينُ طِبُّ النَّفْسِ مِنْ آلامِها ... وهِدَايَةُ الْحَيْرَانِ في بَيْدَائه

ما أَجْمَلَ التَّوْفيقَ في شَرْخِ الصبَا ... والعُمْرُ فَيَّاضُ السنَى بفَتائه

للّه مَـــــوْلِدُكَ السَّعـــــِيــــدُ ويَــــوْمُه ... وتَسَابُقُ الآمَالِ في أَجْوَائه

يَومٌ به بَسَطَ السُّرُورُ شُعَاعَه ... وأَعَار ثَوْبَ صَباحِه لِمَسَائه

يَوْمٌ أَغَرُّ كَأَنَّ صَفْوَ سَمَائِه ... صَفْوُ النَّعِيمِ بِظِلِّه ورَخَائه

يَوْمٌ سَرَتْ فيه البَشَائِر حُوَّماً ... تُفْضِي إِلى الدُّنْيَا بسِرُّ عَلاَئه

مَوْلاَي عَهْدُكَ في البِلادِ مُؤَزَّرٌ ... باليُمْنِ فَاهْنَأْ في مَدِيدِ هَنَائه

قطفتْ به مِصْرٌ جَنَى اسْتِقْلاَلِهَا ... وأظَلَّها المُمْتَدُّ مِنْ أفْيائِهِ

وأَطَاحَتْ القَيْدَ العَنيفَ وطَالَما ... عاذَتْ بِرَبِّ النَّاس مِنْ إِيذَائه

والشُّكْرُ في السَّرَّاءِ يَعْظُمُ كُلَّما ... ذَكَرَ الفَتَى ما مَرَّ مِنْ ضَرَّائه

مَولاَي عِشْ للمُلْكِ نَجْمَ سُعُودِه ... وارْفَعْ لِواءَ المَجْدِ في أَنْحَائه

أنْتَ الذي تَحْيا المُنَى بحَياتِه ... وتَسُودُ مِصْرُ وتَعْتَلي ببَقَائه

البحر والقافية

القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.

تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة، مفردات الراغب:

  • الوضاح: وضح: الوَضَحُ: بياضُ الصُّبْحِ والقمرُ والبَرَصُ والغرةُ والتحجيلُ فِي الْقَوَائِمِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأَلوان. التَّهْذِيبُ: الوَضَحُ بَيَاضُ الصُّبْح؛ قَالَ الأَعشى: إِذْ أَتَتْكُمْ شَيْبانُ، فِي وَضَحِ الصُّبحِ، .. … (لسان العرب)
  • بخفائه: (خَفِيَ) الْخَاءُ وَالْفَاءُ وَالْيَاءُ أَصْلَانِ مُتَبَايِنَانِ مُتَضَادَّانِ. فَالْأَوَّلُ السَّتْرُ، وَالثَّانِي الْإِظْهَارُ. فَالْأَوَّلُ خَفِيَ الشَّيْءُ يَخْفَى ؛ وَأَخْفَيْتُهُ، وَهُوَ فِي خِفْيَةٍ وَخَفَاءٍ، إِذ … (مقاييس اللغة)
  • بعلوه: (عَلَوَ) الْعَيْنُ وَاللَّامُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ يَاءً كَانَ أَوْ وَاوًا أَوْ أَلِفًا، أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى السُّمُوِّ وَالِارْتِفَاعِ، لَا يَشِذُّ عَنْهُ شَيْءٌ. وَمِنْ ذَلِكَ الْعَلَاءُ وَالْعُلُوُّ. وَيَ … (مقاييس اللغة)
  • بلؤلؤي: قال تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ﴾ [الرحمن : 22] ، وقال: ﴿كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور : 24] جمعه: لَآلِئٌ، وتَلَأْلَأَ الشيء: لَمَعَ لَمَعان اللّؤلؤ، وقيل: لا أفعل ذلك ما لَأْلَأَتِ الظِّبَاءُ بأذنابه … (مفردات الراغب)
  • بهر: بهر: البُهْرُ: مَا اتَّسَعَ مِنَ الأَرض. والبُهْرَةُ: الأَرضُ السَّهْلَةُ، وَقِيلَ هِيَ الأَرض الْوَاسِعَةُ بَيْنَ الأَجْبُلِ. وبُهْرَةُ الْوَادِي: سَرارَتُه وَخَيْرُهُ. وبُهْرَةُ كُلِّ شَيْءٍ: وسطُه. وبُهْرَةُ الرَّحْلِ … (لسان العرب)
  • جلالها: جَلَلَ: اللهُ الجَليلُ سُبْحَانَهُ ذُو الجَلال والإِكرام، جَلَّ جَلال اللَّهِ، وجَلالُ اللَّهِ: عظمتُه، وَلَا يُقَالُ الجَلال إِلا لِلَّهِ. والجَلِيل: مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَقَدَّسَ وَتَعَالَى، وَقَدْ يُوصَفُ بِهِ الأَمر … (لسان العرب)
  • سمائه: سما: السُّمُوُّ: الارْتِفاعُ والعُلُوُّ، تقول منه: سَمَوْتُ وسَمَيْتُ مِثْلَ عَلَوْت وعَلَيْت وسَلَوْت وسَلَيْت؛ عَنْ ثَعْلَبٍ. وسَمَا الشيءُ يَسْمُو سُمُوّاً، فَهُوَ سامٍ: ارْتَفَع. وسَمَا بِهِ وأَسْماهُ: أَعلاهُ. وَيُق … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • لُبنانُ روضُ الهوى والفنِّ لُبنانُ
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة