بَـكَـيْـنـا النُّضـارَ الْحُـرّ والحـسَـبَ العَدَِّا
الشاعر: علي الجارم · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة شوق
هذه القصيدة من شعر علي الجارم، من العصر الحديث، وتقع في 58 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الدال، وغرضها قصيدة شوق.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
بَـكَـيْـنـا النُّضـارَ الْحُـرّ والحـسَـبَ العَدَِّا — بـكَـيْـنـا فـمـا أغـنَـى البكاءُ ولا أجدَى
بــكــيْــنَــا لعــلَّ الدمـعَ يُـطـفـىءُ حُـرْقـةً — مــن الشــوقِ فــاودادت بِــتَـذْرافِه وقْـدا
حُـــشـــاشـــةُ نـــفــسٍ صُــوِّرتْ فــي مــدامــعٍ — وجَــذْوةُ نــارٍ فــي الْحَــشـا سُـمِّيـتْ وجـدا
ولوعــــةُ مــــكــــلوم الفــــؤادِ وســــادُه — يـــحـــنُّ له قُـــربـــاً فـــيـــوُسِـــعُه صـــدّا
يُــقــلِّبُ طَــرْفــاً فـي الظـلامِ مـن الأسـى — ويُــرســلُ فــي الآفــاق أنــفــاسَه صـهْـدا
بــكَـيْـنـا ومـا تـبـكـي الرجـالُن وإنـمـا — يـعـودُ الفـتـى للطـبـعِ إن لم يـجـد بُدّا
هـو القَـدَرُ المـاضـي إذا انـسـاب سـهـمُه — فــلن يــســتــطــيــعَ العــالَمــون له ردّا
هــو الدهــرُ مــا بــضَّتــْ بـخـيـرٍ يـمـيـنُه — يُــجــمِّعــنــا ســهــواً ويــنــثُـرنـا عـمـدا
يُــجــرِّدُ ســيــفـاً فـي الظـلامِ مـن الردَى — ويــخـبِـطُ لا يُـبـقـي مـليـكـاً ولا عـبـدا
مـــصـــابٌ أصـــاب الهـــاشــمــيــةَ ســهــمُه — وهـــدَّ مـــن العــليــاء أركــانَهــا هــدَّا
وغــال شــبــابَ المُــلكِ فــي عُــنْــفُــوانِه — وأطــفـأ نُـور الشـمـسِ واخـتـرم المـجـدا
وطــــار بــــأحــــلامٍ وفـــرَّق أنـــفـــســـا — شَـعـاعـاً تـرَى نُـورَ السـبـيـلِ ومـا تُهْـدَى
حُــشُــودٌ عــلى الآلامِ والحــزن تــلتـقـي — يــقــاســمُ حَــشْــدٌ فــي رَزيــئتــهِ حــشــدا
فـــفـــي كـــلِّ قـــلبٍ مـــأتَـــمٌ ومَــنــاحــةٌ — وفـــي كـــلِّ دارٍ أنَّةـــٌ تـــصــدَعُ الصــلْدا
وفــــي كـــلِّ أرض للعُـــروبـــةِ صـــيـــحـــةٌ — إذا ردَّدتــهــا أبــكـتِ التـركَ والهـنـدا
فـــقـــدنــاه ريَّاــنَ الشــبــابِ تــضــوَّعــت — شــــمــــائلُه مِــــســـكـــاً وآثـــارُه نَـــدّا
فــقــدنــاه والأحْــداثُ تَـغْـشَـى غُـيُـومُهـا — وتـــنـــتــظــمُ الآفــاق عــابــســةً رُبْــدا
فــقــدنــاه والآمــالُ تــومــي بــإِصْــبَــعٍ — إليـــه وتـــمـــتـــدُّ العُـــيـــونُ له مَــدّا
فــقــدنــاه أزهَــى مــا نــكــونُ بــمـثـله — وأعــلَى بــه كــعــبــاً وأقَــوى بـه زَنْـدا
فــقــدنــاه ســيـفـاً هـاشـمـيـاً إذا سـطـت — ســيــوفُ الليــالي كــان أرهــفَهــا حــدّا
