يا قبرَ حفني أَجبْني
الشاعر: علي الجارم · البحر: المجتث
هذه القصيدة من شعر علي الجارم، من العصر الحديث، وتقع في 69 بيتًا. نُظمت على بحر المجتث، ورويّها حرف النون.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
يا قبرَ حفني أَجبْني — ماذا صنعتَ بحفني
ماذا صنعتَ بعلْمٍ — وما صنعتَ بفَنّ
وما صنعتَ بفكرٍ — ماضي الشَباةِ وذِهْن
طويتَ خيرَ مَثابٍ — للطائفين ورُكْن
في كلِّ يومٍ رِثاءٌ — لصــــاحــــبٍ أو لخِــــدْن
حتَّى لقد كاد شعري — يبكي لضعفي ووهْني
فإنّما أنا منه — وإنّما هو مني
الوزنُ من نَبْضِ قلبي — والبحرُ من ماءِ جَفني
رحا المنايا رويداً — خلطت طِحْناً بِطِحن
وإنَّما الناس ظَعْنٌ — يسيرُ في إثْرِ ظعْنِ
فما حديدٌ بباقٍ — ولا حِذارٌ بمُغْني
وكلُّ عقلٍ مُضِيءٍ — إلى خــــمــــودٍ وأَفْــــن
يكادُ إن مال غصنٌ — يشكو الزمانَ لغصن
تعساً له كم نُعزِّي — حيناً وحيناً نُهَنِّي
من إجتماعٍ لعُرْسٍ — إلى إجتماعٍ لدفن
والمرءُ يُحيي الأماني — والدهرُ يُبْلي ويُفني
فكم تمنّيتُ لكن — ماذا أفاد التمنِّي
دعني أقلِّبُ طَرْفي — في ظلمَةِ الليِ دعني
حيرانَ أضرِبُ كفي — أسىً وأقرَعُ سِنّي
قد خانني الدهرُ يوماً — يا ليته لم يَخُنِّي
أكلَّما مرّ نعْش — أو طاف نَعْيٌ بأُذْني
طار الفؤادُ فلولا — بقيةٌ ندَّ عني
لولا التُّقَى لم أجدْه — بجانبِي أو يجدْنِي
قالوا أجدتَ المراثي — فـــــــقـــــــلتُ إنَّ وإنِّي
دُموعُ عيني قَريضي — وزَفْرةُ الوجدِ لحني
عَلِّي أداوِي حَزيناً — فالحزنُ يُمْحَيى بحزن
أو يشتفي ببكاءٍ — مَن شأنُه مثلُ شأني
أين النُبوغُ توارَى — يا قبرَ حفني أجبني
أكــــلَّمــــا لاح بــــدرٌ — رمتهُ ريحٌ بدَجْن
وخلّف الأرضَ حَيْرى — سهلٌ يموج بحَزْن
وربّ زهـــــــرٍ شَـــــــذاه — يُزْري بأرواحِ عَدْنِ
كأَنّما منحتْه — ألوانَها ذاتُ حُسْن
جمالُه الغضُّ أغرَى — أغصانَه بالتّثني
غذتْه أَطْبَاءُ طَلٍ — حيناً وأثْداءُ مُزْن
تسري به الريحُ رفقاً — في خشيةٍ وتأنّي
كــــــأنَّهـــــا فَـــــمُ أُمٍ — يَمُرُّ في وجنةِ ابْن
النحلُ ترشُفُ منه — رحــــيقه وتُغَنِّي
تجني ولم تدرِ يوْماً — أنّ الردَى سوف يجني
طغت عليه سَمومٌ — حرَّى كأنفاسِ جِنِّ
فغادرتْهُ رُكاماً — أجفَّ من عودِ تِبن
والدهر أحرَى رفيقٍ — بأن يخونَ ويُخني
يا قبرَ حفني أجبني — وارحم بقيّةَ سنّي
قد راعني منك صَمْتٌ — بحقِّهــ لا تَرُعْني
ففيكَ أمضَى جَناناً — من كلِّ فُصْحٍ ولُسْن
وفيكَ شِعْرٌ نقيٌّ — من كلِّ وَقْصٍ وخَبن
كــــأَنَّهــــ بَــــسَماتٌ — للوصلِ بعد التجنّي
أو نفحةٌ من جميلٍ — طافتْ بأحلام بُثْنِ
أو رَغْوةٌ من سُلافٍ — تفيضُ من رأس دَنّ
كم نكتَة فيه كادت — تخفَى على كُلِّ ظن
مصريةٍ جالَ فيها — ذوقُ الأديبِ المفنِّ
لو كنتَ تعرفُ حفني — لقلتَ زدني وزدني
نحوٌ يصُكُّ الكِسائي — ويزدرِي بابن جِنّي
وإنْ أُثــــيــــرَ جِــــدالٌ — رأيتَه خيرَ قِرْن
العلمُ أمضَى سلاح — له وأوْقَـــــى مِـــــجَــــنّ
قد كان ضخماً جَسيماً — يبدو كشامخِ حِصْنِ
اللحمُ رِخْوٌ بدين — له نعومةُ قُطن
والصدرُ رَحْبٌ فسيحٌ — ما جاش يوماً بضغْن
