مَنْ مُجيرِي مِنْ حالِكات اللّيالي

الشاعر: علي الجارم · البحر: الخفيف

هذه القصيدة من شعر علي الجارم، من العصر الحديث، وتقع في 77 بيتًا. نُظمت على بحر الخفيف، ورويّها حرف اللام.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

مَنْ مُجيرِي مِنْ حالِكات اللّيالي ... نُــــوَبَ الدَّهْرِ مالكُن وماليِ

قد طَواني الظلامُ حتّى كأنِّي ... في دَيَاجي الوجودِ طَيفُ خَيَالِ

كــــــلُّ ليــــــلٍ لهُ زَوالٌ ولَيْــــــلي ... دقَّ أطـــــنـــــابَهُ لِغَـــــيـــــرِ زَوَال

كــــلُّ ليــــل له نــــجــــومٌ ولكــــنْ ... أينَ أمثالهُنَّ من أمثالي

تَثِبُ الشّمسُ في السماءِ وشَمْسي ... عُقِلَتْ دُونَها بألْفِ عِقَالِ

لا أرَى حِينما أرَى غَيرُ حَظِّي ... حَــــالِكَ اللَّونِ عَــــابِسَ الآمالِ

هو جُبُّ أعِيشُ فيه حزيناً ... كاسِفَ النَّفسِ دائمَ الْبَلْبَالِ

ما رأتْ بَسْمةَ الشُّموسِ زَوَايا ... هُ ولا دَاعَبتْ شُعَاعَ الْهِلال

فإذا نِمْتُ فالظلاَّمُ أمامِي ... أَوْ تيقَّظْتُ فالسَّوادُ حِيالي

أتَقَرَّى الطّريقَ فيه بِكَفِّي ... بــــيــــن شَــــكٍ وحَــــيْرَةٍ وضَلال

وأُحِــــسُّ الهواءَ فهْوَ دَلِيليِ ... عن يَميني أَسِيرُ أوْ عَنِ شِمالي

كُلّما رُمْتُ منه يَوْماً خَلاصاً ... عَجَزتْ حِيلَتي ورَثَّتْ حِبالي

عَبَثاً أُرْسِلُ الأنِينَ مِن الْجُبِّ إلى ... سَاكِني القُصُورِ العَوالي

مَنْ لسَارٍ بِلَيْلةٍ طولُها العُمْرُ ... يَـــــجُـــــوبُ الأَوْجــــالَ لِلأَوْجــــالِ

مُــــتَــــردٍ في هَاوياتِ وِهادٍ ... لاهِثٍ فوقَ شامِخَاتِ جِبال

عند صَحْراءَ للأعاصيرَ فيِها ... ضَحِكُ الْجِنِّ أو نَحيبُ السَّعالي

لم يَزُرْها وشْيُ الرّبيع ولكنْ ... لك ما شئْتَ من نسيجِ الرِّمال

لَيْس للطيرِ فوقَها من مَطارٍ ... أو بَنِي الإِنْسِ حَوْلَها من مَجال

خَلَقَ اللّه قَفْرَها ثم سَوَّى ... من ثَراهُ أنامِلَ البُخَّالِ

رَهْبةٌ تَملأُ الْجَوانِحَ رُعْباً ... وأَدِيــــمٌ وَعْــــرٌ كــــحدِّ النِّصَالِ

وامتدادٌ كأنَّهــ الأمَلُ الطَّا ... ئشُ مَــــا ضــــاقَ ذَرْعُهُ بــــمُحَالِ

سارَ فيها الأعمَى وَحِيداً شريداً ... حائراً بينَ وَقْفَةٍ وارْتِحالِ

في هَجِيرٍ ما خَفَّ حَرُّ لَظَاه ... بِنَسيمٍ ولا ببرْدِ ظِلاَلِ

مَلَّ عُكّازُه من الضَّرْبِ في الأر ... ضِ عــــلى خَــــيْبةٍ ورِقَّةِ حال

يَرْفَعُ الصّوْتَ لا يَرَى مِنْ مُجِيبٍ ... أَقْفَرَ الكَوْنُ من قُلُوبِ الرّجال

مَنْ لِهَاوٍ في لُجَّةٍ هِيَ دُنْيا ... هُ وأَيَّاــــمُ بُــــؤسِه المُــــتَــــوَالي

ظُلَمٌ بَعضُها يُزاحِمُ بعْضاً ... كَــــلَيــــالٍ كــــرَرْنَ إِثْرَ لَيالي

يَفْتَحُ المَوْجُ ماضِغَيْهِ فَيَهْوِي ... ثمّ يطْفُو مُحطَّمَ الأوْصال

لا تَرَى منه غيرَ كَفٍ تُنادِي ... حينما عَقَّهــ لسانُ المَقَالِ

والرِّياحُ الرِّياحُ تَعْصِفُ بِالْمِسِكينِ ... عَـــــصْـــــفَ الأيّــــامِ بــــالآجــــالِ