حُــــســـامٌ بـــكـــفِّ اللّهِ كـــان صِـــيـــالُه — فــأصــبــحــتِ الأرضُ الطــهــورُ له غِـمـدا
ورُوحٌ سَــرى الســارون فــي نــورِ هَــدْيــه — فـلم يُـخْـطِـئوا للمـجـدِ نَهْـجـاً ولا قصدا
أطــلَّ عــليــهــم مــن بــعــيــدٍ فــشــمَّروا — إلى قِــمَّةــِ الدنــيــا غَــطــارِفــةً جُــردا
إذا بــــعُــــدت آمــــالُهــــم فـــتـــردَّدوا — دعاهم إلى الإقدامِ فاتسقربوا البعدا
يــقــودُهــمُ الغــازي إلى خــيــر غــايــةٍ — فــأكْــرِمْ بـه مَـلكـاً وأكْـرِمْ بـهـم جُـنـدا
نـــســـورٌ إذا طـــاروا ليـــومِ كــريــهــةٍ — وإن بـطـشـوا يـوم الوغـى بـطـشـوا أُسْدا
سَــلِ الســيـفَ عـنـهـم كـيـف صـال بـكـفِّهـم — شُـيـوخـاً لهـم قـلبُ الجـلامـيـد أو مُرْدا
كـــأَنَّ غـــبــارَ النــصــر فــي لَهَــواتِهــم — سُــلافٌ مــن الفِــرْدوسِ مــازجــتِ الشّهــدا
أولئك أبـــنـــاءُ الفُــتــوح التــي زهــا — بـهـا الديـن واجـتـاح المـمالكَ وامتدّا
لهــم فــي سِــجــلِّ المــجــد أوَّلُ صــفــحــةٍ — كــفــاتــحــةِ القــرآنِ قــد مُــلِئت حـمـدا
ومَــن كــتــب النــصـرَ المـبـيـنَ بـسـيـفـهِ — عـلى جَـبْهـةِ الدنـيـا فـقـد كـتب الْخُلْدا
حـــمـــامـــةَ وادي الرافـــديْــنِ تــرفَّقــي — بـعـثـتِ الجـوىَ مـا كـان مـنـه ومَـا جَـدّا
حــنــانَـكِ إنّ الصـبـرَ مـن زيـنـةِ الفـتـى — إذا غــاص فـي ظـلمـائِه الأمـرُ واشـتـدّا
طــرحــنــا رِداءَ اليــأسِ عــنَّاــ بَـوَاسـلاً — وإنْ هــــزّنــــا يـــومُ العِـــراقِ وَإنْ أدّا
حـمـامـةَ وادي الرافـديـنِ ابـعثي الهَوى — حـنـيـنـاً فـمـا أحـلى الحـنينَ ومَا أشْدَى
فـــفـــي النـــيـــل أرواحٌ تــرِفُّ خــوافــقٌ — تــقــاســمُــكِ التــاريـخَ والديـنَ والوُدّا
ظِــــمـــاءٌ إلى مـــاءٍ بـــدِجْـــلةَ سَـــلْسَـــلٍ — تـــودُّ بـــنــور العــيــن لو رأتِ الوِردا
إذا مـــسّـــتِ البـــأســـاءُ أذْيــالَ دِجــلةٍ — قـرأتَ الأسَـى فـي صـفحةِ النيل والكَمْدا
وَإن طُــرِفــتْ عــيــنٌ بــبــغــدادَ مـن قـذىً — رأيــتَ بــمــصــرٍ أعــيــنــاً مُــلِئتْ سُهــدا
إخــاءٌ عــلى الفــصــحَــى تــوثَّقــ عَــقْــدُه — وشُـــدَّت عـــلى الإيــمــانِ أطــرافُه شــدّا
لنــا فــي صــمــيــمِ المــجـد خـيـرُ أبّـوةٍ — زُهـيـنـا بـهـا أصـلاً وتـاهـت بـنـا وُلْدَا
مــضَــى الهــاشــمـيُّ السَـمْـحُ زيـنُ شـبـابِه — وأعــــرقُهــــم خـــالاً وَأكـــرمُهـــم جـــدَّا
أطــلّت شــمــوسُ الديــنِ مــن حُــجُــراتِهــم — عــــلى الكـــون لا وهْـــداً ولاَ نـــجـــدا
خــطــطــنــا له لحــداً فــضــاق بــنــفـسـهِ — وَإِنّ له فــــي كــــل جــــانــــحـــةٍ لحـــدا
