ذُؤابةُ مجدٍ ما أجلَّ وما أسْمَى
الشاعر: علي الجارم · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة مدح
هذه القصيدة من شعر علي الجارم، من العصر الحديث، وتقع في 57 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الميم، وغرضها قصيدة مدح.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
ذُؤابةُ مجدٍ ما أجلَّ وما أسْمَى ... ووثْبَةُ شَأْوٍ كاد يستبقُ النجمَا
وماذا يقولُ الشعْرُ والوهْمُ جُهْدُه ... وقَدْرُ عَليٍّ يبَهرُ الشعْرَ والوَهْما
وأنّى يمدُّ ابنُ القوافي جَناحَهُ ... إلى رقمةٍ شمَّاءَ أعجزتِ العُصْما
يضيقُ البيانُ العبقريُّ مَهابةً ... إذا لمح الآثارَ والحسَبَ الضخْما
يَهُمُّ فيعروه القُصورُ فينثني ... وقد كان يقتادُ النجومَ إذا هَمّا
ومَنْ رامَ تصويرَ الملائِكِ جاهداً ... فكيف له أنْ يُحكِمَ النقشَ والرسمْا
رُوَيْدَكَ قلْ يا شعرُ ما تستطيعُهُ ... وغرِّدْ بما لا تستطيعُ له كَتْمَا
إذا اليَمُّ أعيا أن تُلِمَّ بِحَدِّهِ ... فيكفيك عند الشَّطِّ أن تصفَ اليَمَّا
ويكفيك أنْ تدعو أبا الطبِّ باسمِهِ ... فإنَّ العُلا صارتْ له لَقَباً واسما
فقلْ وانثُرِ الأزهارَ فوق مناقبٍ ... تماثلُها حُسناً وتشبهُها شَمّا
وخُذْ من فَم الدنيا الثناءَ فطالما ... أشادتْ به نثراً وغنّتْ به نظما
وحدِّث به الآفاقَ إنْ شئتَ إنَّها ... وقد عَرَفَتْهُ لن تزيدَ به عِلمْا
دعوني أوفِّيــ بالقريضِ ديُونَه ... فقد عاد غُرْماً ما توهمتُه غُنْما
سَمَوْتُ إليه والظلامُ يلُفُّني ... فيملؤُني رُعْباً وأمْلؤُه هَمَّا
أسيرُ وفي قلبي من الحزنِ لوعةٌ ... تكادُ تُذيبُ الصُّمِّ لو مسَّتِ الصُّمَّا
تركتُ ببيتي جُنَّةً آدميّةً ... كأنَّ هلالَ الشكِّ كان لها جسما
شكتْ سُقْمَها حتى بكاها وِسادُها ... وكاد عليها يشتكي السُّهْدَ والسُّقُما
يمزِّقها الموتُ العنيفُ صِراعُهُ ... بأظفاره حُمْراً وأنيابِه سُحما
ففي البطن قَرْحٌ لا يكُفُّ لهيبُه ... وفي الرأس نارٌ لا تبوخُ من الْحُمَّى
إذا قلبَتْها العائداتُ حَسِبْنها ... خَيالاً فلا عَظْماً يَرَيْنَ ولا لحما
وقد وقف الطبُّ الحديثُ حِيالَها ... عَيِيّاً يكادُ العجزُ يقتُله غمّا
وغادرها جَمْعُ الأساةِ كأنّهم ... طيورٌ رمَى الرامي بدَوْحَتِها سَهْما
فلم يبقَ إلاَّ اليأسُ واليأسُ قاتلٌ ... وأقتلُ منه نِيَّةٌ لم تجِدْ عَزْمَا
فقلتُ عليٌّ ليس للأمرِ غيرُه ... إذا ما أدار الدهرُ صفحتَه جَهْما
أبو الحسنِ الْجَرّاحُ فخرُ بلادِهِ ... وأكرمُ مَنْ يُرْجَى وأشرفُ من يُسْمَى
فَزُرْ داره يلقاكَ قبل ندائِه ... فَثَمَّ الذي ترجوه من أملٍ ثَمّا
فما سرتُ نحو البابِ حتى رأيتُه ... تقدَّمَ بسَّامَ الأساريرِ مهتمّا
وقد فهِمَتني عينُه وفهمْتُه ... وكان بحمدِ اللّهِ أسرَعَنا فهما
وجاء وجِبْريلُ الأمينُ أمامَهُ ... يَمُدُّ جَناحاً من حَنانٍ ومن رُحْمَى
وجــــسَّ مكانَ الداءِ أَوَّلَ نَظرةٍ ... كأنَّ له عِلْماً بموضِعه قِدْما
فما هو إلاّ مِبْضَعٌ في يمينِه ... أطاح بناب الموتِ واستأصل السُّمَا
وردّ إلى أهــــلي حياةً عزيزةً ... وبدّلهم من بُؤسِ أيامِهم نُعْمى
متى ذكروه في خُشوعٍ تذكَّروا ... مآثِرَهُ الْجُلَّى ونائَله الْجَمّا
إذا ما امرؤ أهدَى الحياةَ لميِّتٍ ... فذلك قد أهدَى الوجودَ وما ضَمَّا
له مِبْضَعٌ تجري الحياةُ بحدِّه ... يُصيب حُشاشاتِ المنونِ إذا أدْمى
أحَنُّ على المجروحِ من أمِّ واحدٍ ... وأرفقُ من طفلٍ إذا داعب الأمّا
تعلَّمَ منه البرقُ سرعَةَ خَطْفِهِ ... إذا ما جَرى يستأصلُ اللحمَ والعظما
تكادُ وقد شاهدتَ وَمْضَ مَضائِهِ ... تظنُّ الذي شاهدتَ من عَجَبٍ حُلْما
كأنّ به نوراً من اللّه ساطعاً ... يُضيءُ له نَهْجَ الطَّريقِ إذا أَمَّا
أصابع أَجْدَى خِبْرَةً من أشعةٍ ... وأصدقُ إنْ مرّتْ على جسدٍ حُكْما
فكم من حياةٍ في أنامِلها التي ... تكادُ شفاهُ الطب تلثِمُها لَثْما
وكم من يَدٍ أسْدَتْ إذا شئتَ وصفَها ... ضلِلْتَ بها كيْفاً وأخطأتها كَمّا
زها الشرقُ إعجاباً به وبمثلِه ... وقد عاش دهراً قبلَه يشتكي العُقْما
إذا قَسَم اللّهُ الكريمُ لأمّةٍ ... بنابغةٍ فَرْدٍ فقد أجزل القَسْما
هنيئاً لك العمرُ السعيدُ فإنّه ... عُصارةُ دهرٍ ضمَّتِ العزمَ والحزما
بلغتَ به عُلْيا السنينَ وكلُّها ... مَدارجُ مجدٍ تفرَعُ القِمَمَ الشُّما
كأنّك منه فوقَ ذِرْوةِ شامخٍ ... ترَى من أمورِ الدهرِ أبعدَها مَرْمَى
زمانٌ مضَى في الْجِدِّ ما مَسّ شُبْهةً ... ولا وصلتْ كفُّ الزمانِ به ذَمّا
بنيتَ به عزّاً لمصرَ فأينما ... تلفَّتَّ تلقَى صَرْحَهُ سامقاً فَخْما
بذلتَ لها من صحّةٍ ورَفاهةٍ ... فأولئك حُبّاً ما أبرَّ وما أسْمَى
وألهمتَها معنى الثناء ولفظَهُ ... كريماً فخذْه اليومَ من فَمِها نَغْما
إذا كان للرحمنِ في الناسِ آيةٌ ... فإنّك بينَ الناسِ آيتُهُ العُظْمى
تلاْلؤُ رأْيٍ يسلُبُ الشمسَ ضوءَها ... وكاملُ خُلْقٍ علَّم القمرَ التِّمّا
فإن كرّمتْكَ اليومَ مصرُ فإنّما ... تُكَرِّمُ من أبنائِها رجلاً شَهْما
فقل للذي يبغي لَحَاقَك جاهداً ... رُوَيْدَكَ حتَّى يدخلَ الْجمَل السَّمَا
إذا ما رأى الناسُ المكارمَ حِلْيةً ... فأنت تراها في العُلا واجباً حَتْما
فعش واملأ الدنيا حياةً وذُكْرَةً ... فمثلُك يُعلى ذِكْره العُرْب والعُجْما
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الميم، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- العبقري: عبقر: عَبْقَر: مَوْضِعٌ بِالْبَادِيَةِ كَثِيرُ الْجِنِّ. يُقَالُ فِي الْمَثَلِ: كأَنهم جِنُّ عَبْقَر؛ فأَما قَوْلُ مَرَّار بْنِ مُنْقِذٍ العَدَوي: هَلْ عَرَفْتَ الدارَ أَم أَنكرتَهَا ... بَيْنَ تِبْراكٍ فَشَمَّيْ عَبَقُر … (لسان العرب)
- النجما: جَمَأَ: جَمِئَ عَلَيْهِ: غَضِبَ. وتَجَمَّأَ فِي ثِيَابِهِ: تَجَمَّعَ. وتَجَمَّأَ عَلَى الشَّيْءِ: أَخذه فواراه. (لسان العرب)
- النقش: نقش: النَّقْشُ النَّقّاشُ[[. قوله [النقش النقاش] كذا ضبط في الأَصل.]]، نَقَشَه يَنْقُشُه نَقْشاً وانْتَقَشَه: نَمْنَمَه، فَهُوَ مَنْقُوشٌ، ونَقَّشَه تَنْقِيشاً، والنَقّاشُ صانِعُه، وحِرْفتُه النِّقَاشةُ، والمِنقاشُ الآلة … (لسان العرب)
- تصوير: صير: صارَ الأَمرُ إِلى كذا يَصِيرُ صَيْراً ومَصِيراً وصَيْرُورَةً وصَيَّرَه إِليه وأَصارَه، والصَّيْرُورَةُ مصدر صارَ يَصِيرُ. وفي كلام عُمَيْلَةَ الفَزارِي لعمه وهو ابن عَنْقاءَ الفَزارِي: ما الذي أَصارَك إِلى ما أَرى ي … (لسان العرب)