يَسْمَعُ السُّفْنَ حَوْلَه ماخِراتٍ ... مَنْ يُبَالِي بمِثْلهِ مَنْ يُبالِي

يسمعُ الرَّقْصَ والأهَازيج تَشْدُو ... بَيْنَ وَصْلِ الْهَوَى وهَجْرِ الدَّلالِ

شُغِلَ الْقوْمُ عنه بالقَصْفِ واللَّهْوِ ... وهامُوا بِحُبِّ بِنْتِ الدَّوَالي

ما لَهُمْ والصَّريعَ في غَمْرةِ اللُّجِّ ... يَــــصُــــدُّ الأهْــــوَالَ بالأهْوَالِ

لا يُريدُون أنْ يُشَابَ لهم صَفْوٌ ... بِـــــنَـــــوْحٍ للبُـــــؤْسِ أو إِعْـــــوَالِ

هكذا تُمْحلُ القُلوبُ وأَنْكَآ ... أن تُباهَى بذلكَ الإِمْحال

هكَذا تُقْبَرُ المُروءةُ في النّا ... س ويُقْضَى على كَرِيمِ الْخِلال

مَنْ لهذا الأعْمى يَمُدُّ عصَاه ... عاصِبَ البَطْنِ لم يَبُحْ بسُؤَالِ

مَنْ رآهُ يَرَى خَليطاً من البُؤ ... سِ هَزيلاً يَسِيرُ في أسْمَالِ

هو في مَيْعَةِ الصِّبا وتَراهُ ... مُطْرِقَ الرَّأسِ في خُشُوعِ الكِهَالِ

ساكناً كالظَّلاَمِ يَحْسَبُهُ الرَّا ... ءُونَ معْنىً لليأسِ في تِمْثَالِ

فَقَد الضَّوْءَ والحياةَ وهل بَعْد ... ضِياءِ العَيْنَيْن سَلْوَى لِسالِ

مَطَلَتْهُ الأيّامُ والناسُ حَقا ... فَقَضَى عَيْشَه شَهِيدَ المِطَال

ما رَأَى الرَّوْضَ في مَآزِرِهِ الْخُضْرِ ... يُبَاهِي بحُسْنِها ويُغَالي

ما رَأى صفْحةَ السماءِ وَمَا رُكِّبَ ... فيها مِنْ باهِرَاتِ الّلآلي

ما رَأى النِّيلُ في الْخمائلِ يَخْتَا ... لُ بأذيالِهِ العِراضِ الطِوالِ

ما رَأى فِضَّةَ الضُّحَى في سَنَاها ... أوْ تَمَلَّى بعَسْجَدِ الآصالِ

فدعوه يَشْهَدْ جَمَالاً من الإحْسَانِ ... إنْ فـــــائه شُهُـــــودُ الْجَـــــمـــــالِ

ودعوه يُبْصِرْ ذُبَالاً من الرَّحْمَةِ ... إنْ عَـــــقَّهـــــ ضِــــيــــاءُ الذُّبَــــالِ

قد خَبَرْتُ الدُّنيا فلم أرَ أَزْكَى ... مِنْ يَمينٍ تفتَّحتْ عَنْ نَوال

أيُّها الوَادِعُون يَمْشُون زَهْواً ... بَيْنَ جَبْرِيّةٍ وبَيْنَ اخْتِيالِ

يُنْفقُون القِنْطارَ في تَرَفِ العَيْشِ ... ولا يُحْسنون بالمِثْقالِ

ويَروْنَ الأَمْوالَ تُنْثَرُ في اللّهْوِ ... فـــــلا يَـــــجْــــزَعــــون لِلأَمْــــوَالِ

إِن في بَلْدَةِ المُعِزِّ جُحُوراً ... مُتْرَعاتٍ بأدْمُعِ الأَطْفالِ

كلُّ جُحْرٍ بالبُؤْسِ والفَقْرِ مملو ... ءٌ ولكــــــنّه مـــــن الزَّادِ خـــــالي

بَسَقَتْ فيه للجَرَاثيمِ أفْنا ... نٌ تــــدلَّتْ بــــكــــلِّ داءٍ عُــــضَــــالِ