في وجهه الجهم حسنٌ — من روحهِ المتسكنّ
قد زارني ذاتَ يومٍ — في وقتِ قَيْظٍ وكِنّ
فكان أُنْساً تدانتْ — به المُنَى بعد ضَنّ
فاض الحديثُ زُلالاً — عذْباً وما قال قَطْني
فُكاهةٌ من لَدُنْه — ونكتةٌ من لدُنّي
في الأُذن قهوْةَ كَرْمٍ — والكف قهوةُ بُنِ
أروِي ويَرْوِي القوافي — كالدرِّ وزناً بوزن
يا مجلساً عاد وجْداً — يُذْكي الفؤادَ ويُضْني
ضاع الصبا ورجَعْنا — منه بصَفْقةِ غَبْن
حفني سلاَمٌ ونورٌ — لقلبكَ المطمئن
فارقتَ أهلاً وسَكْناً — لخيرِ أهْلٍ وسَكن
تَثْني إليكَ القوافي — أعناقَها حين تُثني
البحر والقافية
القصيدة على بحر المجتث. بحر قصير قليل الاستعمال، سُمّي مجتثًّا لاجتثاث أجزائه (اقتطاعها).
تفعيلاته: مستفعِ لن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف النون — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الوزن: وزن: الوَزْنُ: رَوْزُ الثِّقَلِ والخِفَّةِ. اللَّيْثُ: الوَزْنُ ثَقْلُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ مثلِه كأَوزان الدَّرَاهِمِ، وَمِثْلُهُ الرَّزْنُ، وَزَنَ الشيءَ وَزْناً وزِنَةً. قَالَ سِيبَوَيْهِ: اتَّزَنَ يَكُونُ عَلَى الِاتِّخَا … (لسان العرب)
- بحفني: حفن: الحَفْنُ: أَخذُكَ الشيءَ بِرَاحَةِ كَفِّكَ والأَصابعُ مضمومةٌ، وَقَدْ حَفَنَ لَهُ بِيَدِهِ حَفْنةً. وحَفَنْتُ لِفُلَانٍ حَفْنَةً: أَعطيتُه قَلِيلًا، وملْءُ كلِّ كفٍّ حَفْنةٌ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ أَبي بَكْرٍ، رَضِيَ اللّ … (لسان العرب)
- بعلم: علم: مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ العَلِيم والعالِمُ والعَلَّامُ؛ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ، وَقَالَ: عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ*، وَقَالَ: عَلَّامُ الْغُيُوبِ*، فَهُوَ اللهُ ال … (لسان العرب)
- بفكر: فكر: الفَكْرُ والفِكْرُ: إِعمال الْخَاطِرِ فِي الشَّيْءِ؛ قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَلَا يُجْمَعُ الفِكْرُ وَلَا العِلْمُ وَلَا النظرُ، قَالَ: وَقَدْ حَكَى ابْنُ دُرَيْدٍ فِي جَمْعِهِ أَفكاراً. والفِكْرة: كالفِكْر وَقَدْ فَكَر … (لسان العرب)
- حفني: حفن: الحَفْنُ: أَخذُكَ الشيءَ بِرَاحَةِ كَفِّكَ والأَصابعُ مضمومةٌ، وَقَدْ حَفَنَ لَهُ بِيَدِهِ حَفْنةً. وحَفَنْتُ لِفُلَانٍ حَفْنَةً: أَعطيتُه قَلِيلًا، وملْءُ كلِّ كفٍّ حَفْنةٌ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ أَبي بَكْرٍ، رَضِيَ اللّ … (لسان العرب)
- رثاء: رثأ: الرَّثيِئةُ: اللَبنُ الحامِضُ يُحْلَب عَلَيْهِ فَيَخْثُر. قَالَ اللِّحْيَانِيُّ: الرَّثِيئة، مَهْمُوزَةً: أَن تَحْلُب حَليباً عَلَى حامِضٍ فَيَرُوبَ ويَغْلُظَ، أَو تَصُبَّ حَلِيباً عَلَى لَبَنٍ حامِضٍ، فَتَجْدَحَه ب … (لسان العرب)
- لخدن: خدن: الخِدْنُ والخَدِين: الصديقُ، وَفِي الْمُحْكَمِ: الصاحبُ المُحدِّثُ، وَالْجَمْعُ أَخْدانٌ وخُدَناء. والخِدْنُ والخَدِينُ: الَّذِي يُخَادِنُك فَيَكُونُ مَعَكَ فِي كُلِّ أَمر ظَاهِرٍ وَبَاطِنٍ. وخِدْنُ الْجَارِيَةِ: مُ … (لسان العرب)