فــتــى تــنُــبــتُ الآمــالُ مـن غـيـثِ كـفِّه — فـــــلله مـــــا أوْلَى وَللّه مــــا أسْــــدَى
أتــيــنــا إلى بــغــدادَ والقــلبُ واجــفٌ — يُهـــزُّ جَـــنـــاحـــاً لا يــقَــرُّ ولا يَهْــدَا
تُــطــوِّحــنــا الصــحــراءُ ليــس بـعـيـدُهـا — بــــدانٍ وَلم نــــعـــرِف لآخـــرِهـــا حـــدّا
كـــأنّ الرمـــالَ الْجــاثــمــاتِ بــأرضِهــا — جِــمــالٌ أنــاخــتْ لا تُــســاقُ ولا تُـحـدَى
عـددنـا بـهـا السـاعـاتِ حـتـى تـركـنـنـا — وقــد ســئِمــتْ مــنــهــا أصــابـعُـنـا عَـدّا
أتـــيـــنـــا نـــؤَدَّى للعـــرُوبـــةِ حــقَّهــا — يـــســـابـــقُ وَفْـــدٌ فـــي تـــلهُّفــِه وَفــدا
يُـــحـــمِّلــنــا النــيــلُ الوفــيُّ تــحــيــةً — وَيُهــدي مــن الآمــالِ أكــرمَ مــا يُهــدى
عـــزاءً مـــضــى الغــازي كــريــمــاً لربِّه — فـمـا أعـظـمَ الْجـلَّي وَمـا أفـدحَ الفـقدا
عــزاءً فــفــيــنــا فــيــصـلٌ شِـبْـلُ فـيـصـلٍ — نَــرى فـي ثـنـايـا وَجـهِه الأسـدَ الورْدا
له فــي اســمــه أوفَــى اتــصــالٍ بــجــدِّه — فــيــا حــســنَه فــأْلاً ويــا صـدقَه وعـدا
بــدا نــجـمُه فـي الشـرقِ يُـمْـنـاً ورحـمـةً — وأشـــرق فـــي الأيـــامِ طـــالعُه ســعــدا
عــــهِــــدتـــم إلى عـــبـــد الإله وإنـــه — لأكــرمُ مــن يـرعَـى القـرابـةَ والعـهـدا
إذا رنـــتِ الآمـــالُ كـــان ثِـــمـــالَهـــا — وإنْ حـــارتِ الآراءُ كـــان لهـــا رُشْـــدا
ســلامٌ عــلى الغـازي سـلامٌ عـلى النـدى — إذا مـا بـكَـى مـن بـعـدهِ التِّرْبَ والندَّا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الدال — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- النضار: النُّضَارُ : الخالص من كل شيء؛ قدَحٌ من بلَّورٍ نُضار. -: الذَّهبُ؛ لها سِوارٌ من نُضار. -: شجرُ أَثْل وَرْسِيُّ اللون بِغَوْر الحجاز؛ أهدى إليٌ قَدَحًا من نضار.
- انساب: انْسَابَ يَنْسَابُ اِنْسَبْ انْسِيَاباً [ سيب ] : مشى مسرعاً؛ انسابت المِياهُ رقراقة في الجدول.- في كلامه: أفاض من غير تفكير ولا رويّة.- تِ الحية: تدافعت في زحفها.
- بكينا: البُكا يُمَدُّ ويُقْصَرُ، فإذا مددت أردت الصوتَ الذي يكون مع البكاء، وإذا قَصَرْتَ أردت الدموعَ وخروجها. قال الشاعر [[الشعر لكعب بن مالك الانصاري.]] : بَكَتْ عَيْني وحَقَّ لها بُكاها * وما يُغْني البُكاءُ ولا العَويلُ وب …
- سهمه: السُّهْمَةُ : الحظُّ والنَّصيبُ--: القرابة؛ تربطني به سُهْمَة ج سُهَم.
- صدا: صدأ: الصُّدْأَةُ: شُقْرةٌ تَضْرِبُ إِلَى السَّوادِ الغالِبِ. صَدِئَ صَدَأً، وَهُوَ أَصْدَأُ والأُنثى صَدْآءُ وصَدِئةٌ، وَفَرَسٌ أَصْدَأُ وجَدْيٌ أَصْدَأُ بيِّن الصَّدَإِ، إِذَا كَانَ أَسودَ مُشْرَباً حُمْرةً، وَقَدْ صَدِ …