لوْ رأيتَ الأشباحَ مِنْ ساكنيه ... لرَأيْتَ الأطْلالَ في الأطْلالِ

يَرْهَبُ النُّورُ أنْ يمرَّ به مَرَّا ... وتَــــخْشَى أذَاهُ ريحُ الشَّمَالِ

تَحْسِبُ الطفلَ فِيه في كَفَنِ الموْ ... تَى وقَدْ ضمَّهــ الرِّدَاء البالي

أيّها الأغنياءُ أين نَداكُمْ ... بَلَغ السّيْلُ عالياتِ القِلالِ

هُمْ عِيالُ الرَّحمنِ ماذا رأيتُمْ ... أَو صَنَعْتُم لهؤلاءِ العِيالِ

رُب أعْمَى له بصيرةُ كَشْفٍ ... نَفدَتْ من غَيَاهِبِ الأَسْدالِ

أَخذ اللّه مِنهُ شيئاً وأَعْطَى ... وأعَاضَ المِكْيالَ بالْمِكْيالِ

يَلْمَحُ الْخطْرةَ الْخفِيَّةَ للنَّفْ ... سِ لها في الصُّدورِ دَبُّ النمَالِ

ويَرَى الحقَّ في جَلالةِ معنا ... هُ فيحيا في ضَوْءِ هذا الْجَلالِ

كان شَيْخُ المَعَرَّةِ الكَوْكَبَ السَّا ... طِعَ في ظُلْمةِ القُرُونِ الْخَوالي

فأتى وهْوَ آخِرٌ مِثلَما قا ... لَ بما نَدَّ عَنْ عُقُولِ الأَوالي

أنقِذُوا العَاجزَ الفَقيرَ وصُونُوا ... وَجْهَهُ عـــــن مَـــــذلَّةٍ وابْــــتِــــذَالِ

علِّموهُ يَطْرُقْ مِنَ العَيْشِ باباً ... وامْنَحُوه مَفَاتِحَ الأَقْفَالِ

لا تضُمُّوا إلى أَسَاهُ عَمَى الْجَهْ ... لِ فيلْقَى النكَالَ بَعْد النكَالِ

كُلُّ شيءٍ يُطَاقُ مِنَ نُوَبِ الأَيَّامِ ... إِلاَّ عَـــــــمَـــــــايــــــةَ الْجُهّــــــالِ

علِّموه فالعِلْمُ مِصْباحُ دُنْيا ... هُ ولا تكْتفُوا بصُنْعِ السِّلالِ

إِنْ جَفَاهُ الزّمانُ والآلُ والصَحْ ... بُ فكونوا لِمِثْله خيرَ آلِ

نزلَ الوَحْيُ في التَّرَفُّقِ بالأع ... مَــــى وبسْطِ اليديْنِ للسُّؤَالِ

سوف تتلو الأجيالُ تاريخَ مِصْرٍ ... فأعِدُّوا التاريخَ لِلأَجْيالِ

بالأيادِي الحِسانِ يُمْحَى دُجَى البؤ ... سِ وتَسْمُو الشعوبُ نَحوَ الكَمالِ

يَذْهبُ الفقرُ والثَّراءُ ويَبْقى ... ما بَنَى الخيِّرونَ من أَعْمالِ

البحر والقافية

القصيدة على بحر الخفيف. من أعذب البحور وأكثرها شيوعًا بعد الطويل والكامل، خفيف على السمع يصلح لأغراض كثيرة.

تفعيلاته: فاعلاتن مستفعِ لن فاعلاتن.

القافية: رويّها حرف اللام، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:

  • حالكات: حلك: الحُلْكة والحَلَكُ: شِدَّةُ السَّوَادِ كَلَوْنِ الْغُرَابِ، وَقَدْ حَلِكَ. وَيُقَالُ للأَسود الشَّدِيدِ السَّوَادِ حالكٌ، وَقَدْ حَلَكَ الشَّيْءُ يَحْلُكُ حُلُوكةً وحلُوكاً واحْلَوْلكَ مِثْلَهُ: اشْتد سَوَادُهُ. وأَ … (لسان العرب)
  • داعبت: دعب: داعَبَه مُداعَبةً: مازَحَه؛ وَالِاسْمُ الدُّعابةُ. والمُداعَبةُ: المُمازَحةُ. وَفِي الْحَدِيثِ: أَنه عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَانَ فِيهِ دُعابةٌ؛ حَكَاهُ ابْنُ الأَثير فِي النِّهَايَةِ. وَقَالَ: الدُّعابةُ المِزاحُ. وَ … (لسان العرب)
  • دياجي: دَيَجَ: الدَّيَجانُ: الْكَبِيرُ مِنَ الجَرادِ؛ حَكَاهُ أَبو حَنِيفَةَ. ابْنُ الأَعرابي: داجَ الرجلُ يَديجُ دَيْجاً ودَيَجاناً إِذا مَشَى قَلِيلًا. شِمْرٌ: الدَّيَجانُ الْحَوَاشِي الصِّغَارُ؛ وأَنشد: باتَتْ تُداعي قَرَباً … (لسان العرب)
  • زوال: زول: الزَّوَال: الذَّهاب والاسْتِحالة والاضْمِحْلال، زَالَ يَزُول زَوَالًا وزَوِيلًا وزُؤُولًا؛ هَذِهِ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ؛ قَالَ ذُو الرُّمَّةِ: وبَيْضاء لَا تَنْحاشُ مِنَّا وأُمُّها، ... إِذا مَا رَأَتْنا زِيلَ مِنَّا … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • لُبنانُ روضُ الهوى والفنِّ لُبنانُ